اخبار سوريا
موقع كل يوم -سيريانديز
نشر بتاريخ: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
سيريانديز.. محمد أحمد خبازي
كيف هو المشهد الاقتصادي السوري اليوم، ومما يعاني، وما تبديات معاناته في السوق، وكيف يمكنه تجاوز تحديات تحسنه نحو 'النمو' وانعكاسه على حياة المواطنين المعيشية، وما هي الإجراءات التي ينبغي للحكومة اتخاذها لتحرير هذا الاقتصاد من قيوده، بما يحقق انفراجات تنعش البلاد والعباد؟.
يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور'إبراهيم نافع قوشجي'، أن الاقتصاد السوري في مفترق الطرق، من أزمات العقدين إلى تحرير الأسواق وإعادة الهيكلة، وأن المشهد معقد بعد عقدين من الضغوط، فبعد مرور أكثر من عقدين من التحولات العميقة والضغوط المركبة، يجد الاقتصاد السوري نفسه أمام لحظة فارقة تتطلب تشخيصاً واقعياً وجريئاً للخلل الهيكلي الذي يعاني منه.
وبيَّنَ في تصريح خاص لـ'سيريانديز' أن تراكم الأزمات عبر السنين لم يعد مجرد تحديات عابرة، بل تحوّل إلى حالة من الانغلاق الاقتصادي وتراجع المؤشرات الكلية، ما يفرض على الفريق الاقتصادي في الحكومة ضرورة الانتقال من حلول الترقيع المؤقتة إلى تبني رؤية شمولية قائمة على مبادئ الأسواق التنافسية، وتحرير القطاعات الإنتاجية، وإعادة بناء النظام النقدي والمصرفي.
وعرض في تشخيصه لواقع الحال الاقتصادي، التحديات الهيكلية الممتدة، ومنها نزف رؤوس الأموال وانكماش الناتج المحلي الإجمالي، إذ شهدت البيئة الاستثمارية حالة من الجفاف نتيجة بيئة الأعمال الطاردة وعدم الاستقرار، ما أدى إلى خروج واستقرار رؤوس الأموال السورية في الخارج، وهذا الهروب المتواصل تسبب في انكماش حاد ومتواصل للناتج المحلي الإجمالي (GDP) وتراجع القدرات الإنتاجية للبلاد.
ومنها أيضاً، تهالك وسائل الإنتاج وتراجع القوة الشرائية، إذ يعاني القطاعان الصناعي والزراعي من تدهور البنية التحتية وتقادم الآلات والمعدات، وتراجع كفاءة سلاسل الإمداد، وقد ترافق ذلك مع ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، ما أدى إلى تآكل الدخل الحقيقي للمواطنين وانخفاض شديد في القوة الشرائية، وهو ما يضعف الطلب المحلي ويُدخل الأسواق في حالة من الركود التضخمي.
ومن تلك التحديات أيضاً، تذبذب سعر الصرف والتعثر الهيكلي، فقد شكلت التغيرات المستمرة في سعر صرف الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين والتجار على حد سواء، ما حال من دون إمكانية التخطيط المالي طويل الأجل، وزاد من حدة الانغلاق الاقتصادي وتراجع التبادل التجاري مع الأسواق الخارجية.
وفي حديثه عن ركائز إعادة الهيكلة والتحول نحو اقتصاد السوق التنافسي قال الدكتور 'قوشجي': لإعادة إطلاق عجلة النمو، لا بد للفريق الاقتصادي الحكومي من إحداث تحول جذري في إدارة الملف الاقتصادي، يتضمن الركائز الآتية:
أولاً: تحرير الاقتصاد وإلغاء القيود الحمائية المقيدة، والانتقال نحو الأسواق التنافسية، وإلغاء سياسات الاحتكار والقيود الحمائية التي أثرت سلبياً في الكفاءة، وفتح المجال أمام التنافسية العادلة التي تضمن كفاءة توزيع الموارد وتحسين جودة المنتجات والخدمات.
ومرونة تراخيص الاستثمار، أي تبسيط الإجراءات الإدارية والقضاء على البيروقراطية، والاعتماد على التحول الرقمي والنافذة الواحدة لمنح التراخيص الاستثمارية بسلاسة وسرعة.
ثانياَ: إصلاح المنظومة النقدية والمصرفية، أي إعادة الثقة للجهاز المصرفي، إذ لا يمكن للبنوك ممارسة دورها التنموي من دون استعادة ثقة المودعين والمستثمرين، ويتطلب ذلك تعزيز الشفافية، وحماية الودائع، وإعادة السيولة إلى الشرايين المصرفية لتأمين التمويل اللازم للمشاريع.
وكذلك تفعيل السياسة النقدية للمصرف المركزي، بتمكينه من استخدام أدواته النقدية بمرونة واستقلالية بهدف كبح جماح التضخم، وضبط المعروض النقدي، وتحقيق استقرار مستدام في سعر صرف الليرة السورية.
وأيضاً إدارة الفائدة لتمويل الاستثمار، أي خفض معدلات الفائدة الهيكلية لتشجيع الاقتراض الإنتاجي وتخفيض تكلفة رؤوس الأموال، ما يدفع المستثمرين نحو ضخ رؤوس أموالهم في مشروعات استثمارية حقيقية بدلاً من الاكتناز.
ثالثاً: تطوير أسواق المال وتوسيع قاعدة الملكية، وذلك بتفعيل سوق دمشق للأوراق المالية، من خلال إلزام جميع الشركات المساهمة بالإدراج في السوق المالي، ما يعزز مفاهيم الإفصاح والشفافية، ويوفر قنوات تمويل بديلة وغير تقليدية للشركات، ويمنح صغار المستثمرين وكبارهم فرصة المشاركة في النمو الاقتصادي.
رابعاً: تحديث التشريعات والمنظومة الضريبية، مثل مراجعة قوانين الاستثمار، وتحديث القوانين التشريعية لتكون متوافقة مع معايير بيئة الأعمال الحديثة، وتوفر الحماية القانونية والضمانات الكافية للمستثمر المحلي والأجنبي.
وإصلاح ضريبي مشجع للإنتاج، بتبني نظام ضريبي جديد وعادل، يبتعد عن الجباية المُرهِقة للقطاعات الإنتاجية، ويمنح حوافز وإعفاءات ذكية للقطاعات الواعدة، ما يقلل الأعباء التكاليفية ويشجع التوسع في الأعمال والإنتاج.
ولفت الدكتور' قوشجي' في رؤية مستقبلية لتعافي الاقتصاد، إلى إن الخروج من شرك الأزمة الاقتصادية الهيكلية في سوريا، يحتاج إلى إرادة إصلاحية جادة وشاملة، وأن ربط استقرار سعر الصرف بخفض التضخم، وتطوير الجهاز المصرفي وسوق الأوراق المالية، وتحديث التشريعات والضرائب، تشكل معاً حزمة متكاملة لا تجزئة فيها، فقط من خلال فتح الاقتصاد للمنافسة وتوفير بيئة استثمارية آمنة ومردودة، يمكن إعادة الثقة، وجذب رؤوس الأموال المهاجرة، واستعادة القدرة الإنتاجية للبلاد.




































































