اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٢٠ أذار ٢٠٢٦
يفاقم النزوح الواسع والانهيار الاقتصادي من هشاشة المجتمع، ما يجعل أي حرب طويلة الأمد تهديداً وجودياً يتجاوز البعد العسكري إلى تفكك اجتماعي أعمق، ويضع الدولة أمام اختبار غير مسبوق في قدرتها على الصمود.
تمدد الاعتداءات الإسرائيلية في لبنان، وصولاً إلى بيروت، ينذر بما هو أسوأ، وربما بما قد يكون كارثياً على مستقبل البلد. فحزام النار الذي يستهدف الضاحية الجنوبية، والضربات في الرملة البيضاء وعرمون ووسط العاصمة، إلى جانب قصف عشرات القرى والمدن في الجنوب والبقاع، يترافق مع توغل بري متزايد وإخلاء ما يقارب ربع مساحة البلاد. وفي موازاة ذلك، يتحدث الإعلام الإسرائيلي بكثافة عن التحضير لاستهداف البنى التحتية اللبنانية، وقد شرعت إسرائيل فعلاً في استهداف عدد من الجسور جنوباً. يحدث هذا كله وسط صمت إقليمي ودولي مقلق، يكاد يكون غير مسبوق حتى بالمقارنة مع اجتياح عام 1982، فيما تبدو فرنسا، التي تقود جهود وقف إطلاق النار، مترددة في اندفاعها.
في ظل انشغال القوى الكبرى بالمواجهة المباشرة مع إيران وتداعياتها في الخليج، يتراجع موقع لبنان على سلم الأولويات الدولية، ويُعاد التعامل معه كامتداد لجبهة إقليمية أوسع، لا كأزمة مستقلة تستدعي تدخلاً عاجلاً. هذا التحول في المقاربة الدولية يفتح الباب أمام احتمال تحويل لبنان إلى ساحة حرب طويلة الأمد، قد تمتد حتى ما بعد انتهاء المواجهة الدائرة اليوم في الخليج.
فلبنان، في سياق هذا الصراع الأوسع، يبدو