×



klyoum.com
syria
سوريا  ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

klyoum.com
syria
سوريا  ٢٧ كانون الثاني ٢٠٢٦ 

قم بالدخول أو انشئ حساب شخصي لمتابعة مصادرك المفضلة

ملاحظة: الدخول عن طريق الدعوة فقط.

تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

موقع كل يوم »

اخبار سوريا

»سياسة» اندبندنت عربية»

سوريا وسؤال "داعش" المؤجل... والمتجدد

اندبندنت عربية
times

نشر بتاريخ:  الأثنين ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦ - ١٤:٣٨

سوريا وسؤال داعش المؤجل... والمتجدد

سوريا وسؤال "داعش" المؤجل... والمتجدد

اخبار سوريا

موقع كل يوم -

اندبندنت عربية


نشر بتاريخ:  ٢٦ كانون الثاني ٢٠٢٦ 

التنظيم الإرهابي ابن لحظة تاريخية محددة لكنه أيضاً مرآة لفشل الدولة الوطنية في احتواء التنوع وتقديم العدالة ومنع تحول الدين إلى أداة تعبئة عنيفة

في الـ21 من يناير (كانون الثاني) الجاري أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) عن إطلاق مهمة جديدة لنقل معتقلي تنظيم 'داعش' من شمال شرقي سوريا إلى العراق، وفقاً لبيان لها على منصة 'إكس' جاء فيه، 'أطلقت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) مهمة جديدة لنقل معتقلي تنظيم (داعش) من شمال شرقي سوريا إلى العراق، للمساعدة في ضمان بقاء الإرهابيين في مرافق احتجاز آمنة'. وتابع 'بدأت عملية النقل بنجاح، إذ نقلت القوات الأميركية 150 معتقلاً من تنظيم (داعش) كانوا محتجزين في أحد مرافق الاحتجاز في الحسكة بسوريا، إلى موقع آمن في العراق. ومن المتوقع نقل ما يصل إلى 7000 معتقل من (داعش) من سوريا إلى مرافق خاضعة للسيطرة العراقية'. وقال قائد 'سنتكوم' الأدميرال براد كوبر 'نحن ننسق بصورة وثيقة مع الشركاء الإقليميين، بما في ذلك الحكومة العراقية، ونقدر دورهم الكبير في ضمان الهزيمة النهائية لـ(داعش)'، مضيفاً 'تسهيل نقل معتقلي (داعش) بصورة منظمة وآمنة أمر بالغ الأهمية لمنع أي هرب قد يشكل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة والأمن الإقليمي'.

وكانت الرئاسة السورية أصدرت بياناً، في الـ19 من يناير، قالت فيه إن الرئيس أحمد الشرع بحث مع نظيره الأميركي دونالد ترمب، في اتصال هاتفي، التطورات الميدانية والسياسية في سوريا. وبحسب بيان الرئاسة، شدد الجانبان على 'ضرورة ضمان حقوق وحماية الشعب الكردي ضمن إطار الدولة السورية'، واتفقا على مواصلة التنسيق في الحرب ضد تنظيم 'داعش'.

 

في الوقت عينه أعلنت 'قوات سوريا الديمقراطية' (قسد)، في بيان، 'تعرض سجن الشدادي الذي يضم آلاف السجناء من عناصر تنظيم (داعش) الإرهابي، لهجمات متكررة نفذتها فصائل دمشق'. وأكدت 'قسد' أن السجن الواقع في محافظة الحسكة، معقلها في شمال شرقي سوريا، 'خرج حالياً عن سيطرة قواتنا'.

