اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة شهاب للأنباء
نشر بتاريخ: ٦ أيلول ٢٠٢٦
مدارس الركام
ففي غزة، يحاول الطلبة العودة إلى التعليم بعد حرب ألحقت أضراراً واسعة بالمدارس والمنشآت التعليمية، فيما يجري الاعتماد على نقاط تعليمية ومدارس مؤقتة لتعويض ما فقده القطاع من بنيته التعليمية. وفي الضفة الغربية، يدخل العام الجديد مثقلاً بأزمة مالية مزمنة انعكست على رواتب المعلمين وأيام الدوام، وراكمت فاقداً تعليمياً يهدد جودة التعليم واستمراره. أما في القدس المحتلة، فتتخذ الأزمة بعداً آخر، مع منع معلمين من الوصول إلى مدارسهم، وفرض قيود على المؤسسات التعليمية، ودفع المناهج الإسرائيلية إلى مزيد من الصفوف الفلسطينية.
لا تعني عودة العام الدراسي فى غزة عودة الطلبة إلى مدارسهم كما كان الحال قبل الحرب، إذ تبدأ العملية التعليمية في ظل واقع فرضته الأضرار الواسعة التي لحقت بالمدارس والمنشآت التعليمية، وما خلفته الحرب من ظروف إنسانية صعبة طالت مختلف جوانب حياة الطلبة وعائلاتهم.
وتستعد وزارة التربية والتعليم العالي لاستئناف العملية التعليمية للعام الدراسي 2026/2027، فيما يستعد نحو 541 ألف طالب وطالبة للعودة إلى التعليم وفق الإمكانات المتاحة.
ومن المقرر أن يبدأ دوام الهيئات الإدارية والتدريسية في قطاع غزة في السادس عشر من أيلول/سبتمبر الجاري، على أن يلتحق الطلبة بالتعليم في التاسع عشر من الشهر ذاته، ضمن ترتيبات استثنائية فرضها واقع القطاع التعليمي بعد الحرب.
ولتعويض النقص في المباني المدرسية، تعمل الوزارة على توفير نحو 700 نقطة تعليمية وجاهية و25 مدرسة مؤقتة لاستيعاب الطلبة، بالتوازي مع استمرار التعليم الافتراضي للطلبة غير القادرين على الوصول إلى التعليم الوجاهي.
وتعكس هذه الخطة حجم التحدي الذي يواجه العملية التعليمية في القطاع؛ فالعودة إلى الدراسة لا تتم من خلال إعادة فتح المدارس التي اعتادها الطلبة، وإنما عبر البحث عن أماكن بديلة يمكن أن تستوعب الأعداد الكبيرة، وتسمح باستمرار الحد الأدنى من العملية التعليمية.
وبين النقاط التعليمية والمدارس المؤقتة والتعليم الافتراضي، تحاول الوزارة منع انقطاع جديد للطلبة عن التعليم، والحيلولة دون اتساع الفاقد التعليمي الذي راكمته الحرب.لكن هذه البدائل لا تعني تجاوز الأزمة، إذ يبقى توفير بيئة تعليمية مستقرة وآمنة، وتأمين المستلزمات والكوادر التعليمية، وإعادة تأهيل البنية المدرسية، من أبرز التحديات التي سترافق العام الدراسي في غزة.
وفي الضفة الغربية المحتلة، يأتي التحدي من مسار مختلف، إذ تدخل المدارس العام الدراسي الجديد وهي تحمل آثار أزمة مالية طويلة انعكست بصورة مباشرة على المعلمين والطلبة، وأصبحت تهدد انتظام الدوام واستقرار العملية التعليمية.
ثلاثة أيام دوام
ويبلغ عدد المعلمين في المدارس الحكومية في الضفة الغربية، من دون القدس، نحو 32 ألف معلم ومعلمة، موزعين على قرابة ألفَي مدرسة تقدم خدماتها التعليمية لنحو 625 ألف طالب وطالبة.
