اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٦ أذار ٢٠٢٦
كلما إزداد المرء رقّة، كلما أخذ في مراجعة أوجاع الناس وآلامهم، وما كان يقض مضاجعهم، ويجعلهم يتقلبون ليلهم ونهارهم على جنوبهم، لقسوة معاناتها، ولشدّة آلامهم، ولهول ما يمرّ عليهم من هواجس ومخاطر، بحيث يتحوّلون إلى بركة من الدمع والدم والهمّ.
«أسمع كل الأصوات/ أصوات المرضى والبائسين/ أصوات اللصوص والمجرمين/ أسمع همس المحار.../ أمضي وحيدا إليها، إلى اللامكان».
وهذه الآلام المجتمع على الناس، هي التي كانت وراء دواوين مؤلفة، نراهم يمضون أيامهم وهم يراجعون آلام الناس ومواجعهم، ويألفون فيها النثر والشعر. وليس أدلّ على ذلك من «كتاب البؤساء» لفيكتور هيغو، و«موسوعة العذاب» لعبود الشالجي. ومقامات الحريري والهمذاني، ودواوين جمة في المراثي وفي نظم رثاء المدن ورثاء الملوك ورثاء العظماء.. وكذلك في رثاء الأدباء والشعراء.
«كل الأشياء واحدة/ تلك هي الأعماق البعيدة/ عندما الإنسان يرى الكل في الكل/ يقف فوق الأفهام السحيقة/ يغوص في أعماق تجربة مديدة».
ويذكر شوقي ضيف، أن شعراء الشيعة جميعا، خصوصا منهم من نظم البكائيات الشعرية الطويلة، قد سجلوا المآسي والفواجع التي تعرّض لها هؤلاء الأقوام، منذ واقعة كربلاء الشهيرة، حتى وسموا بها، فقيل عنهم أنهم شعراء الحزن الكربلائي. وأن الرقّة التي إتصف بها شعرهم، إنما جذرها ذلك الحزن الدفين في أعماقهم، على قتلى كربلاء، وعلى شهداء آل البيت.
«... الموت عند إنبثاق الفجر/ يمدد الظلام، فتنطفئ الأضواء/ عرفت في أي طريق يكون الرحيل/ بعيدا عن هذا العالم الجليدي/ المفجوع».
لا نريد أن نذهب بعيدا في توصيف الشعر المفجوع بالمآسي والأحزان، ولا كذلك تلك الموسوعات التي نظمت حياة الناس المنكوبين بالحروب، وبقسوة المستبدين والطغاة. فقد سجل لنا الأدب العربي، كما الأدب الأجنبي، السجلات العظيمة، والتسجيلات البالية والرقيقة، وكلها، تختصر عذاب الأفراد والمجتمعات، جراء النكبات التي لحقت بهم، أو تلك التي وقعت لهم، أو بما كان يأتيهم من صفاء الروح والوجدان، في برهة التضامن الوطني والديني والإنساني والأممي.
«ها هي تزهر في العيون النظرات/ والطيور الرابضة على الأغصان/ ستردد صرخة الصبوات/ الطبيعة مملكتي/ ومدار غبطتي».
وفيق غريزي، في ديوانه الأخير، إنما هو أشبه بموسوعة العذاب، أو ربما شابه بعض الأقاصيص والأحاديث من كتاب البؤساء. ولا غرو، فللشاعر باع طولى في رصد أوجاع الناس ووقائعها، وكأن له لذة في جمعها، تماما مثلما أوكل عمر بن أبي ربيعة بالجمال، فكان يتبعه أينما كان...
«التجارب ألقتني في بحار الشك/ والجنون... والقلق... والنسيان/ فريسة للوحوش والحيتان...».
فنحن إذا ما تصفحنا قصائده في ديوانه هذا الذي بين يدينا، تطالعنا القصائد الدامعة والباكية تجذبنا إلى مجرى الدمع في عينيه، حتى يبين لنا الشاعر، وكأنه غرسة هالكة لصفصافة باكية. ولطلما تذكّرت وأنا أقرأ ديوانه الأخير: «أكاليل على نعش الوفاء»، أنه يشابه الشاعر الفذ نزار قباني، حين يصف نفسه فيقول:
«أنا قبيلة أحزان بأكملها/ ومن دموعي سقيت البحر والسحبا..».
فإذا ما كان الشاعر الراحل يبكي في إثر النساء، فإن شاعرنا وفيق غريزي، إنما يبكي أوجاعه الوطنية والقومية والشخصية والإجتماعية.
«جئت مثخنا بالجراح/ مثقوب الجسد بأسنة الرماح...».
وفيق غريزي، شاعر، «لا يستعير أصابع الغير، ولا يشرب من محابرهم». فأشعاره الموجوعة كلها، إنما هي تنضج من معين صاف من آلامه التي برحته طوال عقود وعقود، قطعها كلها في رصد مواجع الناس وعذاباتهم، أو عذاباته الشخصية، لا فرق، وجعل منها قاموس الأوجاع، الذي يحتاجه كل الأطباء، فلا يجدون له دواء، لأن أصل بلائه كامن في النفس.
«من لون السماء/ أحس أنني خرافة زائلة/ تساق خلف الضوء/ في دورة الأبد...».
يجالس توفيق غريزي نفسه طوال يومه، يسائلها عن مصدر هذه الهموم التي تعتريه، وعن الشقاوة بها، وعن النيران المشتعلة في أثوابه بصورة دائمة. وهو إذا ما إهتدى إلى جذورها وأسبابها، أحالها جميعا إلى جذر الشعر، صففها على سفودها. ولهذا ترانا أمام سفافيد وفيق غريزي، أكثر مما ترانا أمام أشعاره الموجعة.
«الروح تأخر عباب البحار/ الفجر أضاع طريقه... إلى واحة النهار/ قطار العمر شارف على الرحيل/ محطته ليس لها عنوان».
لا تصدّقوا أن شاعرنا من أهل الفواجع، بل هو إنسان رقيق متضامن مع أهل المواجع. ولهذا نجد في شعره عذوبة ألم مجتمعي، أكثر منها عذوبة مواجع شخصية، لأن القاعدة تقول: إن من يصف الغرقى، أعظم من الغرقى أنفسهم. لإنه إنتصر على الهدير الجارف، وتقدم من بعد فوصف الهدير الجارف. وهذه لعمري حلية شعر وفيق غريزي، وحيلة شعره، ومن يذقْ عمره، يرَ.
«سوف نزول وننتهي/ وينتهي الزمان..».
أستاذ في الجامعة اللبنانية











































































