اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٣٠ أب ٢٠٢٥
على سرير متواضع داخل مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح، يستلقي الطفل عبد الرحمن مصباح الداية، ابن الثماني سنوات، موصولًا بعدد من أنابيب التنفس والغذاء، غارقًا في غيبوبة لم يستفق منها منذ فجر يوم الثلاثاء الماضي.
وجهه الصغير بالكاد يظهر من خلف الأجهزة، وقد غادرته ملامح الطفولة منذ أن استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي الخيمة التي كان يأوي إليها مع عائلته في مخيم النصيرات، وسط قطاع غزة، فجر الثلاثاء الماضي.
عبد الرحمن أصيب بإصابات بالغة في الرأس إثر الغارة الجوية، حيث تعرّض لكسور في الجمجمة ونزيف داخلي حاد، ولا يزال على أجهزة التنفس الصناعي في وضع حرج، بانتظار تحويله للعلاج في الخارج، في ظل انهيار المنظومة الصحية في قطاع غزة بعد شهور من الحرب المستمرة، والتي دمّرت معظم المستشفيات ومراكز العلاج.
عائلة عبد الرحمن، التي نزحت من حيّ الصبّرة في مدينة غزة قبل أيام من القصف، كانت تبحث عن ملاذ آمن في منطقة النصيرات بعد أن طال القصف منازلهم هناك.
الوالد، مصباح الدايه، وهو مريض بالسرطان والسكري، قرر الرحيل مع زوجته وأطفاله الخمسة إلى النصيرات، على أمل أن تقيهم الخيام هناك شر القذائف.
الرحلة الأخيرة
وتروي ابنة شقيقه، أسماء السموني، تفاصيل الرحلة الأخيرة التي قادها خالها قائلة: 'خالِي مصباح هرب بعائلته من حيّ الصبّرة بعد أن صارت المنطقة هدفًا مباشرًا للقصف. خرجوا بلا شيء تقريبًا، ونصبوا خيمة مؤقتة في النصيرات، وكانوا ينتظرون توقف القصف أو هدنة مؤقتة على الأقل'.
لكن فجر الثلاثاء لم يحمل لهم أي هدنة؛ ففي تمام الساعة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل، وبينما الجميع يحاول أن يغفو وسط القلق والبرد والخوف، سقط صاروخ إسرائيلي على الخيمة التي كانت تضم مصباح وزوجته وابنه عبد الرحمن.
استُشهد الوالدان على الفور، بينما أصيب عبد الرحمن بجراح خطيرة، وأصيب إخوته الآخرون – محمد وبراء وزينب ونجلاء – بجروح طفيفة، إذ كانوا في خيمة مجاورة.
وقبل القصف بساعات، بحسب أسماء، أخبرت الزوجة منى زوجها مصباح بأنها تشعر بالخوف من الطائرات التي لا تفارق سماء المنطقة، وطلبت منه أن يبحث عن مكان أكثر أمانًا، فوعدها بأنه سيفعل ذلك صباحًا. لكن الصاروخ الإسرائيلي لم يمنحهم تلك الفرصة.
مصباح، الذي لم يشفَ بعد من آثار علاجه الكيميائي في مصر قبل الحرب، فقد أيضًا ابنه الأكبر سليم، البالغ من العمر 20 عامًا، والذي ارتقى شهيدًا في الثالث من يناير 2025 خلال غارة استهدفت شارع صلاح الدين.
حرب إبادة
وتقول أسماء بحزن بالغ: 'خالِي كان أحنّ إنسان، رغم مرضه وتعبه، كان يحاول حماية أولاده وإعطائهم الأمل. فقد أسنانه بسبب السرطان، وكان يعاني نقص العلاج والدواء. رحل هو وزوجته وتركوا عبد الرحمن بين الحياة والموت'.
القصة لا تقتصر على عبد الرحمن أو عائلته فقط، بل هي صورة مصغّرة من مآسي كبرى تعصف بغزة منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث ترتكب (إسرائيل)، بدعم أمريكي، حرب إبادة ممنهجة. أرقام الضحايا تتحدث عن نفسها: أكثر من 62,000 شهيد، وأكثر من 157,000 جريح، بينهم آلاف الأطفال، وآلاف المفقودين تحت الركام؛ مجازر، نزوح جماعي، ومجاعة تفتك بالمدنيين.
وفي الوقت الذي تُرفع فيه رايات 'الممرات الآمنة'، تستهدف طائرات الاحتلال النازحين والخيام، لا فرق بين شمال القطاع وجنوبه، ولا حرمة لمخيمات أو مدارس، أو حتى خيم بُنيت على عجل من قماش متهالك.
قصة عبد الرحمن هي صوت لكل طفل مهدد، ولكل عائلة شُتّت شملها، ولكل أب وأم لم يتمكنا من حماية صغارهما رغم كل ما بذلاه. إنها شهادة على مأساة مستمرة، في وقت ما زال فيه العالم يلتزم صمتًا ثقيلًا، بينما أطفال غزة يواجهون الموت وحدهم.