اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
تقرير - شهاب
مرّ عام على سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وكان الغزيون يأملون أن تعيد لهم الهدنة شيئا من الأمان والحياة الطبيعية، غير أن شهادات سكان من مناطق مختلفة تكشف أن الهدوء الذي وُعدوا به ظل منقوصا.
ما زال كثيرون بلا بيوت، وما زالت أصوات القصف والنسف تطرق مسامعهم، وما زالت الخيام مأوى لعائلات أنهكها النزوح، فيما بقيت المعابر مغلقة في وجه الطلبة والمرضى وأصحاب الأحلام المؤجلة.
'بيتي صار صورة على الهاتف'
يقول فتحي الزق (أب لطفلين)، النازح من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، إن الاتفاق منحه أملا قصيرا بالعودة إلى بيته قبل أن يتبدد.
ويضيف لـ (شهاب): 'كنت أحسب الأيام لأرجع إلى بيتي في الشجاعية، وأنا نازح في غرب المدينة، وأقول لأولادي إننا عائدون قريبا، كنت أرتب في رأسي كل شيء، من أين سندخل، وأي غرفة سننظفها أولا، وكيف سأعيد الحياة إلى البيت الذي بنيته بتعب سنوات طويلة'.
ويتابع: 'ثم وصلني الخبر وأنا في مكان نزوحي أن البيت دُمّر وجُرّفت أرضه بالكامل، لم أصدق في البداية، وظللت أبحث عن صور وفيديوهات لعلي أجد جدرانا واقفة، لكن لم أجد شيئا، صار كل ما أملكه من بيتي صورة قديمة على هاتفي، أقلّبها كل ليلة وأنا أحاول ألا يراني أولادي أبكي'.
ويردف فتحي: 'طفلاي يسألانني كل يوم عن غرفتهما وألعابهما ودراجتهما الصغيرة، ولا أجد جوابا، أقول لهما إننا سنبني بيتا جديدا، وأنا أعلم أنني لا أملك ثمن حجر واحد ولا عملية إعادة إعمار ستتم قريبا، لم يعد لنا بيت نعود إليه، ولا أعرف من أين أبدأ من جديد، لكنني أتمسك بأن يكبر أولادي وهم يعرفون أن هذه أرضهم وأن الشجاعية بيتهم'.
'خيمة لا تقي بردا ولا حرا'
مرّ القسام محسن بسلسلة نزوح متلاحقة، فقد غادر بيته الأول في خانيونس، بعدما حذر الاحتلال بشن عملية برية واسعة في قلب المدينة، فانتقل إلى بيته الآخر في حي الأمل، وقُصف هو الآخر. يقول: 'لم أتخيل أن أخسر بيتين في وقت قصير، كلما ظننت أنني وجدت مكانا آمنا جاءني القصف إليه، وفي النهاية لم يبقَ أمامي إلا الخيمة، أنصبها بيدي وأنا أشعر بالقهر'.
ويصف محسن لـ (شهاب) حياة الخيمة قائلاً: 'في الشتاء يتسرب المطر إلى الداخل، وتتحول الأرض إلى طين، ونقضي الليالي نحمل الأغطية المبللة ونحاول تدفئة الأطفال بأجسادنا، وفي الصيف تصير الخيمة كالفرن، فلا قماشها يحمينا من البرد ولا من الحر، نغطي أنفسنا في الشتاء وننتظر الفجر، ونخرج في الصيف بحثا عن ظل'.
ويضيف: 'وإلى جانب ذلك تنتشر القوارض بين الخيام، وتدخل علينا ليلاً وتعبث بما نملك من طعام قليل، وأخاف على أسرتي من عضّاتها ومن الأمراض التي تنقلها، صرت أسهر لأحرسهم كأنني أحرس كنزا، الحياة في الخيمة ليست حياة، لكنها كل ما بقي لنا بعد أن خسرنا بيتين'.
