اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
عاد ملف التنقيب عن النفط والغاز إلى واجهة الأحداث مجدّداً مع توقيع لبنان اتفاق التنقيب في البلوك 8 مع شركات «توتال إنرجيز» «قطر للطاقة» و«إيني الإيطالية».
وقد جرى التوقيع برعاية رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام نهاية الأسبوع الماضي، حيث وقّعه وزير الطاقة والمياه جو صدي وممثلو الشركات الأجنبية.
وحضر حفل التوقيع عدد من المسؤولين وممثلي السفارات الأجنبية، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذا الملف على المستويين الداخلي والإقليمي.
وقد اعتبر وزير الطاقة والمياه جو صدي أن دخول التحالف الدولي إلى البلوك 8 يؤكد التزام الشركات بمواصلة أنشطة الاستكشاف في لبنان، رغم التحديات، ويعكس الثقة بالإمكانات المتوقعة في بحر لبنان.
من هنا، فإن ملف تلزيم البلوك الرقم 8 يحتلّ أهمية خاصة في قطاع النفط والغاز في لبنان، نظراً إلى موقعه الجغرافي الحساس.
فالبلوك يقع جنوباً بمحاذاة المناطق الحدودية مع قبرص غربا، فيما يلامس من الجهة الجنوبية الحدود مع إسرائيل. وتزداد أهمية هذا البلوك كونه مجاوراً للبلوك الرقم 9، الذي شهد سابقاً عمليات حفر انتهت من غير الوصول الى النتائج المرجوة، وهو ما أثار تساؤلات حول الجدوى الاستكشافية في المنطقة، من دون أن يعني ذلك إقفال الملف نهائياً.
ورغم نتائج الحفر في البلوك 9، يُعتبر البلوك الرقم 8 واعداً من الناحية الجيولوجية، إلّا أنه يفتقر حتى الآن إلى المسح الزلزالي الثلاثي الأبعاد، وهو عنصر أساسي لتقييم إمكاناته بدقة علمية.
وفي السياق، جاء التزام شركة «توتال» بإجراء مسح زلزالي ثلاثي الأبعاد على مساحة تُقدّر بنحو 1200 كيلومتر مربع ضمن نطاق هذا البلوك. وبحسب الاتفاق، تمتلك الشركة مهلة ثلاث سنوات لإنجاز عملية المسح، يليها تنفيذ مرحلة إعادة معالجة البيانات (Reprocessing) بهدف تحسين جودة المعطيات، ثم مرحلة التفسير (Interpretation) التي يتم خلالها تحليل البيانات الزلزالية لتحديد المؤشرات الجيولوجية وإمكانات وجود النفط والغاز.
مصادر معنية بالملف أكدت عبر «اللواء» ان هذه المرحلة تعتبر محورية، إذ ستوفر البيانات اللازمة لتحديد المواقع الأكثر واعدة لحفر آبار استكشافية مستقبلية وتقليل المخاطر المالية والفنية المرتبطة بالاستكشاف البحري.
وأشارت المصادر أن من مصلحة الدولة اللبنانية الإسراع قدر الإمكان في هذا الملف، وهو ما يتطلب ممارسة ضغط فعلي على شركة «توتال» يتجاوز إطار التمنيات، لدفعها إلى تنفيذ التزاماتها في المهل المحددة.
كاشفة الى ان شركة «توتال» قدّمت التقرير النهائي المتعلق بعمليات الحفر في البلوك الرقم 9، والذي خلص إلى أن البئر المحفورة كانت جافة ولم تحقق اكتشافات تجارية، إلّا أن هذا التطور لا يعني نهاية مسار التنقيب في المياه اللبنانية.
واعتبرت المصادر أن أهمية البلوك 8 لا تقتصر على الجانب التقني فقط، بل تمتد لتشمل بُعداً اقتصادياً واستراتيجياً وسياسياً، إذ يمثل إدارة الموارد الطبيعية في المياه البحرية اللبنانية اختباراً لقدرة الدولة على جذب الاستثمار الأجنبي وإدارة قطاع النفط والغاز بشكل شفاف ومنظم.
