اخبار فلسطين
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
*إهداء لسعادة السفيرة Irene Riga بمناسبة انتهاء عملها بالأردن
لسكان حوض البحر المتوسط ومنها بلاد اليونان بجزرها في بحر إيجه، وحضارات المشرق ممثلة بحضارات بلاد الشام، وبلاد الرافدين ووادي النيل منذ أقدم العصور وحتى الحاضر علاقات دائمة وغير منقطعة. وقد ربط هذه المناطق مجتمعة حوض البحر المتوسط، والاتصالات التجارية، فكان تبادل ثقافات على مدى العصور.
ومن المعلوم أن جيوش الاسكندر المكدوني احتلت بلاد الشام ومصر في حوالي 332/333 قبل الميلاد، تبعهم الرومان في عام 63 قبل الميلاد بنوا خلال هذه المدة الطويلة التي تبلغ حوالي ألف عام المدن التي تتميز بمبانيها الضخمة، مثل، المعابد، والمسارح، والطرق، ووثائق مكتوبة باللغتين اللاتينية واليونانية.
لكن وجود هذه المظاهر الحضارية القادمة من شمالي البحر المتوسط لم تلغ على الإطلاق مظاهر الحضارات المشرقية فامتزجت بها، وكنا حضارة أطلق عليها المؤرخون اسم 'الهلنستية'. لقد خرج اليونان والرومان جسدياً عام 636م على يد الجيش الإسلامي، لكنهم تركوا ورائهم إرثاً حضارياً لا زال يزال قيد النظر.
أكتب هذه الخاطرة إهداء لسعادة السفيرة اليونانية في الأردن، ليس كوني ربما أنتسب لعائلة شاعر وأديب الإسكندرية 'قسطنطين كفافس (1863 - 1933م)، بل لأنني قابلتها لأول مرة في مجلس سيدي سمو الأمير الحسن بن طلال، حفظه الله ، وذلك عندما كنا نحضر لعقد المؤتمر السادس عشر الدولي لتاريخ وأثار الأردن الذي عقد في نهاية شهر أيلول من عام 2025م في أثينا، وقد قدمت السفارة كل التسهيلات للمشاركين الذين زاد عددهم من الأردن عن المانتي شخص.
كما سعدنا بلقائها الأمس السبت 2026/10/10م، حيث دعينا للعشاء على شرفها في بيت الزميل الأستاذ الدكتور نايف حداد ودار بنا الحديث حول موضوعات عدة، خاصة حول آثار الأردن وعلاقاتها مع الآثار اليونانية الرومانية، وأعلمتني أنها ستغادر الأردن الشهر القادم لانتهاء عملها في الأردن فقررت أن أكتب هذه الخاطرة التي تثبت وجود علاقات ربطت بين الأردن واليونان قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، إهداء لها.
وتبدأ الحكاية بأن المنطقة الواقعة جنوبي مدينة حلب الحالية بشمالي سوريا وقعت خلال الفترة بين حوالي 1550 - 1200 قبل الميلاد تحت حكم الدولة المصرية الحديثة.
لكن على الرغم من هذا فقد ربطت بلاد الشام شبكات تجارية مع جميع المناطق القريبة والبعيدة ومن ضمنها بلاد اليونان، وقبرص، وقد عثر في عدد من المواقع الأردنية، مثل تل ،إريد وعمان، وطبقة فحل، ودير علا وغيرها أواني فخارية مستوردة من قبرص، ومايسينيا (اليونان). والاسم 'مايسينيا Mycenae) نسبة لاسم مكان يقع في جزر البلبونيز الشرقية، وأعطت اسمها لمرحلة تاريخية تمثل أواخر العصر البرونزي المتأخر (القرن الثالث عشر قبل الميلاد على الأغلب).
واشتهر الاسم مايسينيا بعد وروده في ملحمة 'هومر ' من خلال اسم ملكها أغامنون (Agamemnon).
عندما قابلت السيدة 'إيرينا ريغا' وجدتها تشبها واحداً من أعمدة التماثيل النسائية (Caryatids) في معبد الإريخثيون (Erechtheion) الذي يعود للقرن الخامس قبل الميلاد، والتي تحمل العتبة والسقف فوقها. هي تحمل شكلاً ولغة وعادات يونانية ورأيتها وهي تنظر إلى ما وضع على مائدة الطعام وكأنه مصبوغ بصبغة يونانية أردنية.
اخترت موقعاً أردنياً ربطته علاقة وثيقة مع بلاد اليونان في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، فكان طبقة فحل، واسمه باليونانية (Pella)، وهذا أكبر دليل على التواصل الذي كان قائماً بين الأردن ومايسينيا في ذلك الوقت.
ونعلم من خلال رسائل تل العمارنة أن طبقة فحل كانت خلال القرن الرابع عشر قبل البلاد وحدة سياسية اسم حاكمها 'موت بعلو'.
وكان لهذه المدينة تواصل مع بلاد النيل وبلاد اليونان بشكل خاص، حيث تم العثور على عدد من البضائع المستوردة من هذين البلدين.
ولم تكن طبقة فحل التي تاجرت مع مايسينيا، فقد عثر على أواني فخارية مستوردة من مايسينيا في مواقع أخرى في غور الأردن، مثل تل السعيدية، ودير علا وكتارة السمرا.
وأكثر ما أعجبني من بين هذه البضائع كلها، مزهرية أو جرة صغيرة مستوردة من مايسينيا، أضع فيها ضمة ورد وأقول لسعادة السفيرة إيرينا ريغا على جميل عطائك وتعاونك في سبيل إنجاح العلاقات الأردنية اليونانية.
أستاذ شرف – جامعة اليرموك

























































