اخبار سوريا
موقع كل يوم -الفرات
نشر بتاريخ: ٥ أب ٢٠٢٥
استعادة عقل المثقف أولاً؟ .. أم استعادة عقلانية المنبر الثقافي؟
هل من الممكن إعادة تدوير مثقفي السلطة؟
لستة عقود ماضية، منذ تمكن 'حزب البعث' من مقاليد السلطة، خضعت دير الزور، مثلها مثل باقي المحافظات السورية، إلى قصف العقل وشيطنته في كل مناحي الحياة، ومنها الثقافة ومنابرها التي حرص المنقلبون الأقلية، 'البعثيون لم يكونوا يشكلون سوى عدة أفراد في كل محافظة، ووصلوا إلى السلطة بسحر ساحر' حرصوا على شيطنة المشهد الثقافي في دير الزور وسائر البلاد، ليس عن طريق استبعاد الكواكبي ورجال تنوير فقط، واستبدالهم بـ 'لاعقل نفعي وخانع وانتهازي' بل بسحب الأثر الذي تركوه ثقافياً ومجتمعياً عبر متابعة أفكارهم والعمل بنقيضها، حيث يقول الكواكبي في 'طبائع الاستبداد' إن الفكر النظري يقض مضجع المستبد أكثر من العلمي، وهو عدوه اللدود.
محو عقل المثقف خلال ستة عقود، وبتدرج ممنهج، تم عبر الاستيلاء على المنابر الثقافية على خصوصية كل محافظة، ومكافأة الخانع والمنافق والوصولي والفاسد والجاهل وإدنائه، ومحاربة المبدع والثائر والصادق وإقصائه، ولم يكن هذا سوى بلة الطين الأولى، فقد عمل البعثيون على قصف العقل ومحاربة نشوء المثقف الحقيقي منذ الطفولة عبر منظماتهم المتعاقبة على العقل من الطلائع إلى الشبيبة إلى اتحاد الطلبة، وصولاً إلى السيطرة على المنيرين الثقافي والديني، من أجل عدم إعطاء العقل فرصة للانفلات من قيود الشيطنة.
اليوم وبعد انتصار الثورة على ستين عاماً من القمع ومحاربة الوعي، واستلام البلاد خراباً على كل الصعد، نتساءل: لمن الأولوية ثقافياً؟ للمثقف الذي علينا استعادته إلى العقل والوعي، أم المنبر الذي سيقوم أوتوماتيكياً بفرز المثقف العقلاني بعد استعادته، أي المنبر؟ عن هذا السؤال يجيب عدد من مثقفي دير الزور الذين ساهموا بشكل دائم في تحرر المنبر الثقافي في دير الزور سنوات ما قبل الثورة، ونالوا نصيبهم خلال من الاعتقال والتهجير، وصنعوا منابر ثقافية في مغترباتهم ليعودوا بها قابل الأيام ويساهموا في استعادة المشهد الثقافي المخرب.
……………………………….
ثورة ثقافية موازية.. واستعادة المثقف والمنبر معاً
تقول الأديبة والشاعرة سميرة بدران، صاحبة المنبر الإعلامي في تركيا خلال السنوات الماضية، وأمينة سر فرع اتحاد الكتاب العرب بدير الزور بعد التحرير:
'في لحظة ما بعد التحرير، حين تنهض الأمم من تحت ركام القهر لتعيد تشييد الذات والهوية، يطرح سؤال محوري في المشهد الثقافي السوري، هل يجب أن نبدأ باستعادة المنابر التي استبيحت لعقود، فغدت أبواقاً للسلطة وأتباعها من مصاصي الدماء؟ أم أن الأولوية لاستعادة المثقف الثوري الذي أقصي، شُوّه، أو صلب أخلاقياً على أعمدة التواطؤ والصمت؟
السؤال في ظاهره مفاضلة، لكنه في جوهره تكامل، فالمنبر بلا مثقف ثوري هو صدى أجوف، قد تزينه الشعارات لكنه يظل فارغ المعنى، والمثقف الثوري بلا منبر نظيف حر، يظل صوتاً يؤنس وحدته هو، أو يقاوم صدى خافتاً في العتمة.
لقد ورثنا مشهداً ثقافياً منهكاً، نُهبت فيه المعاني، وزُيّفت فيه القيم، وتحول فيه عدد من الشعراء والكتاب إلى أدوات ناعمة في ماكينة القمع، كانت المنابر من صحف ومجلات ومراكز أبحاث واتحادات رسمية، مرتعاً لثقافة تبريرية، تنظر للطغيان وتلمع أدواته، لكن الخطر الحقيقي لم يكن في المنبر بحد ذاته، بل في أولئك الذين صعدوه، وأقنعونا لعقود بأن 'المثقف' يجب ألا يكون مشاكساً، أو منحازاً إلى الناس، بل تابعاً للحاكم، أو على الأقل صامتاً حيادياً في زمن القتل.
في سوريا الجديدة لابد من ثورة ثقافية موازية، تبدأ أولاً بإعادة الاختيار للمثقف الذي انحاز للناس منذ اللحظة الأولى، ودفع ثمن احيازه حرماناً لصوته من أن يكون له صدى، وغيب قتلاً أو اعتقالاً أو نفياً، هذا المثقف ليس بالضرورة من كتب شعارات راديكالية أو حمل البندقية، بل هو كل من حافظ على ضميره في لجظه الكذب العام، ومن قاوم بكتاب أو قصيدة أو موقف.
