اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ١٣ أيلول ٢٠٢٥
تشهد غزة اليوم حربا تتجاوز الميدان العسكري، لتخاض أيضا على خريطة صممت قبل عقود، رسمت حدودا جديدة، ومزقت أوطانا، وحددت مصير شعوب دون إرادتهم. فمن آسيا إلى الشرق الأوسط، ما زالت آثار التقسيمات الاستعمارية تشعل صراعات مزمنة، حيث يعاد إنتاج التاريخ عبر نزاعات تتغذى على هوية ممزقة وخرائط مفخخة.
الدكتورة حنان عبد الرحيم، أستاذة تاريخ آسيا الحديث والمعاصر في جامعة سامراء بالعراق، ترى أن القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع سياسي طويل الأمد، بل تمثل 'قلب مشروع تقسيم المنطقة'، فقرار عام 1948، كما تقول، لم يكن نهاية صراع، بل بداية لمرحلة ممتدة من التشظي، ما زالت تتكرر بصيغ مختلفة حتى اليوم.
وتحذر عبد الرحيم في حديثها مع 'فلسطين أون لاين' من أننا نعيش اليوم مرحلة جديدة من التفكك، أكثر تعقيدا، لأنها تنبع من الداخل، من هشاشة الدول نفسها. من فلسطين إلى اليمن، ومن العراق إلى الخليج، تتبع خطوط الانقسام القديمة التي ما زالت ترسم حاضر المنطقة.
من خرائط الاستعمار إلى الانقسام
تقول عبد الرحيم، إن معظم الدول في آسيا والشرق الأوسط نشأت على أساس قرارات خارجية، لا إرادة وطنية محلية، 'ما نعيشه اليوم ليس مفاجئا، بل نتيجة طبيعية لخرائط رسمها الاستعمار لتقاسم النفوذ، لا لبناء دول مستقرة.'
وتشير إلى أن هذه الخرائط كانت في جوهرها سياسية، لا اجتماعية، ولم تراع تركيبة المجتمعات، إذ 'تم رسم الحدود دون فهم أو احترام للهويات المتعددة، وهذا ما جعل الصراع أمرا حتميا.'
وتؤكد أن آثار هذه التقسيمات ما زالت حاضرة بقوة في مناطق كثيرة، 'من كشمير إلى قبرص، ومن السودان إلى فلسطين، ما زلنا نعيش نتائج قرارات لم نشارك في صياغتها.'
وترى أن اللحظة التأسيسية التي أعقبت الاستعمار، بدل أن تغلق جراح الماضي، فتحت أبواب أزمات دائمة، 'المشكلة لم تكن فقط في التقسيم، بل في هشاشة البنية التي تأسست عليه الدولة الحديثة.'
فلسطين.. الجرح المفتوح
فلسطين، حسب الخبيرة العراقية، لم تكن استثناء بل كانت النموذج الأول والأوضح لسياسة التقسيم القسري، 'قرار تقسيم فلسطين لم يكن حلا، بل بداية صراع طويل. ما نراه اليوم في غزة هو النتيجة المباشرة لهذا القرار.'
وتؤكد أن نكبة 1948 دشنت نمطا جديدا من الصراعات في المنطقة، يقوم على الإقصاء وتشظي الهوية، مشيرة إلى أن 'فلسطين تحولت إلى مركز دائم لإعادة إنتاج الهوية والصراع، لأنها لم تعامل ككيان سياسي، بل كمساحة لإعادة الترتيب.'
وتشير إلى أن كل المشاريع التي حاولت تصفية القضية، مثل صفقة القرن، هي استمرار لذلك النهج، متابعة 'فلسطين ليست مجرد أرض، بل سؤال وجود، لذلك فشلت كل محاولات تجاوزها.'
وترى أن ما يحدث بين غزة والضفة الغربية هو إعادة إنتاج للانقسام بمنطق داخلي، مردفة 'عندما يصبح الانقسام منهجا، لا تعود المشكلة فقط في الاحتلال، بل في فشل المشروع الوطني الموحد.'
التقسيمات القديمة تعود بأشكال جديدة
وتقول عبد الرحيم، إن القرن الحادي والعشرين يشهد موجة جديدة من التشظي، لكن هذه المرة ليست بقرارات استعمارية مباشرة، بل من داخل المجتمعات نفسها، لأننا 'نعيش اليوم مرحلة التقسيمات الثانية، وهي أخطر، لأنها غير معلنة. يحدث الانقسام بهدوء، لكنه عميق.'
