اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٩ تشرين الثاني ٢٠٢٥
حين دوى الرصاص في احد ازقة جنين، لم يكن المشهد مجرد مواجهة عابرة، بل كشف سلوك جيش معتدي يرى في القوة حقا، وفي الضعف دعوة للقتل، وقف شابان اعزلان امام الجنود، ولم يستغرق الامر سوى لحظات لتتحول الاجساد الى اهداف، والرصاص الى قرار، والحي الى مسرح جريمة تتقاطع فيه عقلية القمع مع غياب الردع، انتشرت المقاطع سريعا، وبات السؤال؛ لماذا صار الاعدام الميداني اسهل، والمشاهد تتكرر دون تردد؟
ما يجعل المشهد اكثر وقعا هو ان الجريمة تقع في سياق فلسطيني عاجز، تبدو فيه السلطة كأنها مراقب خارجي، لا فاعل داخلي، فرغم كل ما قامت به من سحب للذرائع، تغيب عن الحدث؛ لا حماية، ولا موقف يتجاوز الادانة اللفظية، صمت لا يعكس فقط ضعف الادوات، بل يكرس شعورا عاما بانها باتت عالقة في معادلة غير متوازنة، لا تستطيع كسرها، ولا تريد الاعتراف بها، وبتراكم الجرائم، يتحول غيابها الى جزء من المشهد، او كطرف محايد في مشهد لا يملك فيه الفلسطيني الا جسده كدرع.
لفهم ما جرى لا يكفي وصف الحدث، بل وضعه في سياقه الاوسع، والذي تمتد جذوره الى تاريخ طويل من جرائم الاحتلال، بوصفه امتدادا لقوى استعمارية سبقته، ما راكم سجلا طويلا من عمليات القتل والاعدام، معتبرا ان 'ضبط' الفلسطيني لا يحتاج الى قانون، بل رصاصة تترك اثرا يكفي لفرض الخوف، منطق يتكرر اليوم في الضفة، حيث يتحرك الاحتلال باعتباره صاحب 'اليد العليا' التي لا تواجه اي تهديد فعلي، ولا ترى في القانون الدولي سوى ورقة تستخدمها عند الحاجة، وتخرقه متى شاءت.
سلوك جيش الاحتلال هذا يتغذى على تحولات داخلية، تتسابق وحداته لارتكاب الجرائم ارضاء لقادة متعطشين للدم الفلسطيني، ويتحول الجندي الى منفذ لايدولوجيا ترى ان الضفة، وغيرها، ساحات مفتوحة لاستباحتها بالقوة، عبر سياسات تعتبر القتل 'ابسط' من سواه، والاعدام الميداني اداة لرفع تكلفة المواجهة، ففي ظل غياب اي كلفة حقيقية، محلية او دولية، او معادلة ردع قادرة على فرض حدود لجرائمه، نرى الاحتلال يوسع دائرة القتل لتصبح خيارا وحيدا، لا قرارا استثنائيا.
مشهد جنين لم يترك اثره على السياسة وحدها، بل ضرب عمق الوعي الشعبي، فالفلسطيني يدرك ان الجريمة ليست استثناء، وان مستقبله في ظل هذا الاختلال مزيدا من الدم والاعدامات ما دام المجرم محصنا من المساءلة، ما يعيد تشكيل المزاج العام، مولدا قناعة بان عقلية الاحتلال ودمويته لا تغيرها مفاوضات، ولا يكبحها تعاون او تنسيق، بالغا ما بلغ مداه، بل بتغير موازين القوة، لان البقاء في موقع الضعيف ليس مجرد حالة عابرة، بل هو وصفة مضمونة لتكرار الجريمة.
دوليا، تبدو الصورة اكثر قتامة، فالدول التي تزود جيش الاحتلال بالسلاح والمعلومات تعرف تماما ما يحدث، لكنها تختار غض الطرف، وتكتفي بلغة ادانة باردة لا تغير شيئا، وهذا ما عشناه طوال عامين من العدوان والإبادة والتجويع في غزة، ونعيشه اليوم، ومع ان الصور المسربة من جنين ومن قبلها غزة ونابلس والخليل وطولكرم تكشف هذه الحقيقة بوضوح، الا ان الغطاء السياسي الدولي ما زال يوفر للاحتلال شعورا بأن الكلفة الحقيقية تساوي صفرا.
ورغم مشهد العجز هذا، فهناك ما يمكن فعله، ففضلا عن التوثيق الميداني القادر على تحويل كل جريمة الى ملف قانوني محكم، يراكم الادلة ويضع الاحتلال تحت ضغط دائم، حتى لو تأخرت العدالة، الا ان العمل على رفع كلفة الجرائم بات واجبا، عبر بناء قدرات فلسطينية تحول دون مواصلة الاحتلال لجرائمه دون ثمن، لكن نجاحها مرهون بإرادة فلسطينية قادرة على كسر حلقة العجز، تتطلب تغييرا في بنية الموقف الفلسطيني، يتجاوز انتظار طفرة في سلوك الاحتلال، وصياغة تحالفات حقوقية واعلامية تضيّق فضاء الغطاء السياسي الذي يحظى به جيش الاحتلال.
لكن ما يجب ان يقال بوضوح هو ان اي تصور لمستقبل افضل سيظل وهما ما دام ميزان القوى مختلا بهذا الشكل، فالاحتلال لا يراجع نفسه اخلاقيا، ولا يتوقف عن القتل لأنه اكتشف – فجأة - قيمة حياة الفلسطيني، ولن يغير سلوكه طالما كان الطرف الفلسطيني ضعيفا مفككا ومستسلما لمصيره، او مراهنا على معجزة لن تحدث، فالتغيير يحدث فقط حين يصبح استمرار الجريمة مكلفا، وحين يفقد القاتل شعوره بالحصانة المطلقة التي تمنحه اياها هذه الفجوة الواسعة بين القوة والعجز، وما لم يتغير ذلك، ستظل جنين وغيرها مسرحا مفتوحا لجريمة جديدة، تنتظر مصادفة وجود كاميرا اخرى توثقها.

























































