اخبار سوريا
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
تثير مسيرة أحمد الشرع، المعروف باسم أبو محمد الجولاني، تساؤلات وفضولاً، ومنذ أن استولى على السلطة بالقوة، يود كثر رؤيته كرجل مبارك، جهادي تائب بات رجل دولة براغماتياً. إعادة النظر في مسيرته من منظور الصراعات على السلطة والعلاقات التي شكلت الحرب الأهلية السورية، تفتح الباب أمام رؤية أخرى أقل أسطورية لهذا الرجل.
بدأ أبو محمد الجولاني مسيرته في معسكر بوكا، وهو معسكر اعتقال (وحاضنة) للجهاديين أنشأه الجيش الأميركي في عام 2003 بالقرب من ميناء أم قصر في العراق. عندما كان مجرد مقاتل شاب عديم الخبرة، والذي ربما جنّده في دمشق الداعية محمود أغاسي (أبو القعقاع)، يُعتقد أنه احتُجز في هذا السجن بين أيار/ مايو 2005 ونيسان/ أبريل 2010 إلى جانب عبد الرحمن مصطفى القادولي (أبو علي الأنباري)، وهو أيديولوجي سلفي مقرب من مؤسس تنظيم القاعدة في العراق، أبو مصعب الزرقاوي، ومفضل لدى قيادة التنظيم ليكون خليفته. وبذلك، كان الأنباري ما يمكن تسميته 'صانع القادة'.
ظروف القبض على الجولاني في الموصل وأسبابه لا تزال غير واضحة، إلا أن وجوده خلف القضبان – ومن خلال الأنباري – جعل منه شخصية مهمة في النظام الإيكولوجي للجهاد العالمي. وتجدر الإشارة إلى أن أحد زملاء الجولاني في السجن حصل على لقب فارس من الأنباري، وهو الضابط السابق في المخابرات العسكرية العراقية فاضل أحمد الحيالي (أبو مسلم التركماني / أبو معتز القريشي).
أصبح الأخير شريكه وادعيا أنهما وضعا خطة لإنشاء الفرع السوري لتنظيم القاعدة، وهو مشروع قدمه الحيالي إلى أمير الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي للحصول على موافقته بعد خروجه من السجن في عام 2010. وبالتالي، فور إطلاق سراحه في 13 آذار/ مارس 2011 (عندما اندلعت الثورة السورية)، حصل الجولاني على تأييد مزدوج من أيمن الظواهري – نائب بن لادن الذي أصبح خليفته بعد ثلاثة أشهر – ومن البغدادي، للتوجه إلى سوريا وتأسيس فرع القاعدة فيها.
عبَر الجولاني الحدود السورية إلى الحسكة مصحوباً بستة من مرافقيه في تموز/ يوليو 2011 وبميزانية شهرية قدرها ستون ألف دولار، قبل أن يلتقي بقادة سلفيين عدة أطلق الأسد سراحهم من السجن بالتوقيت المناسب في الأسابيع التي سبقت وصوله.
في النهاية، بعد أول ظهور له من خلال هجمات عدة بالقنابل على مباني المخابرات السورية في دمشق خلال فصل الشتاء، وُلد فرع القاعدة السوري أخيرًا في 23 كانون الثاني/ يناير 2012 تحت اسم جبهة نصرة أهل الشام، أو جبهة النصرة. هذا ما يمكن أن نسميه مشروعًا عملياتيًا.
الأسد وأسلمة الثورة السورية
يتساءل المرء عن سبب هذا التساهل المفاجئ من السلطات الأميركية والسورية، الذي أدى إلى الإفراج عن عشرات القادة الإسلاميين في فجر الثورة السورية. فإلى جانب الجولاني، من بين المحظوظين، مرشده أبو علي الأنباري وأبو بكر البغدادي نفسه، وكذلك أبو حسن الهاشمي القريشي، أبو إبراهيم الهاشمي القريشي، زهران علوش، أحمد عيسى الشيخ، أبو خالد السوري، أبو مصعب السوري، حسن عبود، أبو جابر الشيخ، أبو يحيى الحموي، عامر العبسي أبو أثير، أبو مهند السويداني، وأبو أيمن العراقي.
من المهم ذكر أسمائهم لأنهم، في العام الذي تلى إطلاق سراحهم، أصبحوا جميعًا قادة للجماعات السلفية الأكثر تطرفًا التي شاركت في الحرب الأهلية السورية، كما أصبحوا أشرس المتنافسين داخل الشبكة الجهادية الإقليمية.
دعونا نضيف – وهذا ما سيكون موضع اهتمامنا بشكل خاص لاحقاً – أنهم أيضاً المهندسون الرئيسيون للتفتت الذي أصاب قوات المتمردين السوريين، والذي تحقق من خلال التطهير المتطرف لمكوناتها الأكثر علمانية وتقدماً. على رأس هذه الحركة المضادة للثورة، كانت جبهة النصرة بقيادة الجولاني، وحركة أحرار الشام بقيادة حسن عبود، وجيش الإسلام بقيادة زهران علوش، وصقور الشام بقيادة أحمد عيسى الشيخ، وجميع الجماعات التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية بقيادة أبو بكر البغدادي.
تمكين جبهة النصرة
بعد بضعة أشهر فقط من تأسيس جبهة النصرة، بدأ الجولاني بالفعل في الانفصال عن منظمته الأم، ما دفع البغدادي إلى إرسال مرشده السابق، الأنباري، لمراقبة الأمور. تبادل الأنباري رسائل عدة مع أمير الموصل ليعرض عليه ملاحظاته، وفي إحدى هذه الرسائل، وصف الجولاني بعبارات دامغة: 'إنه شخص مخادع ذو وجهين. إنه يحب نفسه ولا يكترث لدين جنوده. إنه مستعد للتضحية بدمائهم فقط لكي يذكر اسمه في وسائل الإعلام. إنه يطير فرحًا كطفل صغير عندما يذكر اسمه على قنوات التلفزيون'.