وتضرب أمثلة من اليمن والسودان وسوريا، حيث الصراع الداخلي أعاد فكرة التقسيم إلى الواجهة، 'ليست هناك خرائط جديدة على الورق، لكن الواقع يتشظى: في الإدارة، والهوية، والانتماء.'
وتشير إلى أن فشل الدولة الوطنية في احتواء التنوع هو أحد أكبر التهديدات لوحدتها، مشددة على أن 'الدول التي لم تبن مؤسسات قوية وعدالة اجتماعية تبقى عرضة للانهيار من الداخل.'
الخليج.. مشاريع الضغط والتقسيم قائمة
رغم أن الخليج لم يشهد تفككا كالذي حدث في دول أخرى، إلا أن عبد الرحيم ترى أن مشاريع الضغط والتقسيم الناعم ما زالت قائمة، وتكمل 'الخليج ظل جزءا من معادلة السيطرة الغربية، والتدخلات فيه تأخذ طابعا اقتصاديا وسياسيا أكثر من عسكري.'
وترى أن دول الخليج بحاجة إلى مشروع تكاملي فعلي يضمن الاستقرار في وجه التحديات، وتكمل القول: 'لا يكفي أن تصمد أمام العواصف، بل يجب أن تبني قدرة ذاتية على إدارة الخلافات دون تدخل خارجي.'
وتؤكد أن الخطر الحقيقي ليس فقط في الخارج، بل في ضعف آليات بناء الثقة بين الدول الخليجية نفسها، موضحة أن الخلافات الداخلية، إذا لم تحل، تفتح الباب لتدخلات تعيدنا إلى منطق التقسيم القديم.
العراق.. اختبار ما بعد سايكس–بيكو
وتصف عبد الرحيم، ما يحدث في العراق بأنه أحد أوضح الأمثلة على آثار خرائط الاستعمار التي ما زالت حية حتى اليوم، 'العراق ولد من اتفاق سايكس–بيكو، وظل يعاني من أزمة في تعريف هويته السياسية منذ البداية.'
وتشير إلى أن محاولات بناء دولة موحدة فشلت في تجاوز الطائفية والانقسامات العرقية. مبينة أن الصراعات لم تكن قدرا، بل نتيجة غياب مشروع وطني جامع يعترف بالتنوع ويحتويه.
وتحذر من خطر انقسام العراق لا يزال قائما ما لم يتم إنتاج عقد اجتماعي جديد يعيد الثقة بين المكونات، مشددة على أن بقاء العراق موحدا لن يتحقق بالقوة، بل بالحوار، والمؤسسات، والعدالة.
وترى أن الضغوط الإقليمية والدولية تستغل الانقسامات لتعزيز نفوذها داخل العراق، و'ما لم تغلق الفجوات من الداخل، ستبقى البلاد ساحة مفتوحة لتدخلات الآخرين.'
من التشظي إلى الاستقرار
وتشير الخبيرة العراقية، إلى أن الطريق إلى الاستقرار يبدأ من الاعتراف بجذور الأزمة، لا إنكارها، 'لا يمكن تجاوز الانقسامات دون مواجهة التاريخ بصدق. الصمت لا يصنع وحدة، بل يؤجل الانفجار.'
وتؤكد أن بناء الدولة ليس مجرد شعارات سياسية، بل عملية معقدة تبدأ بالعدالة الاجتماعية، ' لأن المجتمعات لا تستقر بالقوة، بل بالثقة المتبادلة، والمؤسسات التي تحمي حقوق الجميع.'
وتشدد عبد الرحيم على أن الخروج من منطق التقسيم يتطلب مشروعا وطنيا يشمل الجميع، وتتابع القول: 'إذا لم يشعر المواطن أنه شريك في وطنه، سيبحث عن هوية بديلة، وهنا يبدأ الانقسام.'
وتحذر من أن التاريخ لن يعيد نفسه دائما، لكننا إذا تجاهلنا دروسه، فسنعيد إنتاج كوارثه بشكل أعمق.

























































