اخبار سوريا
موقع كل يوم -تلفزيون سوريا
نشر بتاريخ: ١١ نيسان ٢٠٢٥
نشرت مجلة'فورين أفيرز' الأميركية تقريراً عن مساعي الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، لتقديم نفسه كشخصية معتدلة قادرة على إدارة بلد متنوع، من خلال تشكيل حكومة تصريف أعمال تضم وزراء من مختلف الطوائف والأعراق، كرد على الشكوك الإقليمية والدولية حول قدرته على تجاوز خلفيته الجهادية. تأتي هذه الخطوة في أعقاب انتهاكات طائفية ارتكبتها مجموعات مقاتلة مرتبطة بحكومته ضد العلويين، ما زاد الضغط عليه لإظهار نوايا تصالحية ووطنية جامعة.
ويسلط التقرير الضوء على طبيعة النظام السياسي الذي شكله الشرع، والذي يجمع بين عناصر الحكم السلطوي المركزي وبين محاولات تنظيم لامركزي. فالإعلان الدستوري يمنحه صلاحيات واسعة، لكنه يواجه تحديات في فرض سيطرته على كافة الأراضي السورية، نظراً لوجود فصائل عسكرية مستقلة أو رافضة لسلطته، إلى جانب استمرار الانقسام الداخلي. وتشير التحليلات إلى أن سوريا أقرب اليوم إلى دولة هجينة غير مستقرة، يحكمها نخب ضيقة مع احتواء هامشي للفئات الأخرى.
يتتبع التقرير مسيرة هيئة تحرير الشام في إدلب منذ 2019، حين بدأت بالتحول من جماعة متشددة إلى قوة محلية براغماتية، تقاربت مع الصوفيين وتخلت عن سياسات متشددة مثل 'قانون الحسبة'، وحاولت تقديم نموذج حكم معتدل نسبياً. إلا أن التقرير يحذر من أن هذا النموذج لا يمكن نسخه بسهولة على كامل سوريا، نظراً لاتساعها وتعقيدها السكاني، ما يستدعي دعماً خارجياً دبلوماسياً واقتصادياً، خاصة من الغرب ودول الخليج. كما يبيّن كيف أن هيئة الشرع تحكم عبر دوائر نفوذ مغلقة، ما يثير مخاوف من 'أدلبة' الدولة.
ويحذر التقرير من التحديات الكارثية التي تواجه سوريا في ظل الحكومة المؤقتة، وعلى رأسها الانهيار الاقتصادي، واستمرار العقوبات الغربية، وموجات العنف الطائفي، خصوصاً بعد المجازر التي طالت العلويين. يشير إلى أن غياب تمثيل العلويين في هياكل الحكم الجديدة وتورط مقاتلين من الحكومة في تلك المجازر قد يفتح الباب أمام تمرد داخلي ورفض دولي لأي دعم للحكومة. وفي حال فشل الشرع في معالجة هذه الأزمات بشفافية وجدية، قد تتحول سوريا إلى ساحة عنف جديدة بدل أن تبدأ فعلاً في كتابة فصل جديد من تاريخها.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الأمن في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية الصحيفة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
ترجمة التقرير:
في أواخر شهر آذار الماضي، أعلن الرئيس الجديد لسوريا، أحمد الشرع، عن تشكيل حكومة لتصريف الأعمال حتى تشرف على سير العملية الانتقالية في البلد بعد خمسة عقود من الحكم الاستبدادي، فمنح في تلك الحكومة بعض المناصب لشخصيات من خارج بيئته الإسلامية، بينهم وزيرة مسيحية حصلت على حقيبة الشؤون الاجتماعية، ووزير كردي حصل على حقيبة التعليم، ووزير درزي حصل على حقيبة الزراعة، ووزير علوي حصل على حقيبة النقل، وهذه التعيينات تعكس مدى الضغط الذي خضع له الشرع حتى يبين لحكومات الدول العربية والغربية، وللشعب السوري أيضاً، بأنه قادر على تشكيل حكومة جامعة تمثل الأقليات الدينية والعرقية في البلد، بعد أن غدا هذا التحدي أصعب بكثير إثر وقوع حمام دم في شهر آذار، قتل فيه مقاتلون تابعون لحكومة الشرع (ولكنهم لا يخضعون لتوجيهاته)، مئات من أفراد الطائفة العلوية التي استهدفوها في غربي سوريا.