من جهته، اتهم الجيش السوري القوات الكردية بإطلاق سراح موقوفين من هذا السجن، وأكد، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء الرسمية 'سانا'، أن وحداته ستعمل على 'تأمين السجن' ومحيطه، وتمشيط مدينة الشدادي لإلقاء القبض على الفارين. وأوضح أن السجن و'المرافق الأمنية' في المدينة ستسلم إلى وزارة الداخلية. وتحتجز 'قسد'، وفقاً لتقرير لـ'رويترز'، في سبعة سجون تشرف عليها، الآلاف من عناصر 'داعش'، بينهم أجانب ممن اعتقلتهم خلال المعارك ضده حتى دحره من آخر نقاط سيطرته في سوريا عام 2019. وكان الاتفاق الذي أعلن عنه، ووقعه الرئيس السوري، وقائد 'قسد' مظلوم عبدي، قد تضمن بنداً نص على 'دمج الإدارة المسؤولة' لدى الإدارة الذاتية الكردية عن ملف سجناء ومخيمات التنظيم، إضافة إلى 'القوات المسؤولة عن حماية هذه المنشآت مع الحكومة السورية'، التي ستتولى 'المسؤولية القانونية والأمنية عنها بالكامل'. وهنا يبرز السؤال المركزي، لماذا تنظيم 'داعش' ما زال موجوداً؟ ولماذا لم يهزم حتى الساعة على رغم كل الجهود والإمكانات الدولية التي كرست لدحره؟ وما سر هذا التنظيم؟ ولماذا لا يزال بعض من قياداته على قيد الحياة؟ وللإجابة عن هذا الأسئلة لا بد من العودة إلى عوامل نشأة هذا التنظيم، والأيديولوجيا التي اتبعها.

تنظيم 'داعش' نتاج تراكمي لزمن الحروب المفتوحة، وانهيار الدول، والتوظيف الديني داخل الصراعات السياسية. ويمكن تتبع جذوره الأولى إلى عام 2003، مع تفكك الدولة العراقية بعد الغزو الأميركي، حين تشكلت نواة تنظيمية مسلحة رأت في الفراغ الأمني والطائفي فرصة لبناء مشروع 'جهاد محلي' سرعان ما تحول إلى كيان عابر للحدود.

في بداياته، لم يكن 'داعش' يحمل اسم 'الدولة'، بل كان جزءاً من مشهد التمرد المسلح الذي خلط بين مقاومة الاحتلال، والعنف الطائفي، والانتقام الاجتماعي. هذا الخليط أنتج تنظيماً أكثر تشدداً من نظرائه، يرفض التسويات، ويقدم العنف بوصفه هوية لا أداة. ومع انتقاله لاحقاً من العراق إلى سوريا مستفيداً من الحرب الأهلية هناك، وجد في تفتت الجغرافيا والسيادة فرصة نادرة لإعادة تعريف نفسه، لا كمجموعة قتالية فحسب، بل كمشروع حكم، وحدود، وشرعية بديلة.

وأيديولوجياً، يقوم 'داعش' على خلفية سلفية مغلقة تقدم تفسيراً حرفياً وانتقائياً للنصوص الدينية، وتختزل الإسلام في ثنائية حادة، 'نحن' مقابل 'الآخر'، وهذا الآخر لا يقتصر على الخصوم الخارجيين، بل يشمل المسلمين المخالفين، والجماعات المنافسة، والدول والمجتمعات التي لا تخضع لتعريفه الضيق للإيمان، من هنا جاء توسعه في مفهوم التكفير الذي شكل الأساس الشرعي لسياسات القتل الجماعي، والتطهير الطائفي، واستباحة المجتمعات المحلية.

والفارق الجوهري بين 'داعش' والتنظيمات السابقة يتمثل في نزعة الدولة القسرية، فـ'داعش' لم يكتفِ بإعلان 'الجهاد'، بل سعى إلى فرض نموذج حكم شامل، أي قضاء، وتعليم، واقتصاد، وأمن، وطقوس يومية، كلها خاضعة لمنطق الطاعة والعقاب، وهذه النزعة لم تكن تعبيراً عن قوة فكرية بقدر ما كانت محاولة لملء فراغ السيادة، واستثمار الحنين إلى 'النظام' في مجتمعات دمرتها الفوضى والحرب.