في عام 2013، اكتمل الانقسام بين جبهة النصرة والدولة الإسلامية، بينما حافظ الجولاني على تعاون تكتيكي مع المنظمات السلفية السورية السبع الرئيسية المجتمعة ضمن الجبهة الإسلامية (أحرار الشام، صقور الشام، جيش الإسلام، لواء التوحيد، لواء الحق، أنصار الشام، والجبهة الإسلامية الكردية)، وذلك على الرغم من خلافاتهم حول طبيعة العلاقة التي يجب الحفاظ عليها مع تركيا.
كان هذا الخلاف الأخير الذي دفع جزءًا من قيادة أحرار الشام، التي كانت آنذاك المنافس الرئيسي لجبهة النصرة، إلى الانشقاق والانضمام إلى جبهة النصرة بين عامي 2014 و2015. وكان هذا هو الحال بشكل خاص بالنسبة الى أبو جابر الشيخ، الذي سنناقشه بمزيد من التفصيل لاحقاً. في الوقت نفسه، سحق الجولاني القوى المحركة للثورة السورية، بدءاً بالجبهة الثورية السورية، حركة حزم، والفرقة الثالثة عشرة للجيش السوري الحر، ما عزز تدريجياً موقعه المهيمن داخل المعارضة المسلحة لنظام الأسد.
التدخل الأجنبي والتموضع المحلي وتشكيل صورة جديدة
شكّل عام 2015 نقطة تحوّل مفصلية. فقد توسّع تنظيم الدولة الإسلامية بسرعة على أرض خصبة بفضل الأنشطة المضادة للثورة التي قام بها نظام الأسد وجبهة النصرة، ما مكنه من الاستيلاء على محافظة إدلب ومخيم اليرموك الفلسطيني الواقع على مشارف العاصمة في العام نفسه. كان هذا الانتصار الثاني أيضاً نتيجة لتحالف تكتيكي مؤقت مع تنظيم الدولة الإسلامية، لا تزال آثاره الاستراتيجية غير واضحة حتى اليوم، إلا إذا اعتبرنا أنه كان يتعلق أساساً بإبعاد الجيش السوري الحر والجبهة الإسلامية (التي كانت في حالة تراجع بالفعل) عن خط المواجهة مع قوات النظام.
تجدر الإشارة أيضاً، إلى أن جبهة النصرة كانت مهدت الطريق قبل استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على المخيم، من خلال اغتيال ما يقرب من 15 من قادة المجتمع الفلسطيني وناشطي المجتمع المدني بشكل منهجي. لكن الحدث المحوري في ذلك العام كان التدخل العسكري الروسي في الخريف، الذي سمح للأسد باستعادة حلب ودفع الجولاني إلى تبني استراتيجية جديدة تماماً للحفاظ على إدلب في مواجهة الوضع المتدهور بسرعة.
أيضاً تجدر الإشارة إلى أن أحد التهديدات الرئيسية التي واجهت جبهة النصرة آنذاك كان التعاون المحتمل بين الولايات المتحدة وروسيا للقضاء عليها، كما سيظهر قريباً في مذكرة التفاهم التي وقعتها القوتان في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2015، تحت مسمى محاربة داعش. لذلك كان من الضروري إثبات المصداقية للاستفادة من دعم الدول الحليفة للولايات المتحدة، ولا سيما من خلال حشد الجماعات المتمردة التي كانت حتى ذلك الحين مترددة في الارتباط بمنظمة تابعة لتنظيم القاعدة وبالتالي بالجهاد العالمي.
وهكذا، تصالحت جبهة النصرة مع أحرار الشام للسيطرة على إدلب، وشكلت تحالفًا مدعومًا من السعودية وقطر وتركيا، قبل أن تنفصل رسميًا عن القاعدة وتغير اسمها إلى جبهة فتح الشام في 28 تموز/ يوليو 2016. كان من المفترض أن يصاحب هذا التغيير اندماج مع أحرار الشام، لكن اقتراح الجولاني في هذا الصدد قوبل بالرفض. فكل شيء يأتي في أوانه.
منذ تلك اللحظة، التي تزامنت مع انطلاق محادثات أستانا التي بادرت بها روسيا، وعملية درع الفرات التركية (آب/ أغسطس 2016– آذار/ مارس 2017) التي أدت إلى احتلال تحالف قوى متمردة بقيادة تركيا شمال سوريا، بدأ الجولاني بإعلان ولائه للثورة السورية وتقديم ضمانات لـ”نزع التطرف“، ما سمح له بالتنقل بين مختلف القوى الأجنبية المشاركة في الحرب الأهلية من خلال وكلائها الكثيرين.
موّلت الولايات المتحدة وأوروبا (وقطر) معارضة المنفى، التي جسدها الائتلاف الوطني السوري والحكومة السورية المؤقتة، بمبالغ قُدرت بعشرات الملايين من الدولارات، ما أدى بعد بضعة أشهر إلى ظهور الجيش الوطني السوري، وهو تحالف يضم 28 فصيلاً، 21 منها مدعومة ومسلحة من الولايات المتحدة عبر غرفة عمليات مشتركة مقرها في أعزاز وتسيطر عليها تركيا.
