اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ١٣ أذار ٢٠٢٦
يكشف التاريخ السياسي الحديث للبنان عن نمطٍ متكرّر، يتمثل في نشوء تسويات كبرى عقب فرض جهاتٍ مسلّحة غير شرعية وقائع على الأرض تعجز الدولة عن مواجهتها. فمن اتفاق القاهرة إلى اتفاق الدوحة، كانت التسويات السياسية غالبًا ما تتشكّل وفق ميزان القوى السائد، أكثر مما كانت ثمرة قرار سيادي كامل. واليوم، تُثير الحرب بين حزب الله وإسرائيل، وعواقبها المدمّرة، احتمال أن يواجه لبنان اتفاق سلام أو تسوية سياسية تكون شروطها قاسية، ناجمة عن الخسائر الكبيرة التي تكبّدها وعن أفعال حزب الله.
بالفعل، شكّل اتفاق القاهرة عام 1969 أول مأسسة للنمط الذي أظهر عجز الدولة. فقد وُقع الاتفاق بين حكومة لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية بوساطة مصرية، ومنح المنظمات الفلسطينية قدرًا واسعًا من الحكم الذاتي داخل مخيمات اللاجئين، ما أدّى إلى نشوء ما وصفه كثير من المراقبين لاحقًا بـ دولة داخل الدولة. وكانت هذه الخسارة جوهرية بالنسبة للبنان، إذ فقد احتكاره لاستخدام القوة.وبهدف إنصاف سياسيي تلك الحقبة، لا بد من التذكير بأن هذا الاتفاق أُبرم تحت ما وصفه العديد من المراقبين بـ ظلّ الدبابات السورية، وهي عبارة استُخدمت للتعبير عن التهديد الموثوق بتدخل سوريا في حال رفض لبنان التوقيع. وتؤكد هذا التقدير مصادر عدة، من بينها مراسلات رُفِعت عنها السرية، صادرة عن سفارة الولايات المتحدة في بيروت، إضافة إلى موجز رئاسي يومي أعدته وكالة الاستخبارات المركزية، وكذلك وثائق منشورة ضمن سلسلة (FRUS) وهي تحليلات دبلوماسية أميركية داخلية لم تُكتب لأغراض الدعاية العامة. إضافة إلى ما أورده الرئيس اللبناني شارل حلو في مذكراته حياتي في السياسة، حيث يذكر أن وحدات مُدرّعة سورية كانت مُحتشدة على طول حدود سهل البقاع، مع تقارير تفيد بأن دبابات دخلت لفترة وجيزة إلى مناطق حدودية خلال الاشتباكات. وتظهر روايات مماثلة أيضًا في المذكرات السياسية لوزير الخارجية اللبناني السابق فؤاد بطرس، الحقيقة المُرّة.
انهار النظام الذي أنشأه اتفاق القاهرة بعد اجتياح لبنان عام 1982، عندما طردت القوات الإسرائيلية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. في هذا السياق، تفاوضت حكومة الرئيس أمين الجميل على اتفاق 17 أيار، الذي شكّل استثناءً لافتًا، إذ سعى إلى انسحاب القوات الإسرائيلية مع ترتيبات أمنية وعلاقات دبلوماسية، ومحاولة لإعادة سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة. ومع ذلك، لم يتحقق هذا الهدف عمليًا، إذ انهار الاتفاق تحت ضغط سوريا والفصائل اللبنانية المتحالفة معها، التي اعتبرته تهديدًا استراتيجيًا لنفوذ دمشق في لبنان.لم يُصمَّم اتفاق 17 أيار لاستيعاب قوة الفصائل المسلحة، بل كان هدفه إعادة احتكار استخدام القوة إلى الدولة ومنع لبنان من الانجرار إلى حروب لم يكن هو من قرّر خوضها. ففي حين أسس اتفاق القاهرة للاستقلالية المسلحة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأقرّ اتفاق الدوحة لاحقًا بالنفوذ السياسي الذي خلقته القوة العسكرية لـ حزب الله بعد أحداث 7 أيار، حاول اتفاق 17 أيار إعادة تأكيد السيادة اللبنانية بدلًا من التكيّف مع تآكلها. ومع ذلك، فإن فشل الاتفاق ضَمن استمرار الدورة التي يُهيمن من خلالها الفاعلون المسلحون على تشكيل التسويات السياسية في البلاد.
اليوم، قد يكون لبنان على وشك لحظة حاسمة جديدة، بعد أن أدّت الحرب التي أشعلها حزب الله ضد إسرائيل إلى عواقب مُدمّرة على البلاد وأعادت إحياء النقاش حول احتمال التوصل إلى تسوية سلام. فقد أعلن مؤخرًا الرئيس اللبناني أن لبنان مستعد للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، رغم أن كل من تل أبيب وواشنطن أبديا شكوكًا، خاصة بسبب عدم قدرة الدولة اللبنانية حتى الآن على نزع سلاح حزب الله.لكن في نهاية المطاف، وبضغط الحرب، ستحصل المفاوضات بهدف التوصّل إلى اتفاق، وحينها سيواجه لبنان تسوية تُفرَض وفق الوقائع العسكرية التي أوصله إليها حزب الله. ومن بين السيناريوات المحتملة، أن تحتفظ إسرائيل بأراضٍ لبنانية كمنطقة عازلة دائمة لأغراض أمنية.
مثل هذه النتيجة ستكون تطورًا مأسويًا لنفس النمط التاريخي: ففي عام 1969، أجبر اتفاق القاهرة لبنان على التنازل عن جزء من سيادته على استخدام القوة، أما التسوية المستقبلية فقد تُجبره على التنازل عن سيادته على قسم من أرضه.











































































