اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦
تقرير - شهاب
بعد عام على وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لم يتوقف القتل أو القصف أو تهجير السكان، وفق إفادات فلسطينية وبيانات أممية وتقارير ميدانية. وتتركز هذه التداعيات بصورة خاصة حول ما يعرف بـ«الخط الأصفر»، الذي بدأ كخط انسحاب مؤقت، قبل أن يتحول تدريجياً إلى منطقة عسكرية تتوسع باتجاه الغرب وتقيّد حركة أكثر من مليوني فلسطيني.
شهادة من قلب منطقة التماس
قال أحمد رباح البرعي، وهو نازح يقيم بين شارعي صلاح الدين ويافا في حي التفاح شرق مدينة غزة، إن إطلاق النار والقصف بالطائرات المسيّرة والآليات والدبابات يتكرر يومياً منذ بدء الاتفاق الأخير في أكتوبر/تشرين الأول 2025، ولا سيما خلال ساعات المساء.
وأوضح البرعي في حديث لوكالة شهاب أنه يعيش في غرفة مؤقتة منذ نحو عامين، وأن القصف ألحق أضراراً متكررة بالنوافذ والأبواب المصنوعة من الشوادر والألمنيوم. وأضاف أنه يضطر أحياناً إلى إبقاء الباب مفتوحاً جزئياً حتى لا يتضرر من ضغط الانفجارات، رغم ما يسببه ذلك من برد ومخاطر على أطفاله.
وقال إن الخوف يرافق تفاصيل الحياة اليومية، بما فيها جلب المياه ونشر الملابس، خصوصاً في المناطق القريبة من الخط الأصفر. وأضاف أن إطلاق النار العشوائي يجعل خروج السكان من أماكن نزوحهم مخاطرة مستمرة.
وأفاد البرعي بأن زوجته أصيبت برصاصة أطلقتها طائرة مسيّرة، قبل ساعات من تسجيل حديثه، أثناء وجودها مع طلابها في نقطة تعليمية قريبة من مكان نزوحهما.
وأوضح أن الإصابة كانت سطحية ولم تدخل الرصاصة جسدها، لكنها تركت لديها آلاماً وأعراضاً صحية، مشيراً إلى أنها تواصل تلقي العلاج.
كما روى البرعي أن طفلة من المنطقة أصيبت برصاصة خلال فترة المجاعة العام الماضي، بعدما كانت قرب نافذة منزلها، وقال إن الإصابة أدت، وفق تقديره، إلى إصابتها بشلل نصفي واستخدامها كرسياً متحركاً.
الثوابتة: الخط سياسة قضم ممنهجة
قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة إن «الخط الأصفر» يمثل «سياسة القضم الممنهج لابتلاع القطاع»، موضحاً أن المناطق العازلة والمحاور الأمنية المستحدثة تحولت إلى أداة لإعادة هندسة جغرافية غزة وتقليص المساحة المتاحة للسكان.
وأشار الثوابتة في حديث لوكالة شهاب إلى أن تمدد الخط مرّ بمراحل، بدأت بترسيم مناطق عازلة، ثم شق طرق أمنية وإقامة سواتر ترابية ونقاط تمركز عسكرية، قبل أن يمتد إلى تجريف الأراضي الزراعية وهدم الأحياء ومنع السكان من العودة إلى منازلهم.
وقال إن هذه الإجراءات أدت إلى شطر مناطق القطاع وعزلها عن بعضها، ورفعت الكثافة السكانية في مناطق النزوح التي تفتقر إلى مقومات الحياة، محذراً من تحويل غزة إلى «معازل جغرافية» غير قابلة للحياة وتكريس احتلال دائم تحت ذرائع أمنية.
من 53% إلى نحو ثلثي القطاع
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» بأن المناطق المقيدة الوصول بلغت نحو 65% من مساحة قطاع غزة، بعدما كان الخط عند بدء الاتفاق يترك نحو 53% من مساحة القطاع شرقاً تحت سيطرة الاحتلال، وفق البيانات الواردة في دراسة ميدانية عن الخط الأصفر.