واستند التنظيم إلى سردية مزدوجة، دينية حشدية شكلت محركاً لتجنيد المقاتلين واستدامة العنف، وسياسية تغذي شعور المظلومية لدى فئات مهمشة أو مهزومة. بهذا المعنى، كان 'داعش' ابن لحظة تاريخية محددة، لكنه أيضاً مرآة لفشل الدولة الوطنية في احتواء التنوع، وتقديم العدالة، ومنع تحول الدين إلى أداة تعبئة عنيفة. وعلى هذا، فإن 'داعش' لم يولد فجأة، ولم يكن ظاهرة عابرة، بل هو نتاج تراكم طويل من العنف غير المحسوم، والانقسام الطائفي، والفراغ السيادي، وأيديولوجيا ترى في الإقصاء والتكفير طريقاً للهوية والقوة، ولهذا السبب تحديداً، فإن القضاء عليه عسكرياً لا يكفي ما لم تعالج الشروط الفكرية والسياسية التي سمحت له بالظهور والتمدد.

لا يرتبط ذلك بعجز عسكري، بقدر ما هو نتاج تعقيد أمني سياسي طويل الأمد. وأبرز الأسباب، هي العمل السري واللامركزية، فقيادات التنظيم لا تتحرك بهيكل هرمي واضح. وبعد خسارة ما عرف بـ'الخلافة'، انتقل التنظيم إلى خلايا صغيرة مستقلة، وقلص الاتصالات المباشرة، مما صعب تعقب الرأس بضربة واحدة. أضف إلى ذلك الجغرافيا الرمادية، فالفراغات الأمنية في بادية سوريا، وأطراف العراق، وبعض مناطق أفريقيا، توفر مخابئ طبيعية ومساحات مناورة حيث المراقبة الجوية والاستخباراتية أقل كثافة.

أيضاً يعود ذلك إلى الحسابات الاستخباراتية، أحياناً تترك شخصيات قيادية قيد المراقبة بدل التصفية الفورية، لاستثمارها في تفكيك الشبكات أو كشف التمويل والارتباطات الإقليمية، وهي مقاربة شائعة في مكافحة الإرهاب، لكنَّ هناك عاملاً مهماً أيضاً، وهو الأولويات الدولية المتغيرة، فبعد 2019 تراجعت أولوية استئصال القيادة، مقارنة بملفات أكبر، كالحرب في أوكرانيا، والملف الصيني، وإيران، وغزة، وهذا لا يعني تجاهل 'داعش'، بل إدارة الخطر بدل شن حملات استنزاف واسعة.

أيضاً من العوامل التي تستغلها القوى الكبرى، التوظيف المتبادل للفوضى، ذلك أن وجود 'تهديد كامن' يستخدم سياسياً لتبرير انتشار عسكري أو تعاون أمني أو فرض نفوذ محلي، من دون رغبة دائمة في إغلاق الملف نهائياً، وذلك يعتمد بطبيعة الحال على انهيار الردع المحلي، وضعف الدولة، والسجون الهشة، والتوترات الطائفية التي تنتج بيئات حاضنة أو متسامحة مع الاختباء، وتسهل إعادة التموضع.

من هنا، فإن بقاء بعض قيادات 'داعش' ليس دليلاً على قوتها، بل على توازن بارد بين الاستهداف والاحتواء. وكلما طال الفراغ الأمني والسياسي، طال عمر 'القيادة الشبح'، وكلما استعيدت الدولة ووحدت الجهود الاستخباراتية، تضاءلت قدرتها على البقاء. والاسم المعروف لقيادة 'داعش' اليوم هو أبو حفص الهاشمي القرشي، لكن القيادة الحقيقية موزعة، لذلك فإن مواجهة التنظيم لم تعد بضربة رأس واحدة، بل بإغلاق الفراغات الأمنية وتجفيف الشبكات التي تسمح 'للقائد الشبح' بالبقاء.