لا سيما انه في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، حيث يمكن أن يساهم هذا المشروع في توفير موارد مالية إضافية للدولة، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة وتعزيز الخبرات التقنية المحلية من خلال التعاون مع الشركات الأجنبية.
كما لفتت المصادر الى انه بالتوازي، تعمل الدولة اللبنانية ووزارة الطاقة، عبر هيئة إدارة قطاع البترول، على التحضير لدورة التراخيص الرابعة، والتي تشمل إعداد دفتر شروط جديد يهدف إلى جذب الشركات العالمية العاملة في قطاع النفط والغاز، من خلال توفير شروط أكثر ملاءمة لواقع السوق وتحفيز الاستثمار في البلوكات البحرية اللبنانية، وهي ستطرح للتلزيم كل البلوكات 1,2 3,4,5,6,7,9,10 في دورة التراخيص الرابعة.
فالمرحلة وحسب المصادر تعتبر جديدة على هذا الصعيد وتحتاج إلى وقت وصبر، مشيرة الى ان التحدي هو بدورة التراخيص المقبلة التي سيتم اطلاقها خصوصا ان لبنان ليس وحده من يقوم بدورة تراخيص ، باعتباره سيدخل في طور التنافس مع الدول المحيطة لجذب الاستثمارات أمام الشركات الدولية، ويساعد في تخطيط الاستكشاف والإنتاج بشكل مدروس، خصوصاً ان المستجدات الجيوسياسية القادمة على المنطقة تشكل حافزا للشركات لا سيما الأميركية، والتي يبدو انها مهتمة في المياه البحرية السورية، حسب المصادر، وبالتالي على لبنان أن يكون يعمل للتسويق للبلوكات البحرية لجذب الشركات.
وتؤكد المصادر على أهمية معالجة الملف الأساسي وهو الإسراع في ترسيم الحدود البحرية الشمالية مع سوريا باعتباره أمر ضروري، نظراً لوجود منطقة تشكّل نقطة خلافية بين البلدين وتبلغ مساحتها أكثر من ٧٥٠ كلم متر مربع، وهو ما يستدعي معالجة سريعة للملف لتفادي أي إشكالات مستقبلية وضمان بيئة استثمارية مستقرة وواضحة للشركات والمستثمرين.
وتؤكد المصادر أن نجاح مشروع البلوك 8 سيشكّل مؤشراً مهماً على قدرة لبنان على تفعيل قطاع الطاقة بشكل مستدام، وتعزيز موقعه الاستراتيجي في شرق المتوسط، حيث تتنافس الدول على حقوق استكشاف النفط والغاز.
كما أن إدخال الشركات الكبرى في هذا القطاع يوفر فرصاً لتطوير البنية التحتية البحرية، ونقل المعرفة التقنية المتقدمة إلى لبنان، بما يرفع من كفاءة عمليات الاستكشاف والإنتاج في المستقبل.
وتظل المرحلة المقبلة حاسمة، حسب ما ترى المصادر حيث يتوجب على الدولة اللبنانية متابعة تنفيذ الاتفاق مع التحالف الدولي لضمان الجدية في تطبيق خطة المسح الزلزالي، وتحليل البيانات بدقة، ومن ثم التخطيط للحفر الاستكشافي بما يتماشى مع المعايير الدولية، مع الحرص على تعزيز الشفافية ومراقبة الأداء لضمان استفادة لبنان من كل الإمكانات المحتملة.
في المحصلة، فان من شأن عمليات التنقيب أن تسهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية الوطنية، وتحقيق اكتشافات تجارية في قطاع النفط والغاز، يمكن أن تشكّل رافعة مالية واستراتيجية للبلاد، وتفتح المجال أمام مزيد من الاستثمارات الأجنبية في هذا القطاع الحيوي، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى تعزيز موارده المالية والطاقة الاستراتيجية بشكل عاجل.











































