على الرغم من أن الخصوم التاريخيين لجبهة النصرة، المعروفة أيضاً باسم جبهة فتح الشام، أصبحوا الآن جزءاً من المشروع التركي-الأميركي، إلا أن وريث القاعدة المثير للجدل لم يكن مستعداً بعد لتجسيد ”الثورة السورية“ كما حددها ووصفها الائتلاف.
كان الانشقاق عن القاعدة لا يزال حديثًا بحيث لا يبدو موثوقًا في نظر معظم المتمردين السوريين، بخاصةً أنه تم بموافقة شخصيات بارزة عدة في القاعدة، وهي أحمد حسن أبو الخير وأبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني. ويزعم بعض المصادر أن أيمن الظواهري نفسه أيد هذا الخيار التكتيكي.
يد أنقرة ومِرفق أستانا وكتف واشنطن
على أية حال، وضع الجولاني بيادقه بشكل منهجي على رقعة الشطرنج، بهدف أن يصبح الزعيم المهيمن على التمرد السوري، إذ كان عليه أن يحيّد العناصر الأكثر تمرداً على جناحه الأيمن، أي التكفيريين الذين لا يلتزمون بولاء دائم، والفصائل الأكثر اعتدالاً على جناحه الأيسر. بينما كان الفريق الأول يتجمع حول جبهة النصرة/ جبهة فتح الشام، كان الفريق الثاني يتقرب تدريجياً من أحرار الشام، التي كان زعيمها أبو جابر الشيخ قد أنشأ للتو جيش الأحرار في كانون الأول/ ديسمبر 2016 من خلال دمج 16 فصيلاً محلياً لم تكن منتسبة بعد إلى جبهة فتح الشام. ولم يبقَ سوى دمج الفصيلين، وهو ما تم تحقيقه بالكامل تقريباً بعد شهر واحد فقط من خلال إنشاء هيئة تحرير الشام (HTS) في 28 كانون الثاني/ يناير 2012، والتي عُهد بقيادتها إلى أبو جابر الشيخ نفسه.
تعيين خصم مفترض لقيادة قواته، فضلاً عن دمج أحرار الشام ضمن كيان قصير العمر، لم يدم سوى شهر واحد (جيش الأحرار)، يشير بقوة إلى أن الجولاني قد توصل إلى اتفاق مسبق مع الشيخ. والسؤال الذي يبقى بدون إجابة هو: منذ متى كان هذا الأمر قيد الإعداد؟
ما هو مؤكد أن المترددين من أحرار الشام خسروا قوتهم لاحقاً خلال الصيف، عندما فرضت هيئة تحرير الشام وحداتها المسلحة في جميع المناطق التي كانت الجماعة لا تزال موجودة فيها، وأجبرت فلولها على التنازل عن المعابر الحدودية مع تركيا التي كانت تحت سيطرتها حتى ذلك الحين، بما في ذلك معبر باب الهوى، الذي كان لسنوات معبراً للمقاتلين السلفيين القادمين من أوروبا بدعم تركي.
وأخيراً، في خريف عام 2017، تم اغتيال أو اعتقال أكثر من 30 من المتشددين السلفيين المرتبطين بشكل أو بآخر رسمياً بهيئة تحرير الشام، بينما تنازل الشيخ عن منصبه للجولاني وتولى رئاسة مجلس الشورى، وهو الهيئة الاستشارية التي تحيط بالخليفة تقليدياً. كان الشيخ معروفًا بتأييده لـ ”الجهاد الشعبي“، وهو شكل من أشكال الشعبوية الإسلامية التي تعطي الأولوية لدعم الشعب على إنشاء الخلافة (الدولة الإسلامية). تجدر الإشارة إلى أن الجولاني أنشأ لاحقًا حكومة الإنقاذ السورية لتحل محل الحكومة السورية المؤقتة التي كان يدعمها منافسوه (وحتى ذلك الحين الولايات المتحدة)، قبل أن يكمل سحق الأخيرة بين عامي 2018 و2019.
بحلول أوائل عام 2019، كانت حكومة هيئة تحرير الشام تسيطر على المحافظة بكاملها، وبالتالي تمكنت من البدء في ممارسة السياسة. وبدت أخيراً جاهزة للحكم بموافقة قوات التحالف.
على الرغم من أن الولايات المتحدة وتركيا قد اختلفتا حول الاستراتيجية، لا سيما في ما يتعلق بإدارة شمال شرقي سوريا والموقف الذي يجب اتخاذه تجاه داعش ووحدات حماية الشعب/قوات سوريا الديمقراطية، إلا أنهما يشكلان حجر الزاوية للتحالف الدولي في سوريا، وبالتالي يجب اعتبارهما حليفين في القضية السورية.
عندما أنهى التحالف تدخله في عام 2019 وسحبت الولايات المتحدة دعمها لقوات سوريا الديمقراطية، أصبحت تركيا تتمتع بقدر أكبر من حرية التصرف، لكنها واصلت التفاوض مع واشنطن بشأن تحركاتها. بعدما شجع التحالف – عن قصد أو عن غير قصد، ولن يُعرف ذلك على وجه اليقين إلا في المستقبل عندما يتم رفع السرية عن الوثائق – ظهور جماعات سلفية عدة ساهمت في تفتيت التمرد السوري بين عامي 2011 و2015، أصبح الآن يقود حملة تدريجية لنزع التطرف.
يبدو أن هذا التطور هو تتويج لاستيلاء تركيا على هيئة تحرير الشام. خلال الاثني عشر اجتماعًا مع روسيا وإيران في أستانا وسوتشي بين عامي 2015 و2021، عملت تركيا بنشاط على توسيع نفوذها ووجودها العسكري في سوريا، من خلال اجتياح المنطقة الشمالية الغربية من حلب بالكامل بين عامي 2016 و2018، ثم إنشاء مناطق خفض التصعيد ومنطقة عازلة في إدلب. وبالتالي، سرعان ما ”فُرض“ الوجود العسكري التركي في إدلب على الجولاني، تحت غطاء الدفاع عن مراكز المراقبة الاثني عشر التابعة له، والتي حاصرتها تدريجياً قوات النظام بين كانون الأول/ ديسمبر 2019 وشباط/ فبراير 2020.
