اخبار فلسطين
موقع كل يوم -شبكة قدس الإخبارية
نشر بتاريخ: ٣١ تموز ٢٠٢٦
هل ما زال ثمة أمل لدى نتنياهو بإعادة تشكيل 'الشرق الأوسط'، أم إن أحلامه تهاوت، خصوصا بعد الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران؟
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كرر نتنياهو هدف تشكيل شرق أوسط جديد مرات كثيرة، ولا يكاد يتحدث في مناسبة مهمة إلا ويذكر هذا الهدف.
فبعد يومين فقط من بدء 'الطوفان' أعلن عن هدف تغيير الشرق الأوسط، وواصل تكراره بعد اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وبعد سقوط نظام بشار الأسد، وفي الحرب على إيران في يونيو/حزيران 2025، وبمناسبة مرور سنتين على الطوفان، وعندما شن حربه الثانية على إيران… وغيرها.
العقلية التوسعية الصهيونية وحلم إعادة تشكيل المنطقة ليست أمرا جديدا، ولكنها أخذت مع نتنياهو نمطا يعتمد أساسا على 'القوة الخشنة' واليد الغليظة الفظة، وتتجاوز الإطار 'الواقعي التدريجي' المعتاد لإدارة التنفيذ الصهيونية القائمة على إستراتيجية 'القضم والهضم'.
ولذلك، لم يكن نتنياهو معجبا جدا برؤية شمعون بيريز (رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق) لتشكيل الشرق الأوسط، بالرغم من أنها رؤية قائمة على الهيمنة والنفوذ، والتي تعطي دورا لـ'القوة الناعمة' بما يتناسب مع ضرورات الواقع، وأولويات التطبيع. وقد حددت رؤية بيريز ثلاثة مستويات من التوسع:
أما نتنياهو فعلق على رؤية بيريز في جلسة الحكومة الإسرائيلية في 15 آذار/مارس 2026، بأنهم يصنعون شرق أوسط جديدا، ولكن ليس 'بالنظارات الوردية لشمعون بيريز، بل نظاما جديدا حقيقيا، نابعا من القوة'، وقال إنهم يصنعون 'تغييرا تاريخيا'. وأوضح أنه بالرغم من تقديره لرؤية بيريز، فإن إمكانية تنفيذها أقل بكثير. بالنسبة لنتنياهو فإن 'القوة الخشنة' هي التي تصنع التغيير، وليس 'القوة الناعمة' الحالمة التي تبناها بيريز.
زعيم المعارضة يائير لبيد سخر من ادعاءات نتنياهو في 31 مارس/آذار 2026، وقال: 'ألقى نتنياهو للمرة الألف خطاب الغرور الذي يقول فيه إنه غير الشرق الأوسط… في النهاية يتضح دائما أنه لم يتغير'
ويبدو أن إسقاط النظام الإيراني كان أساسا في فكر نتنياهو لتشكيل الشرق الأوسط، وهو ما بدا من خطاباته وخطابات ترمب نفسه في الأيام الأولى للحرب. وبحسب ساجيف أسولين، وهو مسؤول سابق في الموساد، فإن 'القرار الإستراتيجي بتغيير وجه الشرق الأوسط قد اتُخذ خلف الكواليس بالفعل، وإن الهدف الأمريكي انتقل من الحد من النووي الإيراني إلى إسقاط النظام'.
وهذا تصريح نقلته عن أسولين القناة الإسرائيلية 14 قبل يوم واحد من الحرب، أي في 27 فبراير/شباط 2026. وحتى مرسوم الجيش الإسرائيلي لشن الحرب على إيران صباح 28 فبراير/شباط 2026، فإن 'هدف المعركة هو إحداث تغيير إقليمي طويل الأمد… وتحسين التوازن الإستراتيجي الإسرائيلي'.
مصطلح إشكالي
نمر بسرعة على الإصرار الإسرائيلي والأمريكي والغربي على استخدام مصطلح 'الشرق الأوسط'، لأن هذا الإصرار ليس بريئا، إذ إن هذا المصطلح استعماري إشكالي يجعل من أوروبا مركزا للعالم، ويُحدد الجغرافية السياسية بناء على ذلك، وهو ينزع عن المنطقة هويتها العربية والإسلامية.
كما أن المصطلح نفسه غير متفق عليه من ناحية علمية حول البلدان التي يضمها؛ لكنه مهم جدا للكيان الإسرائيلي وحلفائه لتعلقه بإمكانية إدماج 'إسرائيل' في المنطقة ومسارات التسوية والتطبيع. وهو بالنسبة لنا مرفوض علميا ومنهجيا، وقد استخدمناه هنا لضرورات التعامل مع النص والمصطلح الذي استخدمه نتنياهو وغيره.