'نعيش على صدى الانفجارات'
في مخيم البريج وسط القطاع، لا يعني وقف إطلاق النار لمحمود متولي أن الصوت قد هدأ، يقول: 'كل يوم أسمع صدى تفجير ونسف المنازل الشرقية المحاذية للمخيم، تهتز الجدران ويتجمع الأطفال حولي خائفين، صوت الانفجار صار جزءا من يومنا كما كان في أيام الحرب'.
ويشير متولي في حديثه لـ (شهاب) إلى أن الخطر لا يقتصر على الصوت: 'تُطلق قوات الاحتلال النار باتجاه بيتي وبيوت جيراني، فنضطر إلى الابتعاد عن النوافذ والجلوس في الغرف الداخلية، وفي فترات متقطعة تتقدم الآليات نحونا، فنعيش ساعات من الرعب ننتظر فيها أن تتوقف أو تصل إلينا'.
ويضيف: 'نسمع عن وقف إطلاق النار، لكننا نعيش كل يوم وكأن الحرب لم تتوقف، لا نستطيع أن نخطط ليومنا، نريد أن نعيش مثل بقية الناس، بلا خوف وبلا انتظار لصوت الانفجار التالي'.
'حلم الدراسة عالق خلف المعبر'
أحمد الحطاب، طالب من حي تل الهوا بمدينة غزة، حصل على منحة دراسية كاملة في دولة إيطاليا، وظنّ أن وقف إطلاق النار سيفتح له الطريق أخيرا. يقول: 'حين وصلني قبول المنحة شعرت أن تعبي كله لم يذهب هباءً، وقلت لنفسي إنني سأسافر وأكمل دراستي مهما كانت الظروف، كنت أحمل في ذهني قائمة بما سأدرسه وأين سأسكن، وأحسب الأيام لأن يُفتح المعبر'.
ويتابع في حديثه لـ (شهاب): 'لكن المعبر بقي مغلقا، كل صباح أتابع الأخبار وأسأل عن موعد الفتح، وكل مرة أسمع الجواب نفسه، الجامعة تنتظرني وأوراقي جاهزة، لكنني عالق في مكاني، وكأن هناك من يقول لي إن حقي في التعلم مؤجل إلى أجل غير معلوم'.
ويضيف أحمد: 'المنحة لا تنتظر طويلا، وأخشى أن أخسرها بعد كل هذا الجهد، لا أطلب شيئا غير عادي، فقط أن أسافر وأتعلم وأعود لأخدم أهلي وبلدي، إغلاق المعبر يحرم جيلا كاملا من الطلبة الذين يحلمون بغدٍ أفضل'.
'الهدنة التي لم تصل إلى الشمال'
أما في شمال القطاع، فيصف محمد الكفارنة عاما من الانتظار، يقول: 'توقعنا أن يكون الاتفاق بداية لإعادة الإعمار، لكن الركام ما زال في مكانه، والشوارع التي كنا نعرفها لم يبقَ منها إلا أسماؤها، نبحث عن بيوتنا بين الأنقاض ولا نجد حتى ملامحها'.
ويضيف في حديثه لـ (شهاب): 'الحصول على الماء والطعام والدواء ما زال معركة يومية، نقطع مسافات طويلة لنملأ بضعة جالونات، وننتظر ساعات من أجل رغيف خبز، والمرضى بيننا يتألمون لأن الدواء لا يصل، نشعر في الشمال أن هناك من نسينا، وأن الاتفاق كُتب لغيرنا'.
ويتابع الكفارنة: 'رغم كل شيء ما زلنا هنا، نزرع في الركام ما استطعنا ونعلّم أولادنا بما توفر لدينا، كل ما نطلبه أن يتحول وقف إطلاق النار إلى حياة حقيقية، فيه بيوت تُبنى ومدارس تفتح وأسواق تعمل، لا إلى هدنة على الورق فقط'.

























































