اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٩ تموز ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
من أنواع الطهارات التي تصلح بها الدنيا والآخرة طهارة الأعمال، فالإنسانُ مطالبٌ بتطهير عباداته من أدران الشرك الأصغر الذي هو الرياء حتى لا تذهب هدراً، كما أنّه مطالَبٌ بتطهير معاملته للخلقِ، فلا يشوبُها بالكذب والغشِّ والغدر..
للطهارة مفهومٌ واسعٌ يشملُ طهارة الباطن والظَّاهر المحسوس، وطهارة الأعمال من الشوائب، ولكلٍّ منها أهميّةٌ بالغةٌ في صلاحِ المعاد واستقامة أحوال المعاشِ، أما الطهارة الباطنة فهي تطهير القلب من الأدران التي تصيب القلوب، فمنها ما يمسُّ حقَّ الخالق كالشركِ بالله تعالى، وما يمسُّ حقوق العبادِ كالحقد والحسد، وأما الطهارة الظاهرة المحسوسة فهي طهارة البدن والملابس والمساكن مما يُستقذر، وأما طهارة الأعمال فسلامتها مما يشين صاحبه شرعاً وعرفاً؛ ولأهمية الطهارة بنوعيْها كان الأمر بها من أوائل ما نزل على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ففي بواكير الوحيِ قوله تعالى: 'يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ'، كما ورد في حديث جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما، وهو متفقٌ عليه، وقد فسَّر العلماء تطهير الثياب في هذه الآية بتفسيرات، منها ما هو الأظهر، وهو تطهير الملابس وتنظيفها، ومن تفسيراتهم لها أن المراد بها تطهير القلب؛ لأن العرب تسمّي القلب ثياباً، ومنها أن المراد تطهير العمل من المعاصي، فالآيةُ دالّةٌ على أهمية الطهارة، وأنّها من الأولويّات في حياة المسلم، ولي مع أنواع الطهارات وقفاتٌ:
الأولى: القلب ملك الجوارح، وصلاحُه صلاحها، وفسادُه فسادها، كما يدلُّ عليه حديثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله تعالى عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ)، متَّفَقٌ عليه، فأولى الأولويَّاتِ تطهيره، وفي مقدمة الأدران التي يجب أن يُطهر منها: الشركُ بالله تعالى ثم إنَّ الواجب استدامة هذه الطهارة وصيانتها عن نواقضها دائماً، ولا يسوغُ للإنسان أن يتّكِل على تحصيل الطهارة من الشرك في نشأتِه، فقد حكى الله تعالى عن الراسخين في العلم أنهم يقولون: (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا)، ثمَّ على المسلم أن يطهر قلبه من الاعتقادات المنحرفة والأهواء المضلّة، والأفكار الهدّامة، وأن لا يحمل في نفسِه غِلّاً وحقداً لوليِّ أمره ومجتمعه ولسائر الأمة، فالحقد على السلطان وعلى المجتمع من الأدران القلبية التي إذا لم يتطهر منها الإنسان أدّت به إلى بدعٍ كثيرةٍ، وبغيٍ وفسادٍ في الأرض، ومن الأدران القلبية الخطيرة الحسدُ؛ فهو آفةٌ كبيرةٌ تترتب عليه مفاسدُ دينيةٌ ودنيويّةٌ، والحسدُ خصلةٌ سيئةٌ منهيٌّ عنها، والحسودُ لم يستطع أن يطهِّر قلبه عن البغضاء وكراهية إنعامِ الله على غيرِه، فأولُ مخالفاته القلبية عدم التسليم لقضاء الله تعالى بما منحه للمحسودُ، وصدق من قال:
أَلَا قُلْ لِمَنْ ظَلَّ لِي حَاسِدًا
أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْتَ الْأَدَبَ
أَسَأْتَ عَلَى اللَّه فِي فِعْلِهِ
لأَنَّك لم ترضَ لِي مَا وَهَبَ
الثانية: الطهارة الحسّية الشاملة لطهارة البدن والثياب والسكن، ولا تخفى أهميّتُها في حياة المسلم؛ لأن آكد العباداتِ البدنية الصلاة، ويشترط لها الطهارة من الحدث والخبث وطهارة البقعة التي يصلّي فيها، وهذه الأنواع من الطهارة مما التزمه أهل المروءات تمسّكاً منهم بمحاسن العادات، وجرياً على ما تُمليه مكارمُ القيَم، وقد أكّدها الإسلامُ ونظّمها وأوجب بعض أنواعها كأنواع الطهارات الواجبة للصلاةِ، وأكّد استحبابَ أنواعٍ مكملةٍ لها كالسِّواك، وقد روت عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّه قال: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ»، أخرجه البخاريُّ تعليقاً بصيغة الجزمِ، ثمَّ إنَّ ما زاد على الواجب من الطهارة مستحبٌ مسنونٌ، فإذا أخلَّ به الإنسانُ فعليه بالبعد عن الآخرين، فلا يسوغ له أن يؤذي الناس بالروائح الكريهة، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلَا يُؤْذِيَنَّا بِرِيحِ الثُّومِ»، أخرجه مسلمٌ، فإذا كان صاحب الرائحة الكريهة منهيّاً عن إتيانِ المسجد حتى لا يؤذيَ الآخرين، فما بالكم بما سوى المسجد من أماكن عامةٍ أو خاصّةٍ، ومن أغرب التصرفات أن يخالف الإنسان هذا التوجيه النبويَّ الراقيَ، ويتمادى في ذلك إلى حدِّ السلامِ على غيره بالمعانقة والخشم ونحو ذلك غيرَ مبالٍ بما تسببَ به لأخيه من الأذى البليغ.
الثالثة: من أنواع الطهارات التي تصلح بها الدنيا والآخرة طهارة الأعمال، فالإنسانُ مطالبٌ بتطهير عباداته من أدران الشرك الأصغر الذي هو الرياء حتى لا تذهب هدراً، كما أنّه مطالَبٌ بتطهير معاملته للخلقِ، فلا يشوبُها بالكذب والغشِّ والغدر، فإن المعاملة الملتوية دنسٌ شرعاً وعرفا، أما الشرع فقد تحرّى نقاءَ التعامل في العقود والمعاملاتِ والآداب الاجتماعية، وأكَّد تحريم الغشِّ والظلم فيها سواءٌ الحقوقُ العامّة والخاصة، وقد اجتمعا في حديثِ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»، أخرجه مسلمٌ، فحمل السلاحِ على الأمة غدرٌ عامٌّ، والغشُّ المذكور بعده يشمل العامّ والخاصَّ كالحاصل بين متعامليْنِ، وأمّا كون الغشِّ دنساً عرفاً، فلما ذكره العلماءُ من أنَّ العرب تصف الرجل بأنّه دَنِسُ الثياب إذا نكَث ولم يفِ بعهده، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب.










































