اخبار لبنان
موقع كل يوم -الهديل
نشر بتاريخ: ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
خاص الهديل….
بقلم: محمد طارق بسّام عفيفي
في عالمٍ أنهكته الحروب وتراكمت فيه الخيبات، لم يعد السؤال الحقيقي من المخطئ ومن المصيب، بل إلى متى سنبقى نعدّ الضحايا فيما تُدار النزاعات بلا حلول. السنوات الأخيرة كشفت بوضوح أن النظام الدولي القائم لم يعد قادرًا على مواكبة حجم الأزمات وتسارعها، فالصراعات تطول، والخرائط تتبدّل، والدم يُسفك، بينما البيانات تُكرّر والجلسات تُعقد من دون أثر حقيقي على الأرض.
ما نشهده اليوم ليس أزمة نزاعات فقط، بل أزمة أدوات. المؤسسات التي وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية كانت مناسبة لعالم الأمس، لكنها تجد نفسها اليوم عاجزة أمام حروب تُدار بالاقتصاد والنفوذ والتكنولوجيا. الأمم المتحدة ما زالت تحمل قيمة رمزية وأخلاقية، لكنها في الممارسة تحوّلت إلى إطار بطيء، مُثقل بالتعطيل، تُشلّ قراراته بالخلافات والفيتو، وتبقى مخرجاته حبيسة الورق. ومع كل أزمة جديدة، يتّسع الفارق بين الشرعية المعلنة والفاعلية الغائبة.
في هذا الفراغ، تظهر أطر جديدة لا تنتظر الإجماع ولا تتغذّى على الشعارات، بل تقوم على القرار والقدرة والتنفيذ. من هنا، لا يمكن التعامل مع إنشاء «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كحدث بروتوكولي أو فكرة نظرية، بل كإشارة إلى تحوّل عميق في طريقة تفكير العالم بإدارة السلم والنزاع. فحين تفشل الأدوات القديمة، لا يختفي الواقع، بل يفرض بدائله.
السلام، في حقيقته، ليس خطابًا أخلاقيًا فقط، بل فعلٌ له كلفة. كلفة قرار، وكلفة التزام، وكلفة حماية. السلام الذي لا يملك أدوات تنفيذ يبقى نية حسنة، أما السلام المدعوم بقدرة مالية وسياسية واضحة، فقد يكون السلام الوحيد القابل للحياة في عالم تحكمه المصالح قبل المبادئ. من هذه الزاوية، يصبح توصيف «UN by PayPal» توصيفًا لواقع جديد أكثر منه سخرية، عالم تنتقل فيه إدارة الأزمات من منطق الشرعية الرمزية إلى منطق الفاعلية العملية.
هذا التحوّل لا يعني بالضرورة إلغاء ما كان قائمًا، بل تجاوزه بهدوء. فالتاريخ لا يُغيّر أنظمته بالتصويت، بل حين تعجز عن أداء وظيفتها الأساسية. وحين يتعطّل القرار الدولي مرارًا، ويتقدّم الواقع خطوة إلى الأمام في كل مرة، تظهر أطر قادرة على ملء الفراغ، لا لأنها مُفوَّضة رسميًا، بل لأنها قادرة على الفعل.
موقفي من هذا التحوّل ليس اندفاعًا ولا تبريرًا أعمى، بل قراءة واقعية لحال العالم. أنا مع إنشاء هكذا مجلس لأنني تعبت من الانتظار، ومن إعادة المشهد نفسه في كل أزمة جديدة. تعبت من حساب الخسائر بعد وقوعها، بدل البحث عن أدوات تمنعها. لسنا مضطرين للإيمان بالكمال كي نمنح الفرصة لما هو قابل للتنفيذ، خاصة عندما يكون البديل هو استمرار الفشل نفسه.
في نهاية المطاف، العالم لا يحتاج إلى مزيد من البيانات، بل إلى قرارات تُنفّذ. لا يحتاج إلى شرعية لا تحمي، بل إلى قدرة تردع وتُنهي النزاع. وحين يصبح السلام مشروعًا يُدار بالأدوات لا بالأمنيات، يتغيّر شكل القيادة العالمية، من دون إعلان صريح، لكن بوضوح لا يمكن تجاهله.











































