نشرت القوات التركية في هذه اللحظة الحاسمة حزامًا وقائيًا حول القوات المتمردة، التي كانت لا تزال غير موحدة بشكل كافٍ، وبالتالي عرضة لهجمات من النظام السوري والقوات الروسية. اسم العملية التركية، ”درع الربيع“، مهم جدًا في هذا الصدد، ويمثل نقطة تحول رئيسية سمحت لمنطقة إدلب بالصمود ولجبهة النصرة بترسيخ سيطرتها على المنطقة بشكل نهائي. هذه الرعاية التركية، مصحوبة بتمويل مشاريع إعادة إعمار وتنمية كبرى وإنشاء مؤسسات مدنية، مكنت الوالي الجولاني من تنظيم الاستيلاء الإداري على المحافظة بهدوء، وبالتالي إنشاء جهاز دولة بدائي والوصول إلى عتبة السلطة في ربيع عام 2023. في أيار/ مايو من ذلك العام، أعلن علناً عن نيته استعادة حلب، واصفاً المدينة بأنها بوابة دمشق.
السجادة الحمراء إلى دمشق
في 8 كانون الأول/ ديسمبر عام 2024، استولى تحالف واسع من الجماعات المتمردة بقيادة هيئة تحرير الشام، على السلطة بقوة السلاح، ونُصّب زعيمها على رأسها. هذا ما يُعرف بالانقلاب. في اليوم السابق، عُقدت الجولة الأخيرة من محادثات أستانا في الدوحة، قطر، بحضور خمس دول عربية وتلك التي تُعتبر ألدّ ثلاثة أعداء: تركيا وروسيا وإيران. وبشكل غير مفاجئ، اتفقت على وقف الأعمال العدائية، بالتزامن مع وقف القصف الروسي، وكذلك الانسحاب الكامل لمقاتلي حزب الله والحرس الثوري الإيراني، ولكن أيضًا لجميع القوات المسلحة للنظام، التي، كما نعلم، تخلى أفرادها عن زيهم العسكري بشكل جماعي قبل العودة إلى ديارهم.
خلال الليل، غادرت أسرة الأسد مع كبير مفاوضي النظام في أستانا، بشار الجعفري، بينما حصل رئيس الوزراء السني محمد غازي الجلالي على ضمان بالعفو. قبل الساعة الرابعة والنصف من صباح يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر، عندما اختفت آخر رحلة مغادرة من مطار العاصمة دمشق من على شاشات الرادار قبل وصولها إلى القاعدة الجوية الروسية في حميميم (طرطوس)، كان أكثر من خمسين ضابطاً من ضباط النظام قد اختفوا. في المساء، أعلن الكرملين أن الأسد لجأ إلى موسكو مع عائلته، وأن المسألة قد حُسمت. وهكذا، تم التفاوض بسرية بين أطراف النزاع بوساطة روسية على مسار خروج مُؤمّن، كما حدث عندما تم أجلى النظام مقاتلي هيئة تحرير الشام والدولة الإسلامية من اليرموك بالحافلات في ربيع 2018. الجهات الفاعلة نفسها، الأساليب نفسها.
بعد أربعة أيام، كان رئيس المخابرات التركية (MIT) إبراهيم كالين أول مبعوث أجنبي يزور دمشق، حيث صلى في المسجد الأموي والتقى بالجولاني، وتلاه بعد عشرة أيام سلفه (2010-2023) ووزير الخارجية التركي الحالي هاكان فيدان. ظهر الجولاني وراعيه معاً وهما يشربان الشاي على شرفات جبل قاسيون، الذي كان محظوراً على الشعب السوري منذ انتفاضة 2011. لم يسبق أن كانت الرسالة أوضح من ذلك: إذا لم يكن طريق جبهة تحرير الشام إلى دمشق ملطخاً بالدماء، فذلك لأن عملاء أردوغان قد فرشوا السجادة الحمراء مسبقاً بموافقة القوى الإمبريالية الأخرى، بما في ذلك إيران. هذا ما يسميه دونالد ترامب 'صفقة جيدة'.
في الواقع، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب شديد الوضوح بشأن ذلك خلال مؤتمره الصحافي الأول منذ إعادة انتخابه، في 16 كانون الأول/ ديسمبر 2024: 'تركيا هي التي تقف وراء ذلك. إنه [أردوغان] رجل ذكي للغاية، لقد أرادوا ذلك منذ آلاف السنين، وقد حصلوا عليه، وأولئك الذين دخلوا تحت سيطرة تركيا، ولا بأس بذلك، إنها طريقة أخرى للقتال […] لا أحد يعرف ما ستكون النتيجة النهائية في المنطقة. لا أحد يعرف من سيحكم في النهاية. أعتقد أنها تركيا. تركيا ذكية جدًا، وهو رجل ذكي جدًا وصارم جدًا. قامت تركيا بانقلاب غير ودي من دون خسارة الكثير من الأرواح'.
هذه الحقائق تدعم الادعاء بأن الجولاني ورفاقه شركاء منذ فترة طويلة للمخابرات التركية، على الرغم من عدم وجود أدلة تشير إلى أن هذه الصلة تسبق إنشاء جبهة فتح الشام في عام 2015. المصدر الوحيد الموجود هو الصحافي التركي المنفي عبد الله بوزكورت، الذي يدعي أن أنس خطاب مرتبط بمخابرات الأركان التركية منذ بداية الحرب الأهلية.