لا يمكن فهم سبب بقاء مخيمات 'داعش' في سوريا، ولا استمرار التنظيم 'على قيد الحياة'، باعتباره فشلاً أمنياً صرفاً، بل بوصفه نتيجة إدارة متعمدة للتهديد لا تصفيته. فالمخيمات تحولت من إجراء طارئ إلى أدوات احتواء وضبط، أي مستودعات بشرية تجمد الخطر بدل تفكيكه، وتبقيه قابلاً لإعادة التفعيل عند كل فراغ سياسي أو أمني. في المقابل، استثمر التنظيم هذه المعادلة عبر التحول إلى شبكة لا مركزية تستفيد من البادية السورية، وهشاشة الحدود، وتضارب مصالح اللاعبين المحليين والدوليين. وهكذا، بقيت المخيمات حاضنات صامتة لإعادة إنتاج التطرف، وبقي 'داعش' 'حياً' لأن أحداً لا يريد، أو لا يستطيع، إغلاق الملف نهائياً من دون كلفة سياسية وأمنية كبرى.

يسلط تقرير نشر في 'معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى'، في مايو (أيار) عام 2025، الضوء على حقيقة 'أن عمليات تنظيم (داعش)، على رغم تراجعها الكبير، لا تزال قادرة على إحداث اضطرابات كبيرة، لا سيما خلال الفترة الانتقالية الحساسة التي تمر بها سوريا. بالتالي، فإن الولايات المتحدة لديها أسباب أكثر من أي وقت مضى لعدم سحب قواتها بالكامل من سوريا لحين استكمال السلطات الجديدة دمج قسد، وتأسيس حملة مكافحة تنظيم (داعش) على أسس أكثر استدامة. ويتطلب هذا حث الأكراد ودمشق على المضي قدماً في الاتفاق القائم الذي ينص على أن تتولى الحكومة المركزية السيطرة على كامل محافظة دير الزور، معقل تنظيم (داعش)، وبذلك سيتم إنشاء إدارة واحدة في المحافظة، مما يمنع التنظيم من استغلال الفجوات بين منطقتي السيطرة'، وهي نقطة ضعف أدت على الأرجح دوراً في الهجوم الناجح الذي وقع أخيراً، أي الهجوم بسيارة مفخخة استهدف مركزاً أمنياً في بلدة ميدان الشرقية في الـ18 من مايو الماضي.

ويتابع تقرير المعهد 'عدم اكتمال الاندماج الإداري في الشمال الشرقي يزيد من خطر أن يحاول تنظيم (داعش)، مرة أخرى، تحرير تسعة آلاف مسلح مسجون وآلاف آخرين من أفراد أسرهم وأنصارهم المحتجزين في مرافق احتجاز (قسد)، وبعضهم من الرعايا الأجانب'.

لم تكن إقامة مخيمات تضم مسلحي 'داعش' وعائلاتهم نتيجة خطة مسبقة، بل حل اضطراري ونتاج تراكمي لانهيار متزامن في ثلاثة مستويات، الدولة، القانون، وإرادة الحسم الدولي.

عند انهيار 'الخلافة' بين عامي 2017 و2019، واجهت القوى المسيطرة على شرق وشمال شرقي سوريا معضلة فورية، عشرات الآلاف من المسلحين، والنساء، والأطفال، والمرتبطين بالتنظيم، من دون دولة مركزية قادرة على الاستيعاب، أو منظومة قضائية صالحة للمحاكمة، أو توافق دولي حول مصير الأجانب، أو حتى بنية سجون قادرة على الاحتجاز طويل الأمد، من هنا فإن النتيجة لم تكن خياراً أمنياً مدروساً، بل تجميد الأزمة داخل مساحات مغلقة، مخيمات موقتة تحولت مع الوقت إلى واقع دائم، وبمعنى أدق، أن المخيمات أنشئت لأن الجميع خسر القدرة على اتخاذ القرار النهائي. فما هذه المخيمات؟

أنشئ أساساً في التسعينيات لأغراض إنسانية لاستقبال اللاجئين العراقيين الفارين من حرب الخليج الثانية، لكنه تحول جذرياً بعد عام 2019 إلى أكبر تجمع لعائلات 'داعش' في العالم. وهو ليس مجرد مخيم، بل مساحة مغلقة تضم عشرات الآلاف، وفيه فصل داخلي غير معلن بين عائلات 'داعش' وبقية النازحين، وتحول إلى كيان اجتماعي - أمني قائم بذاته.