لكن المعلمين لم يتلقوا رواتبهم بصورة منتظمة أو كاملة منذ نحو ستة أعوام، في ظل الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة الفلسطينية، وعدم انتظام تحويل أموال المقاصة، الأمر الذي انعكس على قدرة المدارس على الحفاظ على دوام مستقر.
ومع بداية العام الدراسي، برز الخلاف حول عدد أيام الدوام باعتباره أحد أبرز التحديات؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه وزارة التربية والتعليم إلى انتظام دوام المعلمين والطلاب خمسة أيام أسبوعياً، أعلن الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين أن الدوام المعتمد سيكون ثلاثة أيام أسبوعياً.
ويفتح هذا الخلاف الباب أمام احتمال استمرار حالة عدم الانتظام التي رافقت العملية التعليمية خلال الأعوام الماضية، في وقت يؤكد فيه معلمون أن الخيارات كافة تبقى مطروحة، بما فيها الإضراب وعدم التوجه إلى المدارس.
ولا تقف المشكلة عند عدد أيام الدوام، فالفاقد التعليمي المتراكم أصبح أحد أبرز المؤشرات على الكلفة التي يدفعها الطلبة نتيجة الأزمة. وبحسب عضو اللجنة التنسيقية للمعلمين عمر محيسن، كانت نسبة الفاقد التعليمي خلال الأعوام التي أعقبت تفاقم الأزمة المالية بعد عام 2019 تصل، في حدها الأقصى، إلى نحو 30%، لكنها ارتفعت خلال العام الماضي إلى قرابة 60%.
ويقول محيسن إن المناهج لم تستكمل، والطلبة لم يحصلوا على حقهم من التعليم، وإن الارتباك في الدوام انعكس على رغبة الطلبة وقدرة المعلم التعليمية. ويختصر الأزمة بالقول إن ثلاثة أيام دوام لا تكفي الطالب، وكذلك 50% من الراتب لا تكفي المعلم.
ولا تنفصل أزمة التعليم في الضفة الغربية عن الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة الفلسطينية، في ظل ارتفاع الدين العام واستمرار حجز أموال المقاصة، التي تمثل مورداً أساسياً لإيرادات الحكومة. وأدت هذه الظروف إلى تراكم مستحقات الموظفين والمعلمين، وتحول الراتب غير المنتظم إلى واحدة من أكثر القضايا تأثيراً على الحياة المهنية للمعلم وعلى انتظام المدارس.
وفي المقابل، يرى أمين عام اتحاد المعلمين الفلسطينيين سائد ارزيقات أن انتظام الدوام خمسة أيام أسبوعياً هو الحل الضروري لمنع اتساع الفاقد التعليمي، محذراً من أن تقليص عدد أيام الدراسة سيزيد من الفجوة التي يعاني منها الطلبة.
ومن جهتها، تؤكد وزارة التربية والتعليم العالي أن هدفها هو الوصول إلى دوام كامل، فيما تتحدث عن جهود لتحسين البنية التعليمية في الضفة، شملت صيانة أكثر من 104 مدارس وإنشاء 17 مدرسة جديدة، إلى جانب افتتاح مدارس جديدة للتعليم المهني وتوسعة مدارس قائمة.
ولا تقتصر التحديات التي تواجه التعليم في الضفة الغربية على أزمة الرواتب وانتظام الدوام، إذ تواجه عشرات المدارس الفلسطينية، ولا سيما في المناطق المصنفة _(ج)والتجمعات البدوية، خطر الهدم أو الإغلاق، ما يجعل الوصول إلى التعليم نفسه جزءاً من معركة البقاء.
ففي المناطق النائية والتجمعات البدوية، تمثل المدرسة في كثير من الأحيان المرفق التعليمي الوحيد القريب من السكان، ولذلك فإن هدمها أو إغلاقها يعني إجبار الأطفال على قطع مسافات أطول للوصول إلى مدارس بديلة، في ظل طرق غير آمنة واعتداءات متكررة من المستوطنين. وفي الرابع من آب/أغسطس الماضي، هدمت قوات الاحتلال جزءاً من مدرسة شعب البطم الأساسية المختلطة في مسافر يطا، وهي مدرسة تخدم 59 طالباً وطالبة، فيما بقي الجزء الآخر منها مهدداً بالهدم.
