اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٧ كانون الثاني ٢٠٢٦
أطلقت 'مبادرة غربال' دراسة تحليلية شاملة بعنوان' المباني المستأجرة من قبل الإدارات العامة: الكلفة، هوية المالكين والتوزيع الجغرافي'، ويقدّم التقرير دراسة علمية منهجية للعقارات المستأجرة التي تشغلها الجهات الحكومية في لبنان بهدف تعزيز الشفافية والكشف عن مكامن الهدر في إدارة الأموال العامة.
واعلنت 'مبادرة غربال' في بيان ان التقرير الذي درس 1315 عقد إيجار أبرمتها 67 جهة عامة في مختلف المحافظات اللبنانية، يشير إلى أن المباني الحكومية المستأجرة تشكّل جزءاً أساسياً من البنية الإدارية والخدماتية في لبنان، إذ تعتمد العديد من الإدارات العامة عليها لإنجاز أعمالها. يعود هذا الاعتماد الواسع إلى عوامل أبرزها: غياب سياسة وطنية شاملة لإدارة العقارات، وضعف الاستثمار في إنشاء مبانٍ مملوكة للدولة، ويخلق تحديات بنيوية، تؤثر على كفاءة إدارة المال العام وجودة الخدمات العامة. كذلك كشف التقرير عن تحدٍّ إداري كبير يتمثل في تشتت الجهات المسؤولة عن إدارة هذه العقارات بين وزارات متعددة، وغياب آلية مركزية موحدة للتنسيق والإشراف، ما يؤدي إلى ضعف في الصيانة والتأهيل.
وقد خلص التقرير إلى وجود 43 وقف و16 جهة دينية تؤجر عقارات الدولة، إضافة إلى 21 إدارة ومؤسسة عامة مستفيدة من هذه العقارات، بقيمة إجمالية تصل إلى حوالي 3.87 مليار ل.ل. سنوياً. ومن بين هذه الجهات، دائرة أوقاف قضاء صور الإسلامية التي أجّرت بين عامي 2015 و2021 طابقًا سفليًا لصالح دار إفتاء (صور)، بقيمة 36,000,000 ل.ل. كذلك جمعية راهبات دير الصليب، الرهبنة اللبنانية المارونية - دير مار أنطونيوس في شكا، والرهبانية اللعازارية.
بالتوازي، برزت 38 جمعية أجّرت 7 إدارات و6 مؤسسات عامة بقيمة 6,261,846,648 ليرة لبنانية سنوياً، أبرزها جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، مؤسسة الأمير مجيد أرسلان، جمعية التضامن الإنمائي في البابلية، وجمعية رعاية اليتيم التي أبرمت 9 عقود إيجار، معظمها لكليات الجامعة اللبنانية في صيدا، بقيمة إجمالية سنوية وصلت عام 2020 و2021 إلى 1,192,771 دولاراً.
أما الأحزاب السياسية ، فكان بها نصيب من التقرير، حيث برز عقد مجلس الجنوب في الشياح لصالح جمعية أمل للمحرومين، إذ بلغت قيمته 961,777,160 ل.ل. سنوياً، لمساحة تبلغ 4,265 م²، وامتد لحوالي 35 سنة، ما يجعل قيمة الإيجار الإجمالية تفوق الـ20 مليون دولار. كذلك أجّرت شركة تعود للوزير السابق محمد يوسف بيضون مكاتبها في مبنى ستاركو لوزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية لقاء 700 ألف دولار تدفعها سنوياً، قبل أن يشتريها أربعة أشخاص من ضمنهم طه ميقاتي
واستعرض التقرير أيضا عقد وزارة المهجرين مع شركة ستراتم ش.م.ل المملوكة لأبناء رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، والبلغ 946 مليون ليرة. في وقت تستأجر المديرية العامة للنقل البري في المبنى نفسه، مكتباً بقيمة 995 مليون ل.ل سنوياً من شركة بنشمارك القابضة لصاحبها نادر الحريري. بالتوازي، يملك وزير الإعلام الأسبق وليد الداعوق وأشقاءه 60% من عقار يستأجره ديوان المحاسبة مقابل مليار و26 مليون ل.ل، وتدفع وزارة الخارجية والمغتربين أكثر من 9 ملايين دولار لشركة سوليدير مقابل إشغال مبنى الإسكوا.
وكشف التحليل عن مجموعة من الإشكاليات المحورية في إدارة ملف الإيجارات الحكومية:
- فجوات في البيانات والشفافية: الجهات الأساسية العاملة على هذا الملف تفتقر غالباً إلى قاعدة بيانات موحدة أو مكتملة للعقارات المستأجرة، ما يعيق تشكيل صورة دقيقة وشاملة لهذا القطاع. ويشمل ذلك نقصا بنيويا في المعلومات حول المساحات المشغولة لـ 36 جهة عامة رئيسية.
-ازدواجية الأطر القانونية وتفاوت مالي: تخضع العقود لإطارين قانونيين (قبل وبعد 23 تموز 1992)، ما يؤدي إلى فروقات مالية كبيرة، حيث تتضمّن العقود القديمة بدلات إيجار متدنية أو رمزية، بينما تعكس العقود الجديدة أسعار السوق الحالية. وهذا التباين يولّد التزامات مالية غير متساوية تثقل كاهل الموازنة العامة.
- تمركز العقود ذات القيمة الأعلى: أكبر عقد إيجار من حيث القيمة السنوية موقّع من قبل وزارة الخارجية لمقر الإسكوا في بيروت، والمستأجر من سوليدير، وتبلغ قيمته 9,174,917 دولاراً سنوياً. والمقلق أن هذا العقد لا يحدّد مساحة العقار أو السعر للمتر المربع، ما يعدّ مخالفة جوهرية لمعايير الشفافية التعاقدية.
