اخبار لبنان
موقع كل يوم -جنوبية
نشر بتاريخ: ٢٠ شباط ٢٠٢٥
(عندما كتبت هذا النص كنت اجلس في حديقتي الصغيرة، على يساري الحجر وعلى يميني الشجر. كان ذلك قبل طوفان الاقصى وقبل 'حرب الاسناد'. اعيد نشره اليوم بعد الحربين على غزة وعلى لبنان والدمار الذي خلفتّاه. بعد ان شاهدت على الشاشة اهل غزة وأهل الجنوب يعاينون بيوتهم واحيائهم المهدّمة، أضفت بعض المقاطع على النص دون ان اغيّر في جوهره، الذي يعبّر بإعتقادي عن عمق المأساة)
جلس البشر
على الحجر
بين اشلاء البشر
وركام الحجر
ويباس الشجر.
من قال ان المكان
ليس ثمرة حب
بين البشر والحجر والشجر،
من قال ان الركام واليباس
ليسا اشلاء مكان
كان يجري في عروقه الزمان؟
يعيش البشر
طيلة حياتهم،
بين الشجر
والحجر.
النبتة
والشجرة،
تنموان وتتجددان
وأحيانا تموتان،
وهما متجذرتان في الأرض
ولا يتنقلان،
فيصنفهما الانسان
ككائنات حية
غير متنقلة.
الحجر
لا ينمو ولا يموت
ولا يتنقل من تلقاء نفسهه،
كما انه لا يعبّر عن وجود حياة
في داخله،
لذلك لا يسميه الإنسان
كائنا
بل مادة،
ولأن هناك موادا غير صلبة
من مثل المياه والغاز،
يسمي الحجر
مادة صلبة.
لاحظ الانسان سريعا
ركاكة جسده
بالمقارنة مع الحجر والشجر،
فإذا ضرب رأسه
بالشجر او بالحجر
يُجرح او يموت،
في حين أن الشجر والحجر
بالكاد يُخدشان.
وقد لاحظ الانسان أيضا
ان الكائن الحي
يحيا ويموت،
وعندما يموت
يزول من الوجود،
فيما الحجر
لا يحيا ولا يموت
لكنه لا يزول من الوجود.
الحياة
تزول
فيما اللاحياة
او نصف الحياة
تبقى،
أليس في الامر
غرابة؟
الا يستأهل ذلك
إعادة النظر
بفكرة الوجود
وعلاقته بالحياة والموت،
الا تضحك علينا الشجر
ومعها الحجر،
اذا ذكرنا امامهما
مقولة ديكارت
'انا افكر اذا انا موجود؟'
اراد الانسان
ان يتمثل بالحجر
ليصبح خالدا مثله،
فحوّله الى تمثال يشبهه،
ولعله يخلّده.
هذا النحت في الحجر،
هذا العمل الدقيق والمضني
الذي يبذله الإنسان
منذ أقاصي التاريخ
ليصنع تماثيل،
لا يمكن وضعه
تحت عنوان 'فن النحت'
فحسب،
بل يجب النظر اليه
كردة فعل
على الموت وعلى الزوال،
ألم يستجدي
احد النحاتين الكبار تمثاله
طالبا منه أن ينطق؟
كذلك صنع الإنسان
القلم والورق
من خشب الشجر،
مما سمح له
بوصف وتأريخ حياة البشر،
آملا ربما
ان يخلّد ذلك ايضا
ذكرى حياته الفانية.
ها هم البشر
يستعينون بجيرانهم
الدائمَين،
الشجر والحجر،
لينقذوهم
من حتمية الزوال.
لقد استلطفوا
الجيرة
ويريدون
عدم المغادرة،
والبقاء مع جيرانهم
الى الابد.
الحجر يزوده بالمسكن
ومن قبله بالكهف
ليحمي نفسه،
والشجر يزوده بالاكل
وبالاوكسيجان
حتى يتنفس
ويبقى على قيد الحياة.
بدونهما
يموت وهو حي،
وبدونهما
يُنتسى
بعد ان يموت.
هذا هو معنى الإبادة
الذي سعى اليه الوحش الاسرائيلي
من خلال جرف المنازل والاشجار،
فمن أجل ابادة ذكرى البشر
أباد الحجر والشجر.











































