والجدير بالذكر أن هذا الصحافي تعرض لتهديدات وهجمات وإجراءات قانونية عدة من الدولة التركية لهذا السبب، والتي ضغطت أيضًا على الحكومة السويدية لإغلاق مركز أبحاثه Nordic Monitor، من دون جدوى. بإلقاء نظرة ثاقبة على الأحداث الماضية ومن دون الاستسلام لنظريات المؤامرة، لا يزال من حقنا أن نعتبر أن جبهة النصرة وما أنتجته بعدها هي في الواقع نتيجة مثمرة لاستراتيجيات التحالف في المنطقة.
ويبدو أن هذا ما أكده القائد السابق للقوات الأميركية في العراق ثم مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية، ديفيد بترايوس، عندما أشاد بحرارة بمسيرة الجولاني في 22 أيلول/ سبتمبر 2025 بالكلمات التالية: 'رؤيتك قوية وواضحة. كما أن سلوكك مثير للإعجاب… نأمل بالطبع أن تنجح، إن شاء الله، لأن نجاحك في نهاية المطاف هو نجاحنا'.
حصل هذا المشهد السريالي في قمة كونكورديا السنوية، وهي منتدى محافظ يعقد سنوياً منذ عام 2011 بهدف “بناء شراكات ضد التطرف” (كما ورد في النص). في عرض مدبر بعناية، أجرى بترايوس مقابلة مع الجولاني، الذي دُعي بحرارة إلى استخدام أسلوبه ”ما بعد الجهادي“ في لعبة الإغواء عشية خطابه التاريخي في الأمم المتحدة.
يبدو من المفاجئ أن يبدي أحد قادة الإمبريالية الغربية حماسة للإنجازات الدموية لزعيم حرب سلفي مدرج على قائمة ”الإرهابيين العالميين المعينين بصفة خاصة“، كما أن انعدام صدى تصريحاته في الصحافة الدولية يتماشى مع تساهل المجتمع الدولي في مواجهة جنون دونالد ترامب المدمر. لكن هذا أمر آخر بلا شك.
لفهم الطبيعة غير المتوقعة لمدحه، تجدر الإشارة إلى أن ديفيد بترايوس معروف بكونه مهندس استراتيجيات مكافحة التمرد التي نُفذت في الموصل في السنة الأولى من الحرب. أدى عمله الميداني إلى إحياء تعاليم ديفيد غالولا، الضابط في الجيش الفرنسي والجلاد في الجزائر الذي كتب في عام 1962 عملاً رائداً في مجال الحرب النفسية بعنوان ”مكافحة التمرد: النظرية والتطبيق“. حتى أن بترايوس كتب مقدمة لإعادة إصدار الكتاب باللغة الفرنسية في عام 2008، بعد نشر كتابه ”دليل مكافحة التمرد الميداني“ (FM 3-24)، وذلك على الرغم من أن فضيحة الانتهاكات التي ارتكبها الجيش الأميركي ضد السجناء في أبو غريب قد وضعت ممارسات فرق العمليات النفسية الأميركية (PsyOps) على المستوى نفسه للفظائع التي ارتكبها أعداؤهم، ليصبح كل طرف إرهابياً بالنسبة الى الطرف الآخر. ما يجب أن نتذكره هو أن بترايوس هو الرجل الذي اعتقل ”عن غير قصد“ المُفجّر الجولاني في الموصل، قبل أن يعرض عليه الإقامة في معسكر بوكا، الذي يُعدّ مهدًا للجهاديين.
'أحمد الجولاني' أو نجاح مكافحة التمرد
لكن، ما هو النجاح الذي يتحدث عنه بترايوس؟ للإجابة عن هذا السؤال، علينا أن ننظر إلى الطريقة التي صور بها الخبراء والصحافيون الجولاني منذ توليه السلطة. مدفوعين بنوع من الانبهار الجماعي بشخصيته، يبدو أن محللين كثراً يتفقون على أن ”الرئيس المؤقت“ الجديد قد أصبح ”منزوع التطرّف“ – وهو مصطلح مستعار من لغة مكافحة الإرهاب – خلال العقد الماضي، وأن هذه العملية كانت نتيجة لإدراكه التدريجي بعدم جدوى أفعاله السابقة. عند قراءة تعليقاتهم، من السهل أن نقتنع بأن الجولاني، الجهادي الذي تحول إلى رجل دولة، هو حالة من حالات النجاح الذاتي، قصة نجاح روّجت لها بشكل خاص الدول التي يبدو أنها دعمته منذ عام 2013.
أكثر من مجرد مراجعة ذاتية شخصية، يقودنا الأمر إلى الاعتقاد بأن هذه العملية الفردية كانت مصحوبة أيضاً بإدراك جماعي من جانب رفاقه الأوائل، ولا سيما أنس حسن خطاب (الاسم الحركي: أبو أحمد حدود)، وأسعد الشيباني (أبو عمار الشامي أو زيد العطار أو أبو عائشة) وعبد الرحيم عطون (أبو عبد الله الشامي) .