وأظهرت صور أقمار صناعية حللتها وكالة أسوشيتد برس أن السواتر الترابية على امتداد الخط تجاوزت 23 كيلومتراً حتى يوليو/تموز 2026، فيما رصدت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة نحو 40 موقعاً عسكرياً دائماً داخل القطاع، بني بعضها بعد الاتفاق.
وقالت خدمة التحقق في هيئة الإذاعة البريطانية إن سبع كتل إسمنتية على الأقل نُقلت في حي التفاح شرق مدينة غزة نحو 295 متراً إلى الغرب بين نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2025، وأعقب ذلك تدمير 40 مبنى على الأقل. كما نقلت صحيفة «هآرتس» أن العلامات نُقلت غرباً من دون إنذار مسبق للسكان.
وفي مايو/أيار 2026، قالت إذاعة جيش الاحتلال إن السيطرة ارتفعت إلى 59% من مساحة القطاع، قبل أن يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توجيه الجيش لرفعها إلى 70%. وقدّر «أوتشا» المناطق المقيدة الوصول بنحو 65% في يونيو/حزيران، بينما خلص المركز الفلسطيني للدراسات السياسية إلى أن النسبة تراوحت بين 65% و70% في أغسطس/آب، مع اختلاف منهجيات القياس.
سكان محاصرون وأرض تتقلص
قدّرت الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026 أن الفلسطينيين في غزة يعيشون في أقل من 40% من مساحة القطاع، فيما قدّر المجلس الدنماركي للاجئين أن العائلات النازحة محصورة في نحو 30% من الأرض. ووفق المصدرين، يعيش نحو 2.1 مليون شخص داخل حدود الخط، ويحتاج 94% منهم إلى مساعدات مرتبطة بالمأوى.
وأفاد تقييم مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة «الفاو» ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية بأن 448 هكتاراً فقط من الأراضي الزراعية، أي 3%، بقيت متاحة وسليمة حتى يونيو/حزيران 2026، مقارنة بـ601 هكتار عند توقيع الاتفاق. وقالت «الفاو» إن تراجع الوصول إلى الأراضي، لا الدمار وحده، كان السبب الرئيسي لهذا الانكماش.
كما رصدت تحليلات صور الأقمار الصناعية تدمير أكثر من 1500 مبنى خلف الخط خلال الأسابيع الأولى من الاتفاق، وأكثر من 2500 مبنى بحلول يناير/كانون الثاني 2026، وفق خدمتي التحقق في هيئة الإذاعة البريطانية وصحيفة «نيويورك تايمز».
وقدّر مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية ارتفاع عدد المباني المدمرة بنحو 9% منذ وقف إطلاق النار، ووصول إجمالي المباني المتضررة إلى نحو 82%، أي قرابة 200 ألف مبنى.
«موت زاحف» ووقف نار بلا عودة
وأفادت وزارة الصحة في غزة، حتى يناير/كانون الثاني 2026، باستشهاد 77 فلسطينياً قرب الخط، بينهم 62 قُتلوا بعد عبوره، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس. كما أشارت بيانات أممية إلى أن نحو ثلث الشهداء منذ وقف إطلاق النار سقطوا في مناطق قريبة من الخط المتقدم.
وقال الثوابتة إن قبول مصطلح «وقف إطلاق النار» غطاءً لهذه الممارسات يجعل المنظومة الدولية شريكة في «هندسة خنق غزة»، مطالباً وسائل الإعلام والمؤسسات الأممية بتوثيق التغيرات الجغرافية والضغط لإنهاء القصف والحصار وقضم الأراضي.
وبينما يصف البرعي واقع النازحين بأنه خوف يومي من الرصاص والقصف، يحذر الثوابتة من تحول الخط الأصفر إلى حدود أمر واقع. وتشير المعطيات الأممية والصور الفضائية وشهادات السكان إلى أن الهدنة لم تُعد النازحين إلى بيوتهم، بل نقلت غزة من حرب مفتوحة إلى حصار متحرك يضيّق الأرض ويؤجل العودة والإعمار.

























































