اخبار فلسطين
موقع كل يوم -فلسطين أون لاين
نشر بتاريخ: ٢٦ أذار ٢٠٢٦
في سياقات الصراع الممتد، لا تقتصر المواجهة على المجال العسكري أو السياسي، بل تمتد بعمق إلى البنية المعرفية والنفسية للفرد والجماعة.
فهناك، في مستوى الإدراك والتفسير، تتشكل القناعات، وتُبنى التوقعات، ويتحدد نمط الاستجابة للأحداث.
ومن بين أبرز الانحرافات المعرفية التي تظهر في مثل هذه السياقات ما يُعرف في الأدبيات النفسية بـ التفكير الرغائبي (Wishful Thinking)، وهو نمط إدراكي يميل فيه الفرد إلى تفسير الواقع أو توقع نتائجه بناءً على رغباته الداخلية، لا على المعطيات الموضوعية المتاحة.
بين الأمل كقيمة نفسية والوهم كتشوه إدراكي
من منظور إرشادي، يُعد الأمل أحد أهم مصادر التكيف النفسي، خاصة في البيئات الضاغطة كحالات الاحتلال أو الحروب. فهو يعزز الصمود، ويمنح معنى للاستمرار.
إلا أن المشكلة تبدأ عندما يحدث خلط وظيفي بين الأمل بوصفه دافعًا، والتفكير بوصفه أداة تحليل.
فعندما يتحول الأمل إلى بديل عن التقييم الواقعي، ينشأ ما نسميه بالتفكير الرغائبي.
ويتجلى ذلك في أنماط مثل:
- بناء توقعات إيجابية دون سند واقعي كافٍ.
- التقليل من حجم المخاطر بدافع الحفاظ على التوازن النفسي.
- تضخيم المؤشرات الإيجابية الصغيرة وإهمال المؤشرات السلبية.
وهنا لا يكون الفرد أمام أمل صحي، بل أمام آلية دفاع نفسي تخفف القلق على حساب الدقة.
في صناعة القرار: من الانحياز المعرفي إلى الخطأ الاستراتيجي
تشير أدبيات علم النفس المعرفي إلى أن الانحيازات الإدراكية، ومنها التفكير الرغائبي، تلعب دورًا حاسمًا في تشويه عملية اتخاذ القرار، خاصة تحت الضغط.
وعندما تنتقل هذه الأنماط من المستوى الفردي إلى المستوى القيادي أو الجمعي، فإنها قد تُترجم إلى:
- قرارات مبنية على تقديرات عاطفية.
- رهانات غير محسوبة على متغيرات خارجية.
- افتراضات غير مختبرة حول سلوك الخصوم أو الحلفاء.
وفي هذه الحالة، لا يعد القرار تعبيرًا عن شجاعة مدروسة، بل يصبح أقرب إلى سلوك اندفاعي مغطى بتبريرات معرفية.
الديناميات النفسية للتفكير الرغائبي في الحروب
في سياق الصراع، يتغذى هذا النمط من التفكير على مجموعة من العمليات النفسية، أبرزها:
تضخيم الذات (Overestimation Bias)
حيث يتم المبالغة في تقدير القدرات الذاتية، كتعويض نفسي عن الشعور بالتهديد.
التقليل من الخصم (Underestimation)
وهو آلية دفاعية تهدف إلى تقليل القلق، لكنها تؤدي إلى أخطاء تقديرية خطيرة.
إساءة قراءة الحلفاء (Projection & Assumptions
إسقاط الرغبات الذاتية على مواقف الآخرين، وافتراض دعم غير مضمون.
إعادة تفسير الواقع بشكل مشوَّه (Cognitive Reframing)
حيث يُعاد تأويل الأحداث—حتى السلبية منها—بما يخدم التوقعات المسبقة.
من الخطأ الطبيعي إلى النمط الخطِر
من المهم التأكيد أن الخطأ في التقدير سمة إنسانية عامة، ولا يمكن تجنبه بالكامل.لكن الإشكالية تظهر عندما يتحول الخطأ إلى نمط متكرر غير خاضع للمراجعة.
وتتجسد الخطورة في:
- الإصرار على نفس التقديرات رغم تعارضها مع الواقع.
- تبرير الإخفاق بدل تحليله.
- إنتاج خطاب جمعي يعزز الوهم بدل تصحيحه.
وهنا نكون أمام ما يمكن تسميته بـ التصلب المعرفي، وهو من أخطر معوقات التعلم والتكيف.
قراءة نفسية في الواقع الفلسطيني
في الحالة الفلسطينية، يتداخل العامل النفسي مع السياسي بشكل معقد.
فنحن أمام:
- جماعة تمتلك مستوى عاليًا من الصمود النفسي.
- في مقابل بيئة صراعية شديدة التعقيد وعدم التوازن.
وفي مثل هذه البيئات، يصبح من الضروري الحفاظ على توازن دقيق بين:
- الأمل كحافز نفسي.
- الواقع كمرجعية تحليلية.
لأن اختلال هذا التوازن—خاصة لصالح التفكير الرغائبي— قد يقود إلى:
- تضخم التوقعات.
- صدمات نفسية جماعية عند الإخفاق.
- تآكل الثقة بالقيادة أو بالذات الجمعية.
الوعي كآلية وقاية نفسية
من منظور الإرشاد النفسي، يُعد الوعي أحد أهم أدوات الوقاية من الانحيازات المعرفية.
فالقدرة على التمييز بين الرغبة والواقع تمثل مهارة نفسية عليا.
والجماعات الأكثر قدرة على الصمود ليست فقط تلك التي تمتلك الموارد، بل التي تمتلك:
- وعيًا نقديًا بذاتها.
- وفهمًا موضوعيًا لخصمها.
- وقدرة على مراجعة قراراتها.
خاتمة
التفكير الرغائبي ليس مجرد خطأ في التفكير، بل هو انحراف إدراكي قد تكون له تبعات نفسية وسياسية عميقة إذا ما تسلل إلى دوائر صنع القرار.
الأمل ضرورة نفسية لا غنى عنها..
لكن الحقيقة شرط أساسي للبقاء.
وبينهما، يتحدد دور العقل:
إما كأداة لتنظيم الواقع والتكيف معه.. أو كوسيلة لإعادة إنتاج الوهم بصورة أكثر إقناعًا.

























