منذ أن نزل فصيل الشرع، أي هيئة تحرير الشام، من شمال غربي سوريا في كانون الأول من عام 2024، وعمل على إسقاط نظام بشار الأسد، شككت قوى خارجية كثيرة بمدى قدرة شخصية إسلامية مثل الشرع على حكم دولة كبيرة ومتنوعة مثل سوريا، إذ بالاعتماد على الدعم التركي، بقيت هيئة تحرير الشام تعمل في محافظة إدلب بشمال غربي سوريا ردحاً طويلاً من حقبة الحرب السورية، كما نجحت في بسط سيطرتها على المناطق هناك، ولكن لم يتضح إن كانت وصفة النجاح في إدلب ستنجح مع سوريا كلها، ولذلك ثمة تشكيك بمدى صدق الشرع في تحوله إلى الاعتدال في عقيدته، فقد بدأت جماعته كفصيل جهادي متعصب تحالفاً مع تنظيم القاعدة ثم تنظيم الدولة الإسلامية. ولكن خلال العشرية الثانية من الألفية الثالثة، انشقت هيئة تحرير الشام عن تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، وأعلنت أن نضالها نضال محلي وخاص بسوريا فحسب. وبحلول عام 2020، دخلت الهيئة في حروب محتدمة ضد قوات تحالفت مع تنظيم القاعدة وضد تنظيم الدولة الإسلامية في إدلب. وبعد خلع الأسد، مد الشرع يده لحكومات الدول العربية والغربية، وقدم نفسه بكل قوة وثقة كشخصية معتدلة تسعى لحماية الأقليات الدينية والعرقية في البلد.
أصبح للشرع اليد الطولى في دمشق الآن، إذ ينص الإعلان الدستوري على بقاء الحكومة المؤقتة لفترة تمتد لخمس سنوات قبل الدعوة للانتخابات الرئاسية، ما يعني بأنه سيبقى في السلطة خلال المستقبل القريب، كما أن الوزارات السيادية بقيت بيد حلفاء الشرع، ويتربع هو على عرش السلطة التنفيذية. ثم إن الإعلان الدستوري الذي أقر في آذار الماضي، يعترف بشرعة الحقوق، والتي تشمل حرية المعتقد والرأي والمساواة أمام القانون، إلا أنه يمنح الشرع سلطات واسعة، فهو من سيعين أعضاء المحكمة الدستورية، وثلث أعضاء البرلمان، في حين ستختار لجنة عليا من تبقى من أعضاء مجلس الشعب. ويمكن للشرع أن يعلن حالة الطوارئ في أي وقت من الأوقات، كما بوسعه إلغاء الضوابط التي تراقب أسلوبه في الحكم ضمن مؤسسات الدولة الضعيفة. وهذا ما أثار قلق كثير من المسؤولين الغربيين تجاه احتمالية عودة الدولة القائمة على حزب واحد لحكم سوريا، والتي تشبه ما حدث في أيام نظام الأسد. في حين أن كثيراً من السوريين يرون في الشرع شخصية براغماتية متطرفة، وهم محقون في ذلك، لأنه على استعداد لتقديم تنازلات وللتخلي عن أي التزامات وتحالفات قد تسبب له مشكلات، إن كانت تلك القرارات تنسجم مع سعيه الحثيث للاستئثار بالسلطة.