أنشئ لاحقاً كمحاولة لعزل أكثر انضباطاً لعائلات التنظيم، خصوصاً الأجنبيات، ويسوق على أنه أكثر تنظيماً وأقل خطورة، لكنه في الجوهر جزء من المنظومة نفسها، احتواء بلا حل.

وإلى جانب المخيمات، هناك شبكة سجون ومراكز احتجاز لمسلحي 'داعش'، بعضها موقت، وبعضها في منشآت صناعية أو مدارس سابقة، وكلها تعاني هشاشة قانونية وأمنية. وهذه ليست مخيمات، لكنها تشكل الذراع الصامتة للمنظومة نفسها. وتحوي هذه المخيمات على بشر، لكن بلا صفة قانونية واضحة، ونساء وأطفال من جنسيات متعددة، ومسلحين سابقين أو داعمين لوجيستياً، وأجيال ولدت داخل المخيم ولم تعرف شيئاً خارجه. إذا هؤلاء ليسوا نازحين تقليديين، ولا معتقلين وفق القانون، ولا مواطنين في دولة قائمة، وبنية أيديولوجية غير مرئية.

أما لماذا استمرت هذه المخيمات؟ فليس لأن الحل غير معروف، بل لأن كلفة الحل سياسية وأمنية وأخلاقية عالية، ومحاكمات تعني اعترافاً بالمسؤولية، وإعادة مواطنين تعني أزمات داخلية للدول، وتفكيك المخيمات يعني احتمال انفجار أمني، فبقي الخيار الأسهل إبقاء الناس حيث هم. ومع الوقت تحولت المخيمات إلى جزء من بقاء 'داعش' لأنها تجمع ما تبقى من الجسم الاجتماعي للتنظيم في مكان واحد، وتمنحه ذاكرة جماعية مشتركة، وتحافظ على 'الهوية' بدل تفكيكها، وتنتج جيلاً ثانياً وثالثاً بلا أفق إلا التنظيم، بمعنى آخر 'داعش' خسر الأرض، لكنه احتفظ بالمجتمع. وعليه فإن مخيمات 'داعش' في سوريا لم تنشأ لحل المشكلة، بل لتأجيلها، والمخيمات هي التعبير الأوضح عن هذا التعليق، لا حرب ولا سلام، بل انتظار مفتوح، ومع مرور الوقت، تحولت من أدوات احتواء إلى مساحات إعادة إنتاج للتطرف، ومن عبء إنساني إلى عامل أمني بنيوي في بقاء التنظيم.

لم يبقَ 'داعش' حياً لأنه قوي، بل لأن العالم قرر أن يبقي ملفه معلقاً، التنظيم لم يهزم بالكامل لأنه أصبح وظيفة داخل الفوضى السورية، والمخيمات ليست بقايا الحرب، بل جزء من هندسة ما بعد الحرب. وبحسب مسار هذا التنظيم منذ نشأته، يختفي ويعود لأنه لا يقاتل كتنظيم يبحث عن نصر نهائي، بل كفيروس أمني يتغذى على الفوضى ويعيش على الإيقاع المتقطع للصراعات، وهو يتراجع حين يرتفع منسوب الضغط العسكري والاستخباري، ثم يعود فوراً عندما يهبط هذا الضغط أو ينشغل اللاعبون بحروبهم الجانبية. وفي سوريا تحديداً، لم يعد 'داعش' في حاجة إلى عاصمة كي يثبت وجوده، يكفيه أن يبقى كحركة كامنة بين البادية والحدود والسجون، وأن تحول كل فجوة في السيطرة إلى فرصة، وكل انقسام سياسي إلى مظلة، وكل ملف معلق إلى مصنع تجنيد.

