اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٦ أب ٢٠٢٦
خاص الهديل الإخبارية….
بقلم: نورهان نجار
مع تصاعد الحرب الاقتصادية والضغوط الأميركية على إيران، ودخول المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة أكثر تعقيدًا، لم تعد ساحات الصراع محصورة بالضربات العسكرية والعقوبات والملفات السياسية، بل بدأت تبرز أمامها ساحة جديدة شديدة الحساسية: البنية التحتية الرقمية العالمية. وفي هذا السياق، يبرز احتمال لجوء إيران، في حال اتسعت المواجهة، إلى استهداف كابلات الألياف الضوئية البحرية في مضيق هرمز، في خطوة قد تفتح بابًا جديدًا من التصعيد يتجاوز حدود المنطقة.
وبحسب ما نقلته تقارير استندت إلى صحيفة «فايننشال تايمز» في 19 آب/أغسطس 2026، فإن القوات الإيرانية درست، ضمن خياراتها المحتملة في حال تصعيد الحرب، إمكانية استهداف كابلات الألياف الضوئية البحرية في مضيق هرمز. وهذا لا يعني أن طهران اتخذت قرارًا بتنفيذ مثل هذا الهجوم، لكنه يكشف أن البنية التحتية الرقمية باتت جزءًا من الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بالمواجهة.
وتكتسب هذه المسألة خطورتها من طبيعة الكابلات البحرية نفسها، إذ تشكل جزءًا أساسيًا من البنية التحتية التي تعتمد عليها الاتصالات الدولية ونقل البيانات والخدمات الرقمية. وفي منطقة الخليج، تمر مجموعة من الكابلات البحرية عبر مسارات مرتبطة بمضيق هرمز، بينها أنظمة مثل AAE-1 وFALCON وGBI، وتخدم بصورة أساسية دول الخليج وشبكاتها الرقمية والمالية. وتشير مصادر متخصصة إلى أن بعض هذه الكابلات يمر في المياه الإقليمية الإيرانية، فيما تمر مسارات أخرى في مياه دولية أو مياه تابعة لدول أخرى، وهو ما يجعل طبيعة أي استهداف أو تعطيل أكثر تعقيدًا من الناحية القانونية والعملياتية.
واللافت أن ملف الكابلات البحرية لم يظهر للمرة الأولى في آب/أغسطس، إذ كانت وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري قد طرحت في أيار/مايو فكرة فرض رسوم وتصاريح على الكابلات البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز، مع الدعوة إلى إخضاع الشركات المشغلة لهذه الكابلات لشروط إيرانية، بل وطرح أفكار تتعلق بعمليات الصيانة والإصلاح. كما أعلن متحدث عسكري إيراني أن بلاده ستفرض رسومًا على كابلات الإنترنت في المضيق.
ومن هنا، فإن التطور الجديد لا يمكن فصله عن المسار السابق، إذ يبدو أن طهران تنظر إلى مضيق هرمز ليس فقط باعتباره شريانًا للطاقة والتجارة العالمية، بل أيضًا باعتباره نقطة ضغط رقمية يمكن أن تمنحها أوراقًا إضافية في أي مواجهة مع الولايات المتحدة والغرب. وقد ازدادت المخاوف من هذه المسألة بعدما توقفت شركة «ألكاتيل سبمارين نتوركس» عن بعض عمليات إصلاح الكابلات في الخليج، في ظل مطالب إيرانية بالحصول على تصاريح ودفع رسوم مرتبطة بالبنية التحتية البحرية.
لكن هل يعني استهداف كابل واحد أو أكثر حدوث انهيار في الإنترنت العالمي؟ هنا يجب التمييز بين التأثير الإقليمي والتأثير العالمي. فشبكة الكابلات البحرية العالمية تتمتع بدرجات مختلفة من التكرار ووجود مسارات بديلة، ولذلك فإن قطع بعض الكابلات لن يؤدي بالضرورة إلى توقف الإنترنت حول العالم. إلا أن التأثير يمكن أن يكون شديدًا على الدول والمناطق التي تعتمد على مسارات محددة، خصوصًا إذا تزامن تعطيل الكابلات مع صعوبة وصول سفن الإصلاح إلى مناطق الأضرار بسبب استمرار العمليات العسكرية.
وتكمن الخطورة الأكبر في أن تأثير أي اضطراب في هذه الشبكات لا يقتصر على خدمات الإنترنت والاتصالات، بل يمكن أن يمتد إلى المصارف والتحويلات المالية ومراكز البيانات والخدمات السحابية والتجارة الإلكترونية والأنظمة الحكومية والشركات التي تعتمد على الاتصال المستمر بشبكات البيانات العالمية. وبالتالي، فإن البنية التحتية الرقمية يمكن أن تتحول في أي حرب حديثة إلى هدف ذي قيمة استراتيجية لا تقل أهمية عن الموانئ والمنشآت النفطية والمطارات.
أما على المستوى العسكري والسياسي، فإن أي هجوم متعمد على كابلات الاتصالات الدولية قد يفتح بابًا شديد الخطورة، خصوصًا إذا اعتبرت الولايات المتحدة أو الدول المتضررة أن العملية تستهدف بنية تحتية حيوية بصورة مباشرة. وعندها قد تنتقل المواجهة من العقوبات والحرب الاقتصادية إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الحرب السيبرانية واستهداف البنية التحتية الاستراتيجية.
ولا يتوقف الخطر عند مضيق هرمز وحده، إذ إن أي اضطراب في مسارات الاتصالات البحرية في مناطق أخرى من المنطقة، ولا سيما البحر الأحمر وباب المندب، يمكن أن يزيد من هشاشة الشبكات الإقليمية ويضغط على المسارات البديلة. ومن هنا، فإن الجمع بين اضطرابات هرمز وباب المندب قد يخلق تحديًا أكبر لشركات الاتصالات ومراكز البيانات والدول التي تعتمد على هذه المسارات.
وبذلك، قد تتحول الكابلات البحرية، التي تبدو في الظاهر مجرد بنية تحتية تقنية مخفية تحت مياه البحار، إلى إحدى أهم ساحات الصراع الاستراتيجي في المرحلة المقبلة. فبين العقوبات الأميركية والضغوط الاقتصادية والخيارات الإيرانية المحتملة، لم تعد الحرب تدور فقط حول النفط والممرات البحرية والصواريخ، بل باتت تمتد إلى البيانات نفسها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تدخل المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة يصبح فيها الإنترنت والبنية الرقمية العالمية جزءًا من أدوات الحرب والضغط؟











































































