اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٨ شباط ٢٠٢٦
نظّم «النادي الثقافي العربي» في مقره في الحمرا ندوة فكرية بعنوان «لبنان والمنطقة العربية إلى أين؟» لمناسبة ذكرى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، شارك فيها الرئيس فؤاد السنيورة، النائب السابق الدكتور فارس سعيد، الدكتور حارث سليمان، ورئيس تحرير جريدة «اللواء» صلاح سلام، وقدّمت لها الدكتورة لينا التنير، بحضور وزراء ونواب سابقين وفاعليات فكرية وأكاديمية وثقافية.
استهلت التنير الندوة بعد النشيد الوطني بكلمة شددت فيها على أن إحياء الذكرى لا يقتصر على استعادة حدث أليم، بل يطرح سؤالاً راهناً: ماذا كان سيفعل رفيق الحريري في مواجهة واقع لبنان اليوم؟ واعتبرت أن اغتياله لم يستهدف شخصه فقط، بل استهدف فكرة لبنان الدولة المنفتحة والاقتصاد المنتج والمشروع الوطني الجامع.
ورأت أن غيابه أدى إلى اختلال التوازن الداخلي وتراجع منطق الدولة لمصلحة منطق المحاور، ما أفسح المجال أمام تمدُّد النفوذ الخارجي وتحوُّل لبنان من مساحة توازن إلى ساحة صراع. وأشارت إلى أن الحريري كان يدرك تعقيدات المنطقة لكنه سعى إلى تحصين لبنان عبر ثلاث ركائز: تعزيز القوة الاقتصادية كمدخل للسيادة، اعتماد الإصلاح كضرورة، واتخاذ القرار في الوقت المناسب. وختمت بأن السؤال عن خيارات الحريري يقود إلى مساءلة الحاضر: ماذا نحن مستعدون أن نفعل لإنقاذ الدولة قبل فوات الأوان؟
الرئيس السنيورة عرض مسيرة الحريري، معتبراً أنه كان مِنْ أبرز مَنْ عملوا على استعادة نهوض الدولة بعد الحرب، من خلال الإسهام في إقرار اتفاق الطائف وإطلاق ورشة إعادة الإعمار وبناء المؤسسات. وأكد أن الحريري واجه عراقيل داخلية وإقليمية وهيمنة قوى الأمر الواقع، لكنه تمكن من إحداث نقلة نوعية على المستويات العمرانية والاقتصادية والسياسية، مع التزام واضح بالشراكة العربية، ولا سيما مع السعودية ومصر ودول الخليج.
واعتبر أن اغتياله جاء لتعطيل مشروعه النهضوي، لكن الجريمة ولّدت إرادة لبنانية لمواجهة الوصاية والسعي إلى العدالة عبر المحكمة الدولية. غير أن القوى التي عارضت مشروع الدولة استمرت، بحسب السنيورة، في تعطيل المؤسسات ومنع استكمال الإصلاح، ما أدخل لبنان في أزمات سياسية واقتصادية متراكمة وأضعف قدرته على مواجهة التحولات الإقليمية ومخططات إسرائيل. وأشار إلى أن المنطقة تشهد تبدلات كبرى، من صعود تحالفات جديدة إلى تصدع قواعد النظام الدولي، ما يفرض استخلاص دروس عاجلة.
على الصعيد اللبناني، شدد السنيورة على أولوية حسم مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، والتمسك بالدستور وتطبيق اتفاق الطائف، واعتماد الإصلاح منهجاً دائماً في السياسة والاقتصاد والإدارة، إضافة إلى انتهاج سياسة خارجية تقوم على التحييد الإيجابي والالتزام بالمصلحة العربية المشتركة وبناء علاقات نديَّة مع سوريا. أما عربياً، فدعا إلى حماية الدولة الوطنية من التفتيت، وترسيخ احتكار الدولة للسلاح، وتعزيز خيار الاعتدال العربي ومبادرة السلام، وتفعيل العمل العربي المشترك، مع اعتماد الديمقراطية وحقوق الإنسان والإصلاح الشامل كمدخل للاستقرار. وختم مؤكداً أن الحريري لو كان حاضراً لاغتنم التحولات الراهنة لإطلاق ورش الإصلاح واستعادة الثقة بلبنان.