هدم 84 مدرسة
وتشير معطيات حديثة إلى أن 84 مدرسة فلسطينية تخضع لأوامر هدم أو وقف عمل، بينها 54 مدرسة مهددة بالهدم الكامل و30 تستهدف الأوامر أجزاء منها أو مرافق تابعة لها، وتضم هذه المدارس نحو 13 ألف طالب وطالبة وأكثر من ألف معلم وموظف. وتتركز نسبة كبيرة من هذه المدارس في المناطق المصنفة «ج»، والتجمعات البدوية والرعوية، حيث تتداخل أوامر الهدم مع محاولات ترحيل السكان واعتداءات المستوطنين وقيود الحركة.
ولم يبدأ العام الدراسي في عدد من المدارس الخاصة والمسيحية في المدينة بصورة طبيعية، بعدما رفضت سلطات الاحتلال تجديد تصاريح دخول أكثر من 70 معلماً وموظفاً من الضفة الغربية، ما منعهم من الوصول إلى مدارسهم. وتخدم المدارس المتضررة أكثر من 8500 طالب وطالبة، الأمر الذي جعل منع المعلمين من الوصول إلى المدينة أزمة تعليمية مباشرة، وليس مجرد إجراء يتعلق بحرية الحركة.
وأعلنت المدارس المسيحية في القدس إضراباً مفتوحاً احتجاجاً على منع المعلمين والموظفين من الوصول إلى مدارسهم، مطالبة بإعادة التصاريح وتمكين الكوادر التعليمية من أداء عملها. لكن أزمة المعلمين لا تنفصل عن مسار آخر أكثر ارتباطاً بهوية التعليم في المدينة، يتمثل في الدفع بالمنهاج الإسرائيلي إلى مزيد من الصفوف الفلسطينية.
فقد بدأت سلطات الاحتلال تطبيق المنهاج الإسرائيلي على الصفوف الجديدة في المدارس التابعة لبلدية الاحتلال، بما يشمل الصفين الأول والسابع، في خطوة تثير مخاوف فلسطينية من توسيع نطاق المناهج 'الإسرائيلية' داخل التعليم الفلسطيني في القدس.
وبحسب المعطيات الفلسطينية، يواجه نحو 45 ألف طالب فلسطيني في القدس الشرقية تداعيات هذه السياسات، فيما تحذر جهات تربوية من أن القضية لا تتعلق بتغيير الكتب الدراسية فقط، وإنما بالرواية التي يتلقاها الطلبة بشأن تاريخ مدينتهم وهويتها وجغرافيتها.
استهداف الهوية
ويكتسب ملف المعلمين أهمية خاصة في القدس، إذ تعتمد نسبة كبيرة من المدارس العربية على معلمين يحملون شهادات من الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية. وتزداد الأزمة مع القانون الذي أقره الكنيست خلال العام الجاري، والذي يحظر توظيف معلمين يحملون شهادات أكاديمية من مؤسسات تابعة للسلطة الفلسطينية في منظومة التعليم الإسرائيلية.
ويمس هذا الإجراء بصورة خاصة المدارس العربية في القدس، حيث يحمل نحو 60% من قرابة 6700 معلم شهادات من مؤسسات أكاديمية فلسطينية، وفق ما أوردته تقارير إعلامية.
وفي الوقت نفسه، تستمر الضغوط على المؤسسات التعليمية الفلسطينية، بعدما أغلقت سلطات الاحتلال في وقت سابق ست مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين 'الأونروا' في القدس، بعد حظر عمل الوكالة وملاحقة مرافقها. وتضيف هذه الإجراءات مزيداً من التعقيدات أمام التعليم الفلسطيني في المدينة، في وقت تحاول فيه المدارس الحفاظ على استمرار الدراسة وعلى حضورها داخل المجتمع المقدسي.

























