ولكن لا يبدو على سوريا بأنها على وشك التحول من جديد إلى دولة مستبدة موحدة، حتى ولو كان ذلك ما يريده الشرع في سره. لأن ما ظهر تحت حكم الشرع هو حكومة تشتمل على عناصر من الحكم الاستبدادي التسلطي، إلى جانب عناصر لتنظيم لامركزي تهمها الفيدرالية بنسبة أكبر. وأمام هذه الحكومة معركة صعبة في ترسيخ سيطرتها على سوريا، وفي كسب تأييد جميع العناصر المكونة للبلد، ولذلك تمارس قيادة هيئة تحرير الشام عملية سيطرة محكمة تتم في رأس الهرم، حتى وهي تقدم تنازلات لجماعات أخرى كونها تحاول أن تدمجها ضمن المراتب الأدنى، وينطبق ذلك على الفصائل العرقية المسلحة التي تسيطر على أجزاء من الجنوب والشمال، غير أن تلك المساعي قد بلغت أقصى حدودها، بعد أن وصلت مرحلة عنق الزجاجة إلى أعلى مستوياتها، بوجود عدد ضئيل من المسؤولين الذين يصدرون سائر القرارات، مع استمرار حالة الانقسام على الأرض، بما أن الفصائل المتناحرة ترفض فكرة الانضواء تحت لواء النظام الجديد.
وطالما بقيت جماعات كثيرة، وعلى رأسها الفصائل الدرزية في جنوب غربي سوريا والكردية في الشمال الشرقي، لا تدور في فلك الهيئة، فلن تسيطر هيئة تحرير الشام إلا على أجزاء من سوريا، وستصل إلى تلك المرحلة التي ستحاول معها إما أن تستقطب تلك الجماعات، أو أن تدخل في مواجهة معها، أو أن تقبل ضمناً بالواقع الحالي والذي يؤكد عدم سيطرتها على كامل التراب السوري. بيد أن عدم القيام بأي فعل تجاه ذلك يهدد باستحالة إعادة بناء الدولة المركزية، كما أن سوريا تواجه مشكلات جسيمة، أولها الاقتصاد المنهار، وثانيها احتمال تجدد النزاع في الداخل، وثالثها التدخل التخريبي الذي تمارسه القوى الخارجية. ولذلك لن تتمكن حكومة تصريف الأعمال من معالجة أي من تلك المشكلات في حال بقيت سيطرتها على البلد محل نزاع.
دوائر السلطة
أثبت الشرع وهيئة تحرير الشام براعتهما وقدرتهما على التكيف، إذ عندما تولت الهيئة زمام الأمور في إدلب في عام 2019، لم تكتف برفض تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة فحسب، بل أيضاً نأت بنفسها عن التيارين الجهادي والسلفي عموماً، وانحازت إلى المدرسة الشافعية من الشريعة الإسلامية، بما أن المذهب الشافعي شائع بين أهالي تلك المنطقة، ثم تصالحت مع المسلمين الصوفيين، بعد أن تعاملت الأشكال السابقة للهيئة مع الصوفية على أنهم خصوم وأعداء، كما تخلت الهيئة عن هدفها الذي كان صريحاً في وقت من الأوقات، وهو تصحيح عقائد الناس، وتراجعت عن مبادئها الفكرية ووصفاتها السياسية، إذ على سبيل المثال، قررت الهيئة خلال العام الفائت تجميد قانون الحسبة الذي اقترحه محافظون في إدلب وهو قانون يدعو للفصل بشكل صارم بين الجنسين في معظم الأماكن العامة مع فرض قيود على كثير من الأمور الثقافية، مثل الموسيقا ولباس المرأة، والمثلية الجنسية. وفي حزيران من عام 2020، ضيقت الهيئة على تنظيم القاعدة في إدلب وشنت حرباً شاملة ضد تنظيم الدولة.
اعتمد هذا النهج على تقييم واقعي لموقف الجماعة في أواخر العشرية الثانية من الألفية الثالثة، إذ أدركت الهيئة بأنه ليس لديها من الموظفين والإداريين ما يكفي لحكم إدلب، ولهذا عليها أن تحوز إعجاب الأغلبية الصامتة من المسلمين في المنطقة، والذين لا يدينون بالولاء لأي عنصر فاعل بعينه، بل لعلهم يرفضون الأفكار العقائدية الحادة التي كانت الهيئة تتبناها. وبذلك عززت الهيئة سيطرتها على إدلب عبر تقديم نفسها كبديل عن المتطرفين، مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة ونظام الأسد. وهذا لم يترك سوى هامش ضئيل أمام القوى السياسية المتنافسة.