إعلان انتصار سابق لأوانه
بالإضافة إلى خلفية نتنياهو الأيديولوجية، فإن ثمة طموحا شخصيا عميقا لدى نتنياهو لتقديم نفسه كـ'زعيم عظيم' حقق 'النصر التاريخي' للصهيونية، وأنه الرجل الذي سحق المقاومة الفلسطينية واللبنانية وهزم إيران، ووسع التطبيع، وأعاد تشكيل 'الشرق الأوسط'؛ ليكون ذلك جزءا من إرثه السياسي، وليأخذ مكانته إلى جانب ديفيد بن غوريون، وغيره من زعماء الصهاينة.
ولذلك ظل مسكونا بحالة الإنجاز وإعلان الانتصار. فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 لم يعد نتنياهو يتحدث فقط عن السعي لتحقيق هدف تشكيل الشرق الأوسط، وإنما أصبح يتحدث عنه باعتباره هدفا تم إنجازه.
وقد ارتفعت حدة النبرة ومنسوب الثقة عندما شن الحرب على إيران هذا العام، فقال في 29 مارس/آذار 2026: 'قلنا إننا سنغير وجه الشرق الأوسط، وقد فعلنا ذلك.' وعاد ليكرر في 19 أبريل/نيسان 2026: 'لقد اجتزنا اختبارا ضخما، لقد غيرنا وجه الشرق الأوسط'؛ وعاد بعد خمسة أيام (24 أبريل/نيسان) ليقول 'وعدتكم بتغيير شكل الشرق الأوسط… وهذا ما نفعله، وتحديدا إيران'.
ولكن، هل يكفي ما فعله نتنياهو لنقول إنه تم تغيير وجه المنطقة، وإن المنطقة دخلت في 'العصر الإسرائيلي'؟! وهل حقق نتنياهو هدفه فعلا؟
زعيم المعارضة يائير لبيد سخر من ادعاءات نتنياهو في 31 مارس/آذار 2026، وقال: 'ألقى نتنياهو للمرة الألف خطاب الغرور الذي يقول فيه إنه غير الشرق الأوسط… في النهاية يتضح دائما أنه لم يتغير'.
العقلية التوسعية الصهيونية وحلم إعادة تشكيل المنطقة ليست أمرا جديدا، ولكنها أخذت مع نتنياهو نمطا يعتمد أساسا على 'القوة الخشنة' واليد الغليظة الفظة، وتتجاوز الإطار 'الواقعي التدريجي' المعتاد لإدارة التنفيذ الصهيونية القائمة على إستراتيجية 'القضم والهضم'
نحو تقييم موضوعي
الدراسة الموضوعية باستخدام أساليب التحليل الإستراتيجي والاستشراف المستقبلي كأسلوب تحديد الاتجاهات، وتحليل القوى المحركة، وتحليل التأثير المتبادل، وتحليل سلوك الفاعلين الكبار وغيرها، تظهر اتجاهات عامة تتعارض مع ادعاءات نتنياهو وحكومته.
ويوضح الوزن التراكمي للاتجاهات ميلا إلى تراجع فرص الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية بشكل أكبر مما كانت عليه في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفيما يلي نعرض أبرز المعطيات:
أولا: معطيات تخدم أكثر الجانب الإسرائيلي
المسار العام يميل إلى فشل نتنياهو في تحقيق أحلامه، وإلى أن الحياة السياسية له ستنتهي غالبا وقد خلف وراءه مجموعة أزمات، وأن ما صنعه لن يجعل منه 'زعيما تاريخيا' بقدر ما تسبب في وبال وارتدادات عكسية على المشروع الصهيوني
ثانيا: معطيات تصب أكثر في الفشل الإسرائيلي في تشكيل الشرق الأوسط
خلاصة:
يُظهر الوزن التراكمي للاتجاهات، وتحليل القوى المحركة في 'الشرق الأوسط'، وتحليل التأثير المتبادل للعناصر الفاعلة والمؤثرة، أن الاتجاه العام يميل إلى إضعاف فرص الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية، وأن معظم القوى المحركة لم تتطور بالاتجاه الذي يريده نتنياهو وحكومته.
كما أن 'الشرق الأوسط الجديد' هو 'متغير تابع' لمجموعة متغيرات خارج سيطرة 'إسرائيل' جزئيا أو كليا، وأن 'إسرائيل' لا تستطيع 'هندسة' الشرق الأوسط بإرادتها؛ والأهم أن 'إسرائيل' صارت أبعد عن القدرة على تشكيل الشرق الأوسط، مقارنة بوضعها قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع تراجع كبير في إمكانية تحقيق المشروع.
وبالتالي، فالمسار العام يميل إلى فشل نتنياهو في تحقيق أحلامه، وإلى أن الحياة السياسية له ستنتهي غالبا وقد خلف وراءه مجموعة أزمات، وأن ما صنعه لن يجعل منه 'زعيما تاريخيا' بقدر ما تسبب في وبال وارتدادات عكسية على المشروع الصهيوني.

























































