اخبار فلسطين
موقع كل يوم -سما الإخبارية
نشر بتاريخ: ٢٨ أذار ٢٠٢٦
يُعدّ مسلسل نزيف التراب للمخرج بشار النجار من الأعمال الدرامية النادرة التي لم تكتفِ بسرد القضية الفلسطينية، بل سعت إلى تجسيدها من داخلها، عبر تجربة معاشة وليست مُتخيَّلة. وعند مقارنته مع أعمال عربية بارزة مثل التغريبة الفلسطينية للمخرج حاتم علي، يظهر أن 'نزيف التراب' يذهب باتجاه أكثر حميمية وواقعية، حتى يكاد يلامس حدود الشهادة الحيّة، بل ويتجاوزها ليطرح أسئلة عميقة حول معنى التمثيل ذاته.
يقدّم المسلسل سردية متراكمة لمعاناة الإنسان الفلسطيني تحت الاحتلال، ليس فقط من زاوية الأحداث الكبرى، بل من تفاصيل الحياة اليومية: القلق، الفقد، الانتظار، والتمسك بالأرض. غير أن الشخصيات هنا لا تظهر كنماذج درامية تقليدية، بل كامتدادات حية لذاكرة جماعية، تحمل في داخلها تقاطع الخاص والعام، الفردي والوطني.
ما يميّز العمل هو اعتماده على ممثلين فلسطينيين عاشوا التجربة ذاتها، الأمر الذي منح الأداء صدقًا استثنائيًا. فالمشاهد لا يرى 'تمثيلاً' بقدر ما يشهد إعادة إنتاج للواقع، حيث تتداخل السيرة الذاتية مع البناء الدرامي، فيتحول العمل إلى مرآة حيّة للمعاناة الفلسطينية.
ويمتدّ هذا الصدق إلى مستوى الأداء التمثيلي، حيث يتجلّى بوضوح في شخصية 'أم بلال' التي أدّتها منيرة زريقي. فقد استطاعت زريقي أن تنقل للمشاهد طيفًا واسعًا من الانفعالات الإنسانية—من الغضب إلى الحزن إلى لحظات الفرح الممزوجة بالألم—بكثافة شعورية عالية يصعب تحقيقها عبر التمثيل التقليدي. والسبب في ذلك لا يعود فقط إلى مهارة أدائية، بل إلى كون الدور امتدادًا لتجربة معاشة مثقلة بالفقد؛ فقدت أخاها منير في لبنان عام 1982، واستُشهد عمّها في سجون النظام السوري، كما فقدت زوجها بسام شحرور في مجزرة حمام الشط في تونس عام 1985.
في هذا السياق، لا يبدو الأداء مجرّد تمثيل، بل استحضارًا لذاكرة شخصية مثقلة بالخسارات، حيث تماهت الذات مع الشخصية حتى اختفت المسافة بين 'الممثِّل' و'الدور'. هنا، لا نشاهد تمثيل الحزن، بل حضوره الفعلي، وكأن الدراما فقدت وساطتها وتحولت إلى بوح إنساني مباشر.
هذا التماهي لا يقتصر على زريقي وحدها، بل ينسحب على معظم طاقم العمل، الذين لم يكونوا يؤدّون أدوارًا بقدر ما كانوا يستعيدون ذاكرتهم الشخصية والجمعية أمام الكاميرا. ومن هنا، يصبح المسلسل أقرب إلى فعل بوح جماعي، تتحول فيه الدراما إلى مساحة لاستحضار الألم الحقيقي، لا إعادة تمثيله، وهو ما يمنح العمل قوة تأثير استثنائية تصل مباشرة إلى وجدان المشاهد.
ولا يمكن إغفال دور المخرج نفسه، بشار النجار، الذي لم يكتفِ بالإخراج، بل شارك تمثيليًا مجسدًا شخصية 'د. عبد الله' بإتقان لافت، عكس فهمًا عميقًا للشخصية وأبعادها الإنسانية. ويُعرف عنه إيمانه بالفعل الثقافي، وإصراره على إنجاز الأعمال رغم شح الإمكانيات، حتى أنه، في إحدى التجارب، باع سيارته الخاصة ليتمكّن من استكمال إنتاج أحد مسلسلاته. هذا التفاني لا يُقرأ كواقعة عابرة، بل كجزء من روح العمل ذاته، حيث يصبح الإصرار على الإنتاج شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية.
وفي مستوى أعمق، لا يقدّم نزيف التراب نفسه بوصفه عملاً دراميًا تقليديًا، بل يطرح إشكالية فلسفية تتعلق بحدود التمثيل: متى يتوقف الفن عن كونه محاكاة، ويبدأ في التحوّل إلى واقع موازٍ؟ فالشخصيات هنا لا تُبنى وفق منطق درامي بحت، بل تنبثق من ذاكرة حيّة، ما يجعلها أقرب إلى 'شهادات مجسّدة' منها إلى أدوار مكتوبة.
ضمن هذا السياق، تغدو تجربة منيرة زريقي في دور 'أم بلال' مثالًا على تلاشي المسافة بين الذات والدور، حيث لا تعود الانفعالات أداءً قابلاً للتقنية، بل تعبيرًا عن ذاكرة شخصية تتفجّر أمام الكاميرا. وهنا، لا يشاهد المتلقي تمثيل الألم، بل يواجه حضوره، في تجربة تكاد تلامس ما يمكن تسميته بـ'الصدق الوجودي' في الأداء.
هذا التحوّل ينسحب أيضًا على رؤية بشار النجار، الذي لا يتعامل مع الإخراج كحرفة فنية فقط، بل كفعل مقاومة ثقافية. إن إصراره على إنتاج العمل رغم شح الإمكانيات يعكس تصورًا للفن بوصفه ضرورة وجودية، لا ترفًا جماليًا. وبهذا المعنى، يصبح العمل ذاته امتدادًا لفكرة الصمود، ليس فقط في موضوعه، بل في شروط إنتاجه أيضًا.
ومن هنا، يمكن قراءة المسلسل كجزء من 'أرشيف الألم الفلسطيني'، حيث لا تُروى الحكاية بهدف التأثير فحسب، بل بهدف الحفظ- حفظ الذاكرة من التآكل، وتحويلها إلى صورة قابلة للبقاء. وهنا تحديدًا يكمن الفارق الجوهري بينه وبين التغريبة الفلسطينية، التي قدّمت سردًا تاريخيًا ملحميًا، بينما يقدّم 'نزيف التراب' تجربة آنية، حارّة، تنبض بواقع لم يتحوّل بعد إلى ماضٍ.
نزيف التراب ليس مجرد عمل درامي، بل وثيقة فنية وشهادة إنسانية تتجاوز حدود الفن التقليدي. قوته لا تكمن فقط في موضوعه، بل في صدقه، وفي كونه منح الصوت لمن عاشوا التجربة، لا لمن تخيّلوها. إنه عمل يُشاهَد بالقلب، ويُقرأ بالعقل، ويُحفظ في الذاكرة—بوصفه مثالًا على كيف يمكن للفن، حين ينبع من الألم الحقيقي، أن يتحوّل إلى فعل بقاء، وإلى شكل من أشكال المقاومة التي لا تُمحى.

























