من هنا، يبدو أن إخفاق التحالف الدولي في هزيمته، على رغم الإمكانات، ليس إخفاقاً تقنياً بقدر ما هو إخفاق في تعريف الهزيمة نفسها. فالتحالف ركز على إسقاط نموذج 'دولة داعش'، ونجح في ذلك، لكنه لم يمتلك، أو لم يتبنَّ، شروط اقتلاعها كتمرد ممتد، لا دولة سورية موحدة تتسلم الملف، ولا منظومة قضائية شرعية تحاكم وتفكك الشبكات، ولا حل نهائياً لكتلة السجون والمخيمات التي تحولت من إجراء احترازي إلى بنية دائمة تعيد إنتاج التطرف، بهذا المعنى، القوة وحدها لا تنهي 'داعش'، لأنها تعالج الأعراض وتبقي الأسباب حية، أي الانقسام، وهشاشة الحكم المحلي، واقتصاد الظل، وغياب العدالة والاندماج.

ويتكشف على خلفية الاتهامات المتبادلة بين 'قسد' والحكومة السورية حول هرب سجناء 'داعش' من الحسكة وغيرها، البعد الأعمق للمسألة، إذ تحول السجن نفسه إلى ساحة صراع سيادي، ويستخدم كل طرف ملف الهرب لإثبات روايته، فـ 'قسد' تقول إن التهديد يتجاوز قدراتها وإنها تقاتل وحدها في بيئة معقدة، ودمشق تلمح إلى فشل الخصم وافتقاده الشرعية والقدرة. وبين الاتهام والاتهام، تتسرب الحقيقة الأخطر، عندما يتحول احتجاز آلاف 'الدواعش' إلى ملف تنازع سياسي، يصبح الفرار ليس مجرد حادثة أمني، بل نتيجة متوقعة لمنظومة احتجاز بلا غطاء قانوني موحد وبلا شراكة سيادية واضحة، وعندها يعود 'داعش'، لأن المسرح الذي يتيح عودته لم يغلق أصلاً، بل يدار بالتجاذب والتوظيف، ويبدو وكأن هناك من يتعايش مع بقائه، أو في الأقل لا يدفع ثمن إنهائه حتى النهاية.

عام 2023، قدمت الحكومة الأميركية، في تقرير رفعته إلى الكونغرس، شرحاً مفصلاً لقصة معتقلي 'داعش' ومخيمات النازحين في شمال شرقي سوريا، وأوضحت أنه 'بعد هزيمة تنظيم (داعش) ميدانياً عام 2019، لم يختف التنظيم، بل أعاد تنظيم صفوفه سراً في شمال شرقي سوريا'. ويحتجز في المنطقة التي تسيطر عليها 'قسد' 8950 مسلحاً من 'داعش'، كثر منهم ذوو خبرة قتالية، و43250 نازحاً في مخيمات مكتظة، بينهم نحو 25 ألف طفل دون سن الـ12 عاماً، وفقاً للتقرير الأميركي.

في مارس (آذار) عام 2024 نشر 'معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى'، وضمن 'سلسلة محاضراته حول مكافحة الإرهاب'، كلمة المبعوث الأميركي لشؤون مكافحة الإرهاب إيان مكاري، ومما جاء فيها، 'منذ عام 2019، واصل التحالف العمل بجد نحو الهزيمة الدائمة لتنظيم (داعش)، وتبقى قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب، في المنطقة، لتقديم المشورة والمساعدة والتمكين للشركاء المحليين، ولا يزال هناك كثير مما يتعين القيام به، ومع ذلك، لا يزال الخط الأول من الجهود ينصب في العراق وسوريا، حيث يواصل التحالف تعزيز وتنسيق المساعدة في تحقيق الاستقرار للمناطق والسكان المحررين. وبالتعاون مع شركائنا، حقق التحالف نجاحاً ملحوظاً في استعادة الاستقرار في المناطق المحررة من تنظيم (داعش)، مع مساعدة منسقة تتبع مباشرة على خطى العمليات العسكرية واستعادة الشعور بالحياة الطبيعية لملايين السوريين والعراقيين. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوات خطرة في الخدمات الأساسية، وانعدام الأمن الغذائي، والتوتر بين الطوائف، والظروف الأمنية الهشة، ونقص الفرص الاقتصادية على الأرض، فضلاً عن القمع الذي يمارسه النظام، وجميعها تؤجج المظالم المحلية التي يتغذى عليها التنظيم ويعمل على تجنيد المقاتلين'.