وعملياً، بقيت الهيئة تفوض معظم الأمور في محافظة إدلب، ويشمل ذلك قطاعات مثل التعليم والصحة، لطرف ثالث مثل المنظمات الأجنبية غير الحكومية. لكنها لم تسمح بظهور أي معارضة سياسية منظمة أو انتقاد لاحتكارها تمثيل تلك المنطقة على المستوى السياسي، غير أنها بحلول عام 2024 شعرت بأن موقفها أصبح آمناً في إدلب، ولذلك خففت بعض القيود الاستبدادية التي فرضتها، وكان من بينها فتح المجال أمام منظمات المجتمع المدني وتوسيع عملية المشاركة في البرلمان المحلي، وذلك عقب مظاهرات شعبية خرجت في معظم أرجاء تلك المحافظة. وبما أن الشرع يتمتع بحنكة سياسية لذا أدرك بأن بقاء جماعته منوط بالاحتفاظ بسيطرة سياسية محكمة مع السماح بهامش محدود للأصوات المعارضة والبديلة، بشرط ألا يمثل ذلك أي تهديد لحكمه.
قدمت تجربة الهيئة في إدلب نموذجاً بوسع الشرع الاقتداء به، غير أن حكم سوريا جميعها من دمشق لا يشبه حكم إدلب في شيء، إذ لا يمكن للهيئة أن تعتمد على الكوادر فحسب لحكم سوريا كما كانت تفعل في إدلب، كما أن البلد أكبر وأكثر تنوعاً مقارنة بما هي عليه الحال في تلك المحافظة. لذا، وحتى تحتفظ الحكومة الجديدة بالسلطة، عليها أن تعتمد بشكل أكبر على دول أجنبية حتى تدعمها دبلوماسياً، وخاصة في مسألة رفع العقوبات، أو في مجال الدعم المالي والاقتصادي الذي يمكن لدول الخليج والدول الغربية أن تقدمه من أجل إعادة بناء النظام البيروقراطي للدولة ولتمويل الجيش. أي أنه لا يمكن للحكومة الجديدة أن تفرض آراءها بشكل منفرد في مناح كثيرة، وخاصة في تلك المناحي التي ما تزال جماعات مسلحة أخرى متنفذة فيها، وكذلك الأمر بالنسبة للأمور التي أجبرت الحكومة فيها على تقديم تنازلات بسبب حالة التصدي الشعبية. ثم إن الجهات الأجنبية الداعمة لسوريا، سواء في الخليج أو في الغرب، قد لا تدعم فكرة إقامة دولة ديمقراطية، غير أنها تتوقع من دمشق أن تحافظ على درجة معينة من المشاركة ضمن العملية السياسية.
تعمل هيئة تحرير الشام من خلال عدد من دوائر السلطة، يحتل الشرع قلبها، ويعتمد على جماعته وعلى شبكة من الشخصيات الموثوقة من بطانته وذلك للإشراف على الشؤون السياسية وعلى الأمن وعلى العمليات العسكرية. في حين تشمل الدائرة الثانية للسلطة المحاربين القدماء من القادة العسكريين الإسلاميين والشخصيات المؤثرة التي تتمتع بتجربة في الحكم في إدلب، والتي تلعب دوراً مهماً في رفد الإدارة المدنية بالكوادر، على الرغم من أنها لا تنتمي لهيئة تحرير الشام بشكل رسمي. وتتألف الدائرة الثالثة من التابعين للفصائل السورية المدعومة تركياً والمنضوية تحت مظلة الجيش الوطني السوري، وقد بقيت تلك الجماعات خارج سيطرة الحكومة على الرغم من الجهود التي بذلت لإدماجها ضمن وزارة الدفاع الجديدة. بينما تشمل الدائرة الرابعة المجتمعات العربية السنية التي ترغب الهيئة بتحويلها إلى مصدر دعم موثوق للنظام الجديد.
