اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦
في كل أسبوع، نسير في دروب الغابات الأردنية، لا بحثًا عن جمال الطبيعة وحده، بل لأننا نؤمن بأن هذه الغابات ثروة وطنية تستحق الحماية، وأن الحفاظ عليها مسؤولية لا تحتمل التأجيل أو الاكتفاء بالشعارات.
لكن ما شاهدناه اليوم، خلال مسارنا الأسبوعي في غابة الشهيد وصفي التل، يثير القلق ويطرح تساؤلات لا بد من الإجابة عنها. فقد فوجئنا بمشاهد قطع حديث لمئات الأشجار المعمّرة، في مشهد مؤلم يصعب تجاهله؛ إذ لا تزال آثار الصمغ تنزف من جذوع الأشجار المقطوعة، فيما تنتشر نشارة المناشير حولها، شاهدة على حداثة ما جرى.
لم تكن هذه المشاهد مجرد أشجار سقطت، بل خسارة لأجزاء من غطاء أخضر احتاجت أشجاره سنوات طويلة لتنمو وتكبر. فالشجرة المعمّرة ليست مجرد جذع وأغصان، بل هي جزء من منظومة بيئية تؤوي الكائنات الحية، وتساهم في حفظ التربة، وتلطيف الأجواء، والحفاظ على التوازن الطبيعي، فضلًا عن قيمتها الجمالية والتراثية.
والمؤسف أن ما شاهدناه اليوم يأتي بعد أسبوع واحد فقط من كتابتنا عن مشاهداتنا في غابة عنبة، حيث رصدنا قطع ما يزيد على ثلاثين شجرة، في واقعة أثارت لدينا تساؤلات حول واقع حماية الغابات، ومدى فاعلية الرقابة الميدانية والإجراءات المتخذة لمنع الاعتداء على الأشجار.
فأين الطوافون؟ وأين طائرات الدرون التي نسمع عن استخدامها في مراقبة الغابات؟
هذه أسئلة مشروعة يفرضها حجم المشاهدات وتكرارها، ولا نطرحها من باب الاتهام المسبق لأي جهة، بل من منطلق الحرص على معرفة ما يجري، والمطالبة بتوضيح آليات الرقابة والمتابعة، ومدى قدرتها على اكتشاف عمليات القطع في وقت مبكر، والوصول إلى المسؤولين عنها.
إذا كانت هناك فرق ميدانية وطائرات مسيّرة مخصصة للمراقبة، فمن حق المواطنين أن يعرفوا كيف تُترجم هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. فالمراقبة لا تُقاس بعدد الدوريات أو الطائرات أو البيانات الصادرة، وإنما بقدرتها على حماية الأشجار ومنع الاعتداء عليها، وضبط المخالفات ومحاسبة مرتكبيها وفق القانون.
إن قطع الأشجار المعمّرة لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثًا عابرًا، خصوصًا عندما تتكرر المشاهدات في أكثر من غابة خلال فترات متقاربة. فكل شجرة تُقطع دون وجه حق تمثل خسارة بيئية يصعب تعويضها في سنوات قليلة، حتى لو زُرعت مكانها شتلة جديدة.
ومن هنا، فإننا ندعو الجهات المعنية إلى التحرك العاجل، وإجراء كشف ميداني على المواقع التي شهدت القطع في غابة الشهيد وصفي التل وغابة عنبة، والتحقق من عدد الأشجار المقطوعة، وأسباب قطعها، وما إذا كانت هناك تصاريح رسمية لأي أعمال من هذا النوع، مع تحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق كل من يثبت تورطه في مخالفة القانون.
كما نطالب بتعزيز الرقابة الميدانية، والإعلان عن نتائج التحقيقات والإجراءات المتخذة، وتفعيل وسائل الإبلاغ عن الاعتداءات على الغابات، بما يتيح للمواطنين المشاركة في حماية هذه الثروة الوطنية.
نحن نكتب لأننا نشاهد، ونسير لأننا نحب هذه الأرض، ونوثّق ما نراه لأن الصمت أمام خسارة غاباتنا ليس خيارًا.
فهل تتحرك الجهات المعنية قبل أن تتحول مشاهد الأشجار المقطوعة إلى واقع يتكرر، ونجد أنفسنا أمام غابات فقدت أشجارها المعمّرة، ولم يبقَ منها سوى الجذوع ونشارة المناشير؟
السؤال اليوم ليس فقط: من قطع الأشجار؟ بل أيضًا: كيف حدث ذلك، وأين كانت الرقابة، وما الذي سيُتخذ لمنع تكراره؟
غابات الأردن أمانة في أعناقنا جميعًا، وحمايتها مسؤولية يجب أن نراها على الأرض، لا أن نسمع عنها فقط.

























