وتابع مكاري 'لقد قدم التحالف مئات الملايين من الدولارات كمساعدات لتحقيق الاستقرار سنوياً، مما أضاف إلى ما يصل مليارات الدولارات التي تم استثمارها على مدى السنوات الخمس الماضية، ويلبي هذا الدعم الحاجات الحيوية التي حددها السوريون والعراقيون أنفسهم. فهو يعالج نقاط الضعف التي استغلها التنظيم سابقاً ويسد الفجوات في الحاجات المحلية، بما في ذلك الخدمات الأساسية والتعليم وإعادة الإدماج المجتمعي والمساءلة عن جرائم التنظيم الشنيعة. وفي العام الماضي وحده، تعهد التحالف بصورة جماعية بتقديم مساعدات بقيمة 597 مليون دولار لتحقيق الاستقرار في المناطق المحررة في العراق وسوريا، وهو ما يقارب هدفنا البالغ 601 مليون دولار. إضافة إلى هذه المساعدة، أحرز شركاء التحالف تقدماً كبيراً في إعادة المقاتلين الإرهابيين الأجانب وأفراد أسرهم الذين بقوا في شمال شرقي سوريا. إن تقليص عدد مخيمات النازحين مثل مخيم الهول (الذي يضم ما يقارب 43 ألف شخص) وبالطبع مراكز الاحتجاز (التي تضم ما يقارب تسعة آلاف مسلح من التنظيم) من خلال عمليات العودة إلى الوطن، يعد أمراً ضرورياً لتقليل خطر عودة ظهور التنظيم. وعام 2023، تمت إعادة ما يقارب 5500 شخص إلى أوطانهم الأصلية من شمال شرقي سوريا. ويشمل هذا العدد أكثر من 4 آلاف عراقي وأفراد من 20 دولة أخرى. وفي فبراير (شباط) من هذا العام، عاد 99 امرأة وطفل نازح من مخيمي الهول وروج إلى ديارهم في قيرغيزستان، مما أتاح الدعم التأهيلي وإعادة الاندماج في المجتمع. وعلى رغم أننا نحرز تقدماً في عمليات الإعادة إلى الوطن، فإننا نواصل دعوة الحكومات إلى إعادة مواطنيها من شمال شرقي سوريا، ومرة أخرى، تعد عمليات الإعادة إلى الوطن أهم أداة لدينا لمنع عودة (داعش)'.

وعليه، لم يهزم 'داعش' حتى الآن لأن هزيمته طبقت كحدث عسكري لا كمسار سياسي واجتماعي مكتمل. أسقطت 'الدولة' التي أعلنها، لكن الشروط التي أنجبته بقيت قائمة، الفراغ السيادي، والسلطات المتنازعة، والمجتمعات المجروحة بلا عدالة، واقتصاد الظل الذي يكافئ العنف. وهكذا تحول التنظيم من كيان يسعى إلى السيطرة إلى تمرد منخفض الشدة يعيش على الهامش ويقتات من الشقوق. وسيستمر 'داعش' لأنه تعلم من هزيمته، ولم يعد يحتاج إلى أرض يحكمها، بل إلى زمن ينتظر فيه. ينتقل بين البادية والسجون والمخيمات، ويستثمر كل هرب وكل فشل احتجاز، ويعيد إنتاج نفسه عبر شبكة لا مركزية لا يسقطها اغتيال قائد ولا ضربة جوية، ومع كل انشغال دولي أو تصدع محلي، يعاود الظهور ليقول إنه لم يُمحَ، بل جرى تأجيله.