-هيمنة القطاع التربوي: قطاع التعليم هو الأكثر سيطرة، حيث يشكّل نحو 42% (555 عقداً) من إجمالي عدد الإيجارات، وذلك نظراً للعدد الكبير من المدارس الرسمية وفروع الجامعة اللبنانية.
-اختلال التوزيع الجغرافي: هناك تركّز جغرافي كبير لنشاط الإيجار في محافظتي بيروت وجبل لبنان، وهو ما ينعكس أيضاً في التحليل المالي الذي يظهر أعلى متوسط لبدل الإيجار للمتر المربع في بيروت وبعبدا.
فعقور
وخلال الإطلاق، لفتت النائبة حليمة القعقور إلى أنّ 'لبنان يصرف أكثر من ٥٠ مليون دولار على ملف الإيجارات، في وقت يمرّ البلد بأكبر هوّة وفجوة مالية في العالم، بالتالي من غير المقبول أن نواظب على صرف الأموال من دون أي حسيب أو رقيب'، واوضحت 'أنّها و6 نواب آخرين تقدّموا بالتعاون مع غربال بسؤال للحكومة لمعرفة تفاصيل دقيقة عن العقارات التي تستأجرها الدولة وتلك التي تملكها'.
وشكرت القعقور غربال على 'توفيرها معلومات لا يمكن لهم كنوال الحصول عليها'، تطرقت إلى ما حصل معها خلال مناقشة الموازنة قائلة:'خلال مناقشة الموازنة، طلبت من كل وزارة معلومات عن المباني التي تستأجرها، إلا أن الجواب كان دائماً: عم نشتغل عالموضوع ومنبعتلكن اياها، وحتى الآن لم يصلنا سوى الهبات التي حصلوا عليها'.
ذبيان
من جهته، أفاد المدير التنفيذي لمبادرة غربال أسعد ذبيان أنّ 'قيمة الأموال المخصصة للإيجارات وصلت في العام 2018 إلى 145 مليون دولار، وفي عام 2019 بلغت 96 مليون دولار، وبعد الانهيار انخفضت قيمة هذه الأموال لتصل في عام 2025 إلى 17 مليون دولار لإيجارات الإدارات العامة فقط'، واعتبر أنّ 'مشكلة الهدر الكبير لدى الدولة، تتمثل بامتلاكها عقارات غير مستغلّة، بالتالي نؤجرها بسعر زهيد وتستأجر ذبيان هي بسعر مرتفع'.
رياض قبيسي
وتحدث الإعلامي رياض قبيسي عن الهدر في الدولة وقال:'هناك مستوًى يبدأ من الإيرادات، وهناك هدر مرتبط بالدولة عينها، حيث أن هناك مشكلة حقيقية في تعاملها مع الإيرادات، وكيف يتم قراءة هذه الإيرادات وتقييمها'، وإذا اعتبر أن هذه مشكلة كبيرة، رأى أن 'المشكلة الأكبر تمثّلت في غياب التخطيط لإصلاح الموضوع'، وقال:'بلد خرج حديثاً من حرب، استورد بقيمة ٢١ مليار و١٩ مليون! الأمر مرعب. الحل الأمثل لبناء دولة، هو بالمزيد من العقوبات بسبب شبهات الفساد وأن (يسكرو الحنفية)'.
التوصيات
يشكل واقع المباني المستأجرة مدخلاً أساسياً لفهم إدارة الأملاك العامة في لبنان وكشف مكامن الخلل في هذا القطاع الحيوي، ويُعد تطوير نظام فعّال لإدارة هذه العقارات شرطاً أساسياً لترشيد الإنفاق العام، وتعزيز الشفافية، وتحسين الأداء الإداري للدولة اللبنانية.
استناداً إلى النتائج الأساسية، يقدّم التقرير التوصيات العاجلة الاتية:
- إحالة جميع العقود المشبوهة إلى ديوان المحاسبة لإجراء الرقابة اللاحقة الشاملة.
- نشر جميع عقود الإيجار العامة التزاماً بقانون الحق في الوصول إلى المعلومات (28/2017).
- إنشاء آلية موحدة لتقدير بدلات الإيجار الحكومية استناداً إلى معايير السوق والتقييم العقاري الموضوعي.
- تفعيل دور الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وهيئة الشراء العام في مراقبة وتدقيق هذه العقود لضمان مبادئ الشفافية والفعالية.
وختم البيان:'ان هذه الإصلاحات تعد ضرورية لمعالجة الاختلالات الحالية، وضمان الرقابة القضائية، وتحقيق الاستخدام الأمثل للأموال العامة، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة. فغياب نظام موحد لإدارة الأملاك يجعل الدولة تعمل فعلياً (بلا بوصلة)، وغير قادرة على تقييم أو ضبط نفقاتها الضخمة على الإيجارات. وتعد هذه الإصلاحات ضرورية لمعالجة الاختلالات الهيكلية القائمة، وضمان الرقابة القضائية الفعّالة، وتحقيق الاستخدام الأمثل للأموال العامة، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية المستمرة التي يمر بها البلد. وغياب نظام موحّد لإدارة الأملاك يجعل الدولة عملياً (بلا بوصلة)، غير قادرة على تقييم أو ضبط نفقاتها الضخمة على الإيجارات'.











































