بعدما كانوا ”الإرهابيين الأشد طلباً”، تحولوا جميعاً إلى استراتيجيين ماهرين ويمكن اعتبارهم الآن قادة براغماتيين، إذ أدركوا فجأة من خلال أنشطتهم الإدارية اليومية في إدلب ضرورة إظهار الشعبوية الوطنية السنية بدلاً من التعنت السلفي العقائدي. يستشهد الخبراء بكتابات عالم الدراسات الإسلامية الشهير أوليفييه روا عن الإسلام السياسي ليشرحوا لنا – ولا شك ليطمئنوا أنفسهم وبقية العالم الذي كان قد بدأ يقارن سوريا بأفغانستان – أن الإسلام المتطرف محكوم عليه بالاعتدال عندما يجد نفسه في موقف يتعين عليه فيه إدارة دولة. وسرعان ما طرحت وسائل الإعلام السؤال البلاغي: ”هل توقف أحمد الشرع عن كونه جهادياً؟”، وذلك على الرغم من أن أحداً لا يعرف شيئاً عن سيرة هذا الرجل، في ما يبدو.
تجدر الإشارة الى إلى أن الهوية الحقيقية للجولاني لم يتم الكشف عنها في وسائل الإعلام الرائجة إلا بعد الخامس من كانون الأول/ ديسمبر 2024، عقب نشر رسالة على قناة «هيئة تحرير الشام» على تلغرام تهنئ شعب حماة بتحريره وتحمل توقيعه، والتي نقلتها وكالة رويترز وقناة «العربية» السعودية.
قبل ذلك، لم تُذكر هويته الحقيقية علناً سوى في مقابلة تلفزيونية واحدة أجراها في شباط/ فبراير 2021 مع الصحافي مارتن سميث لبرنامج فرونتلاين على قناة PBS الأميركية. لم تكشف المقابلة التلفزيونية السابقة، التي أجريت قبل ثماني سنوات مع الصحافي تيسير علوني من قناة الجزيرة، عن هويته ولا وجهه. جاءت المقابلة في الوقت المناسب، إذ كان تنظيم الدولة الإسلامية – الذي كان في حالة صعود سريع – يجذب مئات المنشقين عن جبهة النصرة، ما أجبر الجولاني على إيجاد أوراق رابحة جديدة.
مثل بن لادن قبله، تمكّن زعيم الحرب من الاعتماد على القناة القطرية – والصحافي المتعاطف معه – لتوفير منصّة له، ظهر من خلف الكاميرا وتحدّث عن رفضه محادثات جنيف التي بدأتها الأمم المتّحدة، بحجّة ألا أحد 'فوّض المشاركين فيها لتمثيل الشعب' (كما ورد في النصّ)، وأرسل إشارة إلى السعودية لإعادة تقييم استثماراتها في الصراع السوري.
بين المقابلتين، كشف الجولاني عن وجهه أخيراً، خلال إعلان إنشاء 'جبهة فتح الشام' في 28 تمّوز/ يوليو 2016، حيث ظهر إلى جانب المُنظّر عبد الرحيم عطون وأحمد سلامة مبارك (أبو فرج المصري) أحد قادة 'القاعدة' الأكثر عدوانية والمقرّب جدّاً من أيمن الظواهري وشقيقه محمّد الظواهري.
تجدر الإشارة إلى أن أبو فرج المصري، بصفته شخصيّة رئيسية في تنظيم 'القاعدة'، كان له دور تكتيكي حاسم في سياق إعادة التنظيم الشاملة لـ'جبهة النصرة'، وشكّل حضوره رمزاً لاستمرار صلات 'جبهة فتح الشام' بشبكة 'القاعدة' الأوسع، حتى في الوقت الذي سعت فيه الجماعة إلى إعطاء ضمانات بالاعتدال، من خلال النأي بنفسها عن الهيكل الرسمي لمنظّمتها الأمّ.
يكشف هذا دون شكّ، عن خطّة تواصل محكمة للغاية، مصحوبة باستراتيجية رجعية أو معادية للثورة طويلة الأمد، حيث يسعى كلّ ظهور علني إلى كسب الدعم والتأييد من خلال تقديم ضمانات حسن النيّة للمجتمع الدولي، دون فقدان دعم الأتباع والمقاتلين.
لكنّ هذه النداءات موجّهة في المقام الأوّل إلى الدول، وليس إلى المكوّنات الأخرى للثورة السورية. على الأقلّ، هكذا يجب أن نفهم ظهور أبو محمّد الجولاني الخاطف في لحظات حاسمة من تطوّر المشروع السياسي، الذي كان مشاركاً فيه، وخروجه التدريجي من الظلّ بالتوازي مع التطبيع التدريجي لمنظّمته والاعتراف الرسمي بها، ثم تأكيد ترشيحه لخلافة بشّار الأسد.
وقد بدأ هذا المشروع بالفعل في كانون الأوّل/ ديسمبر 2013، بعد ثمانية أشهر فقط من انفصاله عن تنظيم 'القاعدة' في العراق، المعروف باسم 'الدولة الإسلامية'، توقيت سريع بشكل مدهش.
إن لم يكن الجهادي ميتاً فيمكن له أن يكون مفيداً
أبو فرج المصري، بعد أن لعب دوره بوصفه ضامن تنظيم 'القاعدة' أثناء إنشاء 'جبهة فتح الشام'، قُتل في هجوم بطائرة أميركية مسيّرة بعد ثلاثة أشهر، في الثالث من تشرين الأوّل/ أكتوبر 2016، في قلب معقل السلفيين التركستانيين في جسر الشغور (إدلب).
وتأتي هذه الواقعة في وقت مناسب للغاية، حيث تتزامن مع اغتيال أكثر من عشرة قادة يمثّلون الجناح المتطرّف في 'هيئة تحرير الشام' في خريف 2017، بالإضافة إلى الاغتيال الأبرز لأحد رفاق الجولاني الستّة الأوائل أبو مريم القحطاني، في 4 نيسان/ أبريل 2024 .