لكن حتى هذا المثقف، إن لم يجد منبراً حراً ونزيهاً، سيبقى مهمشاً، أو ضحية لتهميش ثوري من نوع آخر، لهذا فإن استعادة المنبر والمثقف يجب أن تتم معاً، نطهر المنبر من مخلفات القمع، ونعيد للمثقف مكانته، لا كزينة للثورة، بل روحها الناقدة التي تبني ولا تكل ولا تمل، فالثورة ليست فقط ببندقية تطلق، بل أيضاً كلمة تصوب، وتعيد للمعنى كرامته'.
…………………………….
منابر مسمومة… ومثقفون مهزومون.. والحل ولادة توأمية
يتفق المسرحي ورائد المسرح الجديد في دير الزور يزن المحمد، وصاحب تجربة مسرح الغرفة في النمسا مع الطرح السابق، ويقول: ' المنابر مكدسة بالغبار، وسقوط النظام ترك الساحة خراباً، منابر مسمومة بخطاب الكراهية، ومثقفون مهزومون يحملون جروح التواطؤ أو الصمت، فهل ننظف المسرح أولاً أم تعالج الممثلين؟
لو بدأنا بالمنبر، نزيل شعارات الدعاية من فوقه، نكسر أقفال الرقابة، نتفتح نوافذه لتهب رياح الحرية، لكن ماذا لو صعدت إليه نفس الأصوات القديمة بلباس جديد؟ ستتحول الديمقراطية إلى مسرحية يقدمها ممثلون قدامى، يغيرون النص لكنهم يحتفظون بدور البطولة.
لو بدأنا بالمثقف، نطلب منه أن يعترف، أن يتطهر، أن يعيد بناء ضميره حجراً حجراً، لكن أين سيفعل ذلك، إذا كانت المنابر حبيسة لأشباح الماضي؟ المثقف الجديد بلا منبر جر كطائر يغرد في قفص من ذهب، صوته عذب لكنه لا يصل إلى السماء.
الحل في الولادة التوأمية، لا انفصال بين الجرحين، الطريقة السليمة هي بتطهير المنابر بالشفافية، وإسقاط امتيازات الموالين السابقين، المنبر الحر لا يُمنح، بل يُ ينتزع انتزاعاً كالنار من الحجر'.
………………………………….
محاكمة داخلية قبل إعادة التدوير….
يقول المسرحي يزن المحمد عن مسألة إعادة تدوير مثقفي العصر القاتم: ' كانوا يكتبون بمداد الخوف أو الطموح أو الخداع، رقصت أقلامهم على إيقاع السلطة، وارتدوا الأقنعة كي تُكسر عظام غيرهم ولا تُكسر عظامهم، ثم تسقط الأوثان ويطرح السؤال كسكين على الرقبة: هل يمكن إعادة تدوير هؤلاء في ورشة الديمقراطية؟
ليست المسألة كإصلاح آلة صدئة، فالمثقف الذي رهن روحه للطاغوت يحمل وشمين لا يمحيان، وشم الخطيئة حين بارك القمع بصوته أو صمته، ووشم الانكسار حين أدرك أنه أداة لا فاعلاً.
عملية التدوير تبدأ بمحاكمة داخلية، هل يستطيع أن يمزق ثوبه القديم بيديه؟ أن يقيم محرقة لأوراقه التي زينت الجلاد؟ أن يعترف ليس فقط بالخيانة، بل بالضعف الذي جعله يتبع بوصلة القتل والقمع؟ قد يجد بعضهم خلاصاً في التطهر بالكتابة، أو يلوذ آخرون بالصمت حاملين صليب العار ككفارة، لكن هناك من لا يصلحهم الزمن.
المسألة ليس في التدوير، بل في الولادة الثانية، أن يتحول المثقف من خادم السلطة إلى حارس الضعفاء، الديمقراطية يمكنها أن تستوعب التائبين، لكنها لا تمنح الولادة إلا لمن غسل ضميره بدموع الحقيقة'.
……………………………
ختاماً.. تأكيد على أن العملية متزامنة.. وإعادة تدوير مثقفي السلطة عملية فاشلة..
يرد الإعلامي أحمد يساوي، صاحب منبر إعلامي في ألمانيا، وإعلامي عمل في العديد من وسائل إعلام الثورة على السؤالين قائلاً: ' العملية متزامنة، قد تكون استعادة المنبر أسرع تحولاً وديناميكية، لذلك يكمن التركيز عليها أولاً، أما استعادة المثقف الحقيقي فهي عملية تراكمية تحتاج إلى ترتيبات أكثر تعقيداً وعمقاً وزمناً، لكنها هي الأهم على المدى البعيد والمستوى الاستراتيجي'.
'بالنسبة لإعادة تدوير مثقفي السلطة، ستكون عملية فاشلة، قبل أن تبدأ، فتلك الفئة من المثقفين وصلت إلى مرحلة من التصلب السلبي لدرجة أنها حتى لو امتلكت الرغبة في التغيير، فهي غير قادرة على الانسلاخ من بيئتها التي نشأت وعاشت فيها'.
تحقيق عقبة الخلوف الحسن