أما هل سيبقى؟ فالجواب ليس نعم أو لا، بل كيف وبأي صورة؟ وسيبقى ما بقيت البيئة التي تسمح له بالبقاء، أي سجون بلا حل قانوني، ومخيمات تحولت إلى حواضن أيديولوجية، ونزاعات سيادية تدار بالتجاذب، ودول عاجزة عن إنتاج عقد اجتماعي جامع. ولن يعود 'داعش' كـ'خلافة'، لكنه سيظل حاضراً كخطر كامن ووظيفة داخل الفوضى، إلى أن يهزم ليس بالسلاح وحده، بل بإغلاق المسرح الذي يمنحه سبب الوجود.

سوريا وسؤال داعش المؤجل... والمتجدد سوريا وسؤال داعش المؤجل... والمتجدد سوريا وسؤال داعش المؤجل... والمتجدد
موقع كل يومموقع كل يوم

أخر اخبار سوريا:

ترامب يتحدث عن مكالمة رائعة جديدة مع الشرع والرئاسة السورية تكشف التفاصيل

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.

موقع كل يوم
11

أخبار كل يوم

lebanonKlyoum.com is 2280 days old | 155,666 Syria News Articles | 1,822 Articles in Jan 2026 | 67 Articles Today | from 45 News Sources ~~ last update: 3 min ago
klyoum.com

×

موقع كل يوم


مقالات قمت بزيارتها مؤخرا



سوريا وسؤال داعش المؤجل... والمتجدد - sy
سوريا وسؤال داعش المؤجل... والمتجدد

منذ ٠ ثانية


اخبار سوريا

ناصر الدين: نحتاج إلى مليار دولار لتغطية مرضى الوزارة - lb
ناصر الدين: نحتاج إلى مليار دولار لتغطية مرضى الوزارة

منذ ٥ ثواني


اخبار لبنان

فيليه دينس مشوي - ly
فيليه دينس مشوي

منذ ١٠ ثواني


اخبار ليبيا

جيش الاحتلال يعلن العثور على جثة آخر أسير إسرائيلي في غزة - ly
جيش الاحتلال يعلن العثور على جثة آخر أسير إسرائيلي في غزة

منذ ١٥ ثانية


اخبار ليبيا

تنفيذ صفقة ضخمة على أسهم الخليج للملاحة بسوق دبي - ye
تنفيذ صفقة ضخمة على أسهم الخليج للملاحة بسوق دبي

منذ ٢٠ ثانية


اخبار اليمن

احذروا هذه العادات في الشتاء! - lb
احذروا هذه العادات في الشتاء!

منذ ٢٥ ثانية


اخبار لبنان

توسيع مجال التعامل بنظام الفوترة الالكترونية ليشمل عمليات اسداء الخدمات - tn
توسيع مجال التعامل بنظام الفوترة الالكترونية ليشمل عمليات اسداء الخدمات

منذ ٣٠ ثانية


اخبار تونس

 Pinco: - sa
Pinco:

منذ ٣٥ ثانية


اخبار السعودية

تزيين شنط العروسة: أفكار مميزة ومبتكرة! - xx
تزيين شنط العروسة: أفكار مميزة ومبتكرة!

منذ ٤٥ ثانية


لايف ستايل

الذهب يتجاوز 5100 دولار مدعوما بالطلب على أصول الملاذ الآمن - kw
الذهب يتجاوز 5100 دولار مدعوما بالطلب على أصول الملاذ الآمن

منذ ٥٠ ثانية


اخبار الكويت

حقيبة لاب توب: حماية وأناقة ومساحة أكثر لكل احتياجاتك - xx
حقيبة لاب توب: حماية وأناقة ومساحة أكثر لكل احتياجاتك

منذ ٥٥ ثانية


لايف ستايل

* تعبر المقالات الموجوده هنا عن وجهة نظر كاتبيها.

* جميع المقالات تحمل إسم المصدر و العنوان الاكتروني للمقالة.






لايف ستايل