هؤلاء المحاربون القدامى في 'جبهة النصرة'، الذين كانوا جميعاً على خلاف مع الجولاني بسبب التحوّل التدريجي للحركة تحت تأثير القوى الإمبريالية الكبرى – ولا سيّما تركيا – تمّ القضاء عليهم واحداً تلو الآخر في زوبعة من الضربات والغارات الجوّية الموجّهة بدقّة، التي أزالت فعلياً جميع العقبات المحتملة أمام سيطرة الجولاني على السلطة.
السؤال الذي كان ينبغي طرحه بشكل مشروع في ذلك الوقت هو: لماذا نجا الجولاني من عقدين من مكافحة التمرّد ومكافحة الإرهاب – وهما مصطلحان غالباً ما يعنيان الشيء نفسه – التي اضطلع بها تحالف الناتو وتحالف RSII (بين روسيا وسوريا وإيران والعراق) بشكل مشترك؟
وعلاوة على كلّ شيء، لماذا لم يكن التركيز الجماعي المحموم على تنظيم 'داعش' موضوعاً لتحليل نقدي وشكوك من جانب الخبراء والصحافيين من جميع الأطياف، في حين أن 'جبهة النصرة' ومرتزقتها 'التركستانيون' كانوا يكتسبون نفوذاً كبيراً دون أن يتمّ استهدافهم بشكل جدّي؟
جميع أطراف النزاع، بما في ذلك نظام الأسد وحليفه الإيراني، قد أعطوا شرعية لعنفهم بادّعاء أنهم يحاربون الإرهاب الإسلامي، على الرغم من أنهما قاما إما بتمويل الجماعات السلفية وإما استغلالها لتوجيه الفوضى في سوريا لصالحهما، غالباً بطرق متقلّبة للغاية، وعلى نطاق محلّي للغاية.
إذا كانت الحرب الأهلية السورية معقّدة للغاية، بل ومستحيلة الفهم، فذلك لأن أيّ تحليل يقتصر على اعتبار أن هناك طرفين فقط هو تحليل غير صحيح، وأيّ محاولة لتحديد تحالفات واضحة أو مصالح متقاربة بين الطرفين على نطاق وطني أو إقليمي، محكوم عليها بالفشل.
من هنا، تمكّن طرفان في النزاع، هما روسيا والولايات المتّحدة، من إيجاد نقاط اتّفاق في تقاسم المجال الجوّي فوق الصحراء لقصف 'داعش'، أو لحماية الحدود مع الأردن وإسرائيل من الميليشيات الإيرانية، بينما يتقاتلان عبر وكلائهما في الشمال، على الرغم من أن روسيا كانت الداعم الرئيسي للطاغية بشّار الأسد الذي صنّفته الولايات المتّحدة على أنه شرير. وفي الوقت نفسه، قصفت روسيا بشكل مكثّف وكلاء تركيا، بينما كانت تُجري دوريات مشتركة مع الجيش التركي على طول الطريق السريع M4 بين سراقب وجسر الشغور.
أخيراً، واتّباعاً للمنطق الانتهازي نفسه والبعيد كلّ البعد عن أيّ اعتبارات أخلاقية أو حزبية، تعاونت دول الخليج وتركيا والأردن والولايات المتّحدة في برنامج 'تيمبر سيكامور' الذي استمرّ أربع سنوات، بهدف تسليح أكثر من خمسين جماعة متمرّدة سورية وتدريبها، بما في ذلك الجماعات الأكثر تطرّفاً والفصائل المتحاربة في ما بينها، مع إبقاء العديد من قادتها على قوائم رصد الإرهاب.
تجدر الإشارة إلى أن هذا البرنامج، الذي أقرّه باراك أوباما، بعد ضغوط نشطة من الملك عبد الله الثاني ملك الأردن وبنيامين نتنياهو، بدأ في عام 2012، من قِبل مدير وكالة المخابرات المركزية المذكور أعلاه ديفيد بترايوس، ورغم صحّة أن الأسلحة المورّدة سقطت بسهولة في أيدي 'جبهة النصرة'، كما اعترف ترامب نفسه في تمّوز/ يوليو 2017، لا يزال من الصعب الجزم بأن الجماعة أو من خلفوها تلقّوا دعماً مباشراً، وذلك حسبما زعمت وكالة الأنباء الكردية ANF News في كانون الثاني/ يناير 2018، استناداً إلى اعترافات اثنين من عملاء المخابرات التركية (MIT) أسرتهم القوّات الكردية قبل عام.
فلماذا إذاً تمّ إعفاء الزعيم المطلق لـ'جبهة النصرة'، الذي قاد فرع 'القاعدة' لمدّة ثلاثة عشر عاماً طويلة، بينما تمّ اغتيال جميع مساعدي الظواهري والبغدادي واحداً تلو الآخر بضربات دقيقة نُفّذت في قلب مناطق المتمرّدين؟ لماذا ظلّ هذا الجهادي الغامض، الذي تبلغ مكافأة القبض عليه عشرة ملايين دولار، يحظى بدعم مستمرّ – ولكن سرّي – من حلفاء الولايات المتّحدة لمدّة عشر سنوات على الأقلّ؟
لماذا، أخيراً، يُقدَّم هذا القائد العسكري المتشدّد، الذي قضى بشكل كامل على جميع الجماعات المتمرّدة الأكثر انسجاماً مع قيم الثورة السورية، فجأة باعتباره بطل تلك الثورة، بينما يحظى بدعم الشرائح الأكثر رجعية وطائفية في المجتمع السوري؟
يبدو الجواب واضحاً إلى حدّ ما: أبو محمّد الجولاني هو أداة أكثر منه فاعل، إنه ليس سيّد مصيره، كما يودّ أنصاره أن يكون. إنه ما يصفه عزّت البغدادي الدبلوماسي المستقلّ ومدير مركز KMT، بـ'رجل المرحلة'، 'ليس بوصفه مخلّصاً، ولا بوصفه صاحب برنامج جامع، بل بوصفه وسيطاً بين الفوضى وحدّها الأدنى القابل للاحتواء'.