وأضاف الرئيس السنيورة أن المرحلة الراهنة تفرض على اللبنانيين الخروج من منطق المكابرة السياسية وتبادل الاتهامات، والانتقال إلى مصارحة وطنية شاملة تعترف بحجم الانهيار الذي أصاب مؤسسات الدولة والمالية العامة. وشدد على أن أي خطة إنقاذ لا يمكن أن تنجح من دون استعادة ثقة اللبنانيين أولاً، وثقة الأشقاء العرب والمجتمع الدولي ثانياً، عبر خطوات عملية تبدأ بإصلاح القضاء، وضبط المالية العامة، وإقرار القوانين الإصلاحية المطلوبة. واعتبر أن إعادة بناء الثقة لا تكون بالشعارات، بل بقرارات جريئة تعيد الاعتبار لمنطق الدولة وتؤكد أن لا غطاء بعد اليوم لأي خروج على الدستور أو على سلطة الشرعية.
من جهته، رأى صلاح سلام:«في الذكرى السنوية لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لا تبدو المناسبة محطة وجدانية فحسب، بل فرصة للتأمل العميق في التحولات الإقليمية والدولية التي تعصف بالمنطقة، وانعكاساتها المباشرة على لبنان الكيان والدولة والدور. فالحدث الذي شكّل في 14 شباط 2005 نقطة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث، يتقاطع اليوم مع مرحلة لا تقل خطورة، تتداخل فيها حسابات واشنطن والرياض وطهران وتل أبيب وأنقرة ودمشق، وتُرسم على ضوئها خرائط نفوذ جديدة: عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتحول الأولوبات، سقوط نظام الأسد وصعود الشرع ، الدعم الأميركي لإسرائيل وحرب 2024 على لبنان ، لبنان بين مطرقة الصراع وسندان الانهيار ، دلالات ذكرى رفيق الحريري في هذا السياق ، تراجع الدور الإقليمي إيران بين الاستنزاف والتهديد ،التحول في العلاقات الخليجية – الإيرانية ، نتائج حرب غزة وحسابات الطاقة ،تراجع المحور الإيراني وانعكاسه على حزب االله، صعود الدور التركي».
تابع:« وأخيراً خلاصات وتوقعات إقليمية ولبنانية: أمام هذا المشهد المعقد، يمكن استخلاص جملة من التوقعات الاقليمية: استمرار اعادة رسم موازين القوى في المنطقة على قاعدة تراجع الدور الإيراني وصعود أدوار بديلة. انتقال الصراع من الطابع العسكري المباشر الى صراعات نفوذ اقتصادية- طاقوية. احتمال بلورة تسوية أميركية-ايرانية بوساطة خليجية تؤدي الى اعادة توزيع أوراق النفوذ في الساحات العربية».
أضاف:«أما على الصعيد اللبناني فيمكن القول: تصاعد الضغط الدولي لإعادة هيكلة الدولة اللبنانية حيث تترافق أي تسوية إقليمية مع شروط صارمة تتعلق بالإصلاح السياسي والمالي. إعادة تعريف دور لبنان الأمني: قد يُدفع باتجاه ترتيبات أمنية جديدة على الحدود الجنوبية تضمن هدوءاً أطول أمدًا. تراجع منطق المحاور التقليدية: مع سقوط النظام السوري السابق وتبدُّل موازين القوى، ستُعاد صياغة التحالفات الداخلية. فرصة لإحياء مشروع الدولة: إذا أحسنت النخبة السياسية قراءة التحولات، يمكن تحويل الضغوط إلى فرصة لإعادة بناء المؤسسات».
ختم«إن ذكرى اغتيال رفيق الحريري هذا العام تأتي في لحظة مفصلية.المنطقة تتغير بسرعة، والخرائط السياسية يُعاد رسمها، والتحالفات تتبدل. لبنان ليس خارج هذا المسار، بل في قلبه. غير أن مصيره لن يُحسم فقط في واشنطن أو الرياض أو طهران أو دمشق أو تل أبيب، بل في قدرته الداخلية على استعادة معنى الدولة، وفي تحمُّل اللبنانيين مسؤولية اختيار موقعهم. بين منطق الدولة ومنطق الساحات، بين الاستقرار والفوضى».