في أواخر شهر شباط الماضي، نظمت الحكومة المؤقتة مؤتمراً للحوار الوطني، دعت إليه عدداً كبيراً من الشخصيات البارزة والشخصيات المعارضة، في محاولة منها لتوسيع القاعدة الشعبية لنظام الحكم الجديد. وقد منح هذا المؤتمر غطاء من الشرعية لحكومة الشرع المؤقتة، كما عمل على إدماج عناصر فاعلة هامشية كانت ستظل غريبة عن المشهد لولا دعوتها إلى ذلك المؤتمر، بل كان بوسعها أن تتحول إلى عناصر تخريبية. غير أن هذا النهج قدم أقصى ما لديه، كما أن اعتماد الشرع على شبكة مغلقة من المستشارين الثقات أسفر عن مغالاة في مركزية اتخاذ القرارات، وهذا ما أثار شكوكاً حول مدى التشاركية، وعرّض الحكومة لخطر غياب الكفاءة المؤسسية، كما غذت هيمنة الهيئة وحلفائها الإسلاميين على الحكومة الحالية مخاوف عدد كبير من السوريين حيال فكرة 'أدلبة' الدولة، والمقصود بذلك نقل بيئة سنية ثورية مناهضة للأسد تتسم بروح محافظة بنسبة أكبر من غيرها وزرعها ضمن فسيفساء النسيج الاجتماعي بدمشق.
وفي الوقت ذاته، انسحبت جماعات ذات ارتباط أضعف بهيئة تحرير الشام من المشهد، وهي جماعات تتمتع بنفوذ عسكري وسياسي، وهدفها من وراء انسحابها هو إقامة مناطق تابعة لها تخضع لحكم ذاتي، وهذا ما فعلته فصائل درزية في الجنوب، وجماعة جيش الإسلام السلفية السنية والتي تحاول أن تقيم لنفسها جهازاً مدنياً وعسكرياً في ضواحي العاصمة، ولذلك تقف تلك المناطق التي تتمتع باستقلال ذاتي ضد كل ما تتقدم به الحكومة الجديدة، وقد أتى هذا الابتعاد عن الدولة بشكل أوضح بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية ذات القيادة الكردية في شمال شرقي سوريا، وذلك لأن قسد التي تحكم مناطق إدارة ذاتية شاسعة على الحدود مع تركيا والعراق، وافقت شكلياً على الاندماج ضمن وزارة الدفاع السورية، من دون أن توضح تفاصيل تلك العملية، إلى جانب مطالبتها بشكل مستمر بدستور يكفل حرية الأقليات، وتحتفظ من خلاله بشيء من استقلاليتها على الصعيد العسكري.
المتحدث باسم 'رجال الكرامة': حديثي مجتزأ والحماية من إسرائيل طعن بالإرث الوطني
لكن المحصلة لم تكن دولة قائمة على حزب واحد، بما أن هيئة تحرير الشام تفتقر إلى القوة التي تمكنها من إقامة دولة على تلك الشاكلة، بل إن ما ظهر هو دولة استبدادية هجينة ومعقدة، وفي ظل هذه المنظومة، تستأثر هيئة تحرير الشام بمعظم المناصب السيادية، وتحيل المناصب الأقل رتبة لغيرها، أي أن الشرع وحلفاؤه يسيطرون على أهم الوزارات، وعلى رأسها الخارجية والدفاع والداخلية ومجلس الأمن القومي الذي شكل حديثاً، في حين أن الوزراء الذين لا ينتمون للهيئة لا يلعبون في الحكومة إلا أدواراً ثانوية، والوقت كفيل بأن يكشف ما إذا كان هؤلاء الشركاء سيتعبون من هذه الترتيبة، ما يدفعهم إلى أن يقرروا الكف عن مسايرتها.
لا مجال لإضاعة الوقت
للأسف، تحتاج سوريا إلى حكومة مستقرة صاحبة كفاءة على جناح السرعة، كونها تواجه أخطاراً مباشرة كثيرة، فالوضع الاقتصادي الذي يعاني منه ملايين السوريين أصبح كارثياً، والبلد أضحى على حافة الانهيار، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن الاقتصاد بالمسار الذي يسير عليه الآن لن يعود إلى مستويات الناتج القومي الإجمالي التي كان عليها قبل الحرب والتي بقيت على حالها لستة عقود تقريباً، ومن دون مساعدات اقتصادية تصل إلى البلد على المدى القصير، وخاصة عبر تخفيف العقوبات التي فرضتها قوى خارجية على نظام الأسد، من المرجح للوضع أن يسوء بشكل كبير، وهذا ما سيصعب على الحكومة الجديدة بناء منظومة بيروقراطية لتسيير أمور البلد، وجهاز أمني تابع للدولة. يذكر أن الاتحاد الأوروبي علق عدداً من العقوبات التي تتصل بقطاعات الطاقة والنقل والمصارف، ومدد الإعفاءات الإنسانية إلى أجل غير مسمى، غير أن سوريا ما تزال تتحمل عبئاً ينوء عن كاهلها بسبب العقوبات الأميركية، لأن مركزية المؤسسات المالية الأميركية في الأسواق العالمية، على الرغم من المحاولات الجارية لإدارة ترامب لإعادة توجيه الاقتصاد العالمي تعني بأنه من غير المرجح لكبرى الدول وللعناصر الفاعلة الخاصة أن تقيم استثمارات كبيرة في سوريا خلال وقت قريب من دون أي تغيير يطرأ على الموقف الأميركي تجاهها.