وكتب الأخير على صفحته على فيسبوك: 'الشرع لا يبيع مشروع حكم متكاملاً، ولا يعِد بدولة حديثة، ولا يطلب اعترافاً سيادياً كاملاً. ما يقدّمه -ويُطلب منه- أبسط وأكثر براغماتية: خفض المخاطر'.
خفض احتمالات الانفجار الأمني، تقليص تصدير العنف خارج الحدود، ضبط تعدّد الفصائل، وتقديم عنوان واحد قابل للتواصل بدل فوضى عناوين. في عالم مفلس، هذا عرض مغرٍ […] في مثل هذا المناخ، لا يعود 'الحلّ السياسي' شرطاً للتعامل، بل يصبح عدم الانهيار هو معيار النجاح. هذه هي الترجمة الحقيقة لمقولة سمعناها تتكرّر على ألسنة الدبلوماسيين في الجلسات المغلقة- الاستقرار مقدّم على الديمقراطية- والشرع ينسجم مع هذا الطلب لأنه لا يفتح ملفّات ثقيلة: لا عدالة انتقالية، لا إعادة هيكلة دولة، ولا وعود استثمارية كبرى.
هو يقدّم نفسه كمُشغِّل سياسي مؤقّت، قادر على إبقاء الأزمة دون العتبة الحرجة. هذا ليس مشروعاً؛ إنه تأجيل محسوب […] بيع خفض المخاطر ليس حلاً، لكنّه يصبح مقبولاً حين تنهار القدرة على تمويل الحلول.
وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية والسياسية: ما يبدو عقلانياً على المدى القصير، يراكم كلفة أعلى على المدى الطويل. لأن إدارة الأزمة تُطيل عمرها، وتستنزف الزمن السياسي، وتؤجّل إعادة بناء الشرعية الجامعة. لهذا، فإن توصيف الشرع بوصفه 'رجل مرحلة'، لا يعني منحه شرعية تاريخية، بل وضعه في مكانه الوظيفي الصحيح: نتاج لحظة عالمية تشتري الوقت بدل المستقبل، وتفضّل إدارة المخاطر على مواجهتها. أحمد الشرع ليس حلاً لسوريا، بل علامة على عالم يتعلّم التعايش مع الأزمات بدل إنهائها. وجوده مرتبط باستمرار المرحلة، ونهايته تبدأ لحظة ظهور بديل أقلّ كلفة وأكثر استدامة… الجولاني في النهاية ليس أكثر من حصان سباق.
أبو محمّد الجولاني أم أحمد الشرع؟
إن السؤال حول ما إذا كان أبو محمّد الجولاني قد توقّف عن كونه جهادياً، وما إذا كان قد 'تخلّص من التطرّف'، يصرف انتباهنا عن القضيّة التي يجب أن تشغلنا جميعاً بعد نصف قرن من الدكتاتورية: هل تمّ انتخابه ديمقراطياً من قِبل الشعب السوري؟ وكيف يختلف عن بشّار الأسد في هذا الصدد؟
يقول عزّت بغدادي بتعبير دقيق: 'إن المسألة ليست أن يواصل السوريون إدارة أزمة استمرّت لعقود، بل أن يحقّقوا أخيراً ما كانوا يطمحون إليه عندما نزلوا إلى الشوارع في عام 2011: العدالة الاجتماعية والديمقراطية'.
بعبارة أخرى، حلّ سياسي، مما يعني أنه لا يمكن أن يكون هناك سلام مقبول ما لم يرافقه مسار حقيقي للعدالة الانتقالية. لذلك، فإن 'السلام على طريقة ترامب' الذي يسمح للقوى الأجنبية بنهب موارد البلاد وعسكرة الأراضي دون ضمان الأمن والمساواة لجميع السوريين أمام القانون، ليس حلاً مؤقّتاً حتى؛ إنه ضمان لكارثة جديدة على المدى القصير جدّاً، ولعلّ المذابح التي وقعت في الساحل وفي السويداء كانت مجرّد نذير لها.
وإذا كان الجولاني نموذجاً للنجاح بالنسبة إلى قادة العالم، فذلك لأنه يشبههم: فهو انتهازي، يستغلّ تطلّعات الشعب لخدمة مصالح رعاته، وكذلك مصالحه ومصالح عشيرته. فبعد كلّ شيء، كان ابن عم والده فاروق الشرع نائباً للرئيس بشّار الأسد، لذا فإن الوضع الراهن الذي مثّله كان يتطلّب أن يتولّى أحد أفراد العائلة السلطة، وأن يعيّن شقيقه سكرتيراً للرئاسة، إذا كان ذلك يسعده.
في الختام، يمكن للمرء أن يتساءل ما إذا كان الرئيس الذي نصّب نفسه قد كان يوماً جهادياً حقيقياً، أم أنه لم يكن سوى متسلّق اجتماعي آخر في بانثيون الطغاة؟ على أيّة حال، إلى أن يتمّ انتخاب أحمد الشرع ديمقراطياً من قِبل غالبية السوريين، بما في ذلك جميع الطوائف السورية، من المناسب الاستمرار في الإشارة إليه باسمه الحركي: أبو محمّد الجولاني.
ملاحق:




































