أما الدكتور حارث سليمان فقدم قراءة لتحولات الشرق الأوسط عبر أربع محطات مفصلية: تحرير الكويت ومؤتمر مدريد وما رافقهما من تقاطع أميركي – سوري؛ أحداث 11 أيلول واحتلال العراق وصعود النفوذ الإيراني؛ الربيع العربي وما نتج عنه من اضطرابات؛ وأخيراً «طوفان الأقصى» والحرب في غزة وتداعياتها الإقليمية. واعتبر أن كل محطة أعادت تشكيل موازين القوى وأثَّرت مباشرة في لبنان.
وأشار إلى أن مرحلة ما بعد 11 أيلول أعادت تعريف الأمن العالمي وفتحت الباب أمام صعود محور الممانعة وتوسع ظاهرة الميليشيات، ما أضعف الدولة الوطنية. أما الربيع العربي فعبّر عن أزمة بنيوية في النظام العربي الرسمي، لكنه تحول إلى حروب داخلية وتنافس إقليمي بسبب ضعف البنى المؤسسية وصعود الإسلاميين. وفي المحطة الأخيرة، رأى أن الحروب أظهرت محدودية استراتيجيات المحاور المسلحة وأعادت القرار العسكري إلى الدول، مع تعاظم أدوار إقليمية جديدة وتنسيق بين قوى عربية وتركيا لإعادة التوازن.
وطرح سليمان أسئلة حول مستقبل الخيار العسكري العربي في ظل التفوق الإسرائيلي، وإمكان السلام مع حكومات اليمين الإسرائيلي، ومستقبل الإسلام السياسي، مؤكداً أن البديل المرجَّح هو صعود صيغ دولة وطنية مدنية محافظة الهوية وغير أيديولوجية، تركز على التنمية والإدارة.
وختم: بأن تجربة رفيق الحريري تمثل نموذج بناء دولة حديثة تستند إلى المؤسسات والاقتصاد والانفتاح العربي والدولي، وأن حماية لبنان تكون ببناء دولة ذات شرعية داخلية وعلاقات متوازنة.
بدوره، قدّم الدكتور فارس سعيد قراءة سياسية لتطورات المنطقة منذ 2004، متوقفاً عند غياب ثلاث شخصيات سنية بارزة: ياسر عرفات، رفيق الحريري، وصدام حسين، وما أعقبه من توسع للنفوذ الإيراني. واعتبر أن السياسات الأميركية بعد 11 أيلول أعادت ترتيب الأولويات، مع تسهيل تمدُّد إيران في المنطقة، في ظل اعتقاد بأن الخطر السني أشد من الخطر الشيعي.
ورأى أن لبنان لم يقرأ التحولات بدقة، من استمرار الاغتيالات إلى اتفاق الدوحة، مروراً بعدم ضرب النظام السوري بعد استخدام السلاح الكيميائي، وصولاً إلى الاتفاق النووي مع إيران. واعتبر أن هجوم 7 تشرين الأول 2023 شكل منعطفاً جديداً، إذ أعاد خلط الأوراق وأدى إلى مراجعات في حسابات إسرائيل والولايات المتحدة بشأن الرهان على بعض القوى الإقليمية. وأشار إلى أن انهيار وضعية حزب الله كذراع عسكرية لإيران انعكس على مجمل التوازن اللبناني، ما أظهر أن الأزمة ليست أزمة طائفة بل أزمة وطن، وأن لا حل لأي جماعة خارج إطار حل وطني جامع يقوم على الدستور ووثيقة الوفاق الوطني.
واختُتمت الندوة بحوار مع الحضور تناول الأسئلة المطروحة حول مستقبل لبنان في ظل التحولات الإقليمية، بين منطق الدولة ومنطق المحاور، وبين فرص الإصلاح ومخاطر الانهيار، في ظل استعادة تجربة رفيق الحريري كمحاولة لبناء دولة حديثة في بيئة إقليمية مضطربة.











































