وهنا يجب على الشرع أيضاً أن يتعامل مع تداعيات عمليات القتل الطائفية التي وقعت في القرى العلوية على الساحل السوري خلال شهر آذار الماضي، لأن الأسد ينتمي للطائفة العلوية ومنها استمد دعماً كبيراً، إذ بعد معارك وقعت مع متمردين يتبعون لنظام الأسد البائد، تعرضت مناطق العلويين لهجوم شنته جماعات مسلحة تتبع بشكل رسمي لوزارة الدفاع في حكومة الشرع لكنها تتصرف بصورة مستقلة من دون أن تلتزم بأوامر حكومته، وشاركها في ذلك بعض المقاتلين الأجانب والميليشيات المحلية. وهذا العنف أسفر عن مقتل ما يربو عن ألف شخص، بينهم مدنيون، وقوات أمن، ومتمردون. كما وثقت منظمات حقوقية عمليات إعدام عشوائية طالت مدنيين علويين ونفذها مقاتلون تابعون للحكومة، إذ ثمة موجة مقلقة من الطائفية تمور بين المجتمعات السنية في وسط سوريا وفي المنطقة الساحلية، فقد زادت مطالبات الأخذ بالثأر من العلويين هناك، وهذه الفتنة قد تلقي تبعات كبيرة على عاتق الشرع، في وقت قد ترفض القوى الخارجية أن تهب لنجدة الحكومة الجديدة في حال شكت بقدرتها على منع قيام عنف على أساس طائفي. بما أن الحكومة أقصت العلويين حتى الآن وبشكل كبير من الأطر السياسية والأمنية، وهذا الإقصاء العام قد يغذي حالة التمرد بين مسؤولي الأمن الذين كانوا يعملون لدى النظام البائد، وبين العلويين إجمالاً، كما يمكن لذلك أن يزعزع مساعي الحكومة الجديدة في نشر الاستقرار بالبلد.
في تشريح «المسألة العلوية» الراهنة
عمد الشرع إلى تعيين لجنة للتحقيق بأمر عمليات القتل ولمحاسبة المتورطين فيها، ولذلك أخذت بقية الدول، وعلى رأسها الدول الخليجية والغربية، تراقب الوضع من كثب، لأن وجود عملية واضحة وشفافة تتعاطى مع عمليات القتل وتطمئن العلويين يمكن أن تتحول إلى مؤشر إيجابي في الخارج وذلك بالنسبة لنوايا الحكومة الجديدة وقدرتها على إعادة بناء سوريا الموحدة، بيد أن عدم إبداء أي تحرك تجاه هذا الملف، مع احتمال تكرار الأحداث التي وقعت في الساحل خلال شهر آذار، يمكن أن تشعل من جديد دوامة العنف كما بوسعها أن تقوض الثقة بالشرع، ناهيك عن أن ذلك يمكن أن يضعف رغبة القوى الخارجية واستعدادها لتخفيف وطاة العقوبات على سوريا، وبذلك لابد للأزمة أن تزداد حدة، في ظل الفتنة الاجتماعية والعنف الذي قد يندلع في سوريا، أي أنه وبصرف النظر عن تسيطر فجر جديد في تاريخ سوريا، قد يفتح الشرع صفحة كالحة السواد مجهولة الأبعاد والعواقب في تاريخ البلد.
المصدر: The Foreign Affairs