اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
خاص الهديل…
بقلم: ناصر شرارة
السؤال الثمين الذي يحتار به أهل الأرض، هو كيف يفكر دونالد ترامب؟؟
والواقع أن أقرب المقربين إليه يطرحون هذا السؤال على أنفسهم، بمثلما أن الآخرين يطرحونه عليهم. وفي الحياة ثمة أسئلة لا إجابة عليها، بل هناك إجابات حولها، أو وجهات نظر بخصوصها.. وترامب ينتمي إلى سلالة الغموض هذه.
خلال الفترة الأخيرة وجه إليه كثيرون سؤالاً مفتاحياً وهو ما هي مرجعيتك؛ وأراد طارحو هذا السؤال أن يعرفوا من هو ملهمه إذا كان لا يمكن معرفة ما هي قصة مخيلته؟؟. رد ترامب بعبارة محيرة: مرجعيتي هي 'ضميري'، ومرات أخرى قال هي 'أخلاقي.'!!
.. بخصوص مواقفه المتناقضة من الحرب على إيران؛ سرّب قريبون منه أنه يتقصد هذا التناقض لأنه يريد تضليل العقل السياسي الإيراني.
لا يمكن بعد الآن تصديق ترامب إذا تكلم سواء عن السلام بالقوة أو عن ريفييرا غزة أو حتى عن المنطقة الصناعية في جنوب لبنان؛ ولكن أيضاً لا يمكن بعد إقدامه على فتح حرب اختيارية على إيران، عدم أخذ الحيطة من أفعاله إذا وقعت، وأخذ جانب التحسب الأقصى من أفعاله التي ستقع!!
لماذا يجب العيش على حذر مع ترامب؟.
لألف سبب..
هناك مثل على أفعاله الصادمة لا يزال حاضراً؛ وهو قوله قبل يومين ان الولايات المتحدة لا تأخذ نفطها من هرمز، ولذلك لن يكون مهتماً بما يحصل في مضيق هرمز!؟.
يثير هذا السخرية وبالمقدار نفسه الذعر؛ إذ كيف يمكن لرئيس أكبر وأقوى دولة أن يقول انه غير معني بإطفاء نار طالما أنها لن تصل إليه، رغم أن أحد أسباب استعارها هو قراره بإشعال الحرب بين ظهرانيها.
أمس ساند قرار نتنياهو بجعل قطاع الطاقة أحد أهداف الحرب على إيران؛ وكان متوقعاً أن ترد إيران بإشعال النيران في كل نفط منطقة الخليج. ولا يكفي هنا أن يدين ترامب سلوك إيران بضرب دول غير مشاركة بالحرب بل كان عليه أيضاً أن يمنع إسرائيل من جعل النفط ميداناً جديداً داخل هذه الحرب.
لم يعد خافياً أن طهران تريد توسيع ساحات حربها لتشمل هجماتها على دول مؤثرة في الاقتصاد العالمي؛ تماماً كما أن إسرائيل تريد فتح حرب فوق ميدان كل الخليج لتكون نتائج هذه الحرب إقليمية وليست فقط إسرائيلية إيرانية؛ ولتكون خسائر هذه الحرب، بالدرجة الاولى، عربية.. يعرف الخليجيون الأخطار الناجمة عن توسيع ميدان الحرب حيث تصبح الخسائر الاستراتيجية الناجمة عنها في نهايتها هي خسائر عربية، علماً أن المشاركين فيها ليسوا العرب.
الجهة الوحيدة القادرة على وقف هذا المسار هي الولايات المتحدة الأميركية بقيادة ترامب؛ ولكن الصدمة أمس تمثلت بأنه لا يريد إطفاء النار إلا إذا امتدت لرصيده الشعبي داخل الولايات المتحدة الأميركية.
ويبدو أن مؤيدي تسريع وتيرة تصعيد الحرب في واشنطن، وهؤلاء هم ذاتهم مؤيدو نتنياهو، يسوقون الآن داخل البيت الأبيض لنظرية بات لها اعتبار لدى ترامب؛ وقوامها أنه حتى يتم حسم الحرب بأسرع وقت ممكن يجب الذهاب بقوة الى استخدام سلاح إحراق النفط الإيراني، كونه السلاح الوحيد المؤدي إلى خنق النظام في إيران، وفرض الاستسلام عليها..
.. غير مضمون أن تؤتي هذه الاستراتيجية أُكلها، رغم الإقرار بأن حرمان إيران من نفطها هو سلاح قوي بلا شك؛ ولكن كلفة استخدامه كبيرة جداً على الدول العربية الجارة لإيران بمثلما هي عالية على إيران ذاتها.. أضف لذلك أنه ليس من الحكمة ان تتم إدارة الحرب على إيران بذهنية ممارسة العقاب الجماعي على كل إقليم إيران وبخاصة جوارها العربي.. ويصح توجيه هذا الكلام لترامب ونتنياهو بمثلما يصح مطالبة طهران بوقف فوري لحربها على دول جوارها.
وفي هذا السياق يبقى أمر أكثر خطورة وهو أن الإسراع من قبل واشنطن في رفع سقوف التصعيد العسكري، هو تسرع غير حكيم، كونه سيجعل واشنطن تستهلك بسرعة كل خيارات التصعيد المتدرجة المتاحة لها، بحيث أنها ستصل على نحو مبكر للحظة أنه لم يبق أمامها إلا خيار التصعيد النهائي، وهو السقف النووي (!!) الذي إذا استعملته ستخسر أخلاقياً وستخلق سابقة عالمية خطرة؛ وإذا تخلت عن استخدامه ستخسر عسكرياً.
قد يكون المطلوب من ترامب أن يوازي بين التصعيد العسكري وبين تصعيد وتيرة البحث عن مخرج سياسي لوقف الحرب، وذلك بالتعاون مع عرب المنطقة ومع دول أخرى..
والخلاصة التي لا مفر من استنتاجها والتي تدعو بنفس الوقت للقلق، هي أن ترامب المحير وغير الموثوق به؛ وحده من لا يزال يستطيع احتواء نتائج هذه الحرب؛ وتحويلها إلى تسوية كبرى تخدم أمن المنطقة؛ في حين أن أحداً في العالم غيره، لا يملك قدرة سياسية على كبح انزلاق النتائج الراهنة لهذه الحرب إلى هاوية التصعيد المحظور والممنوع…











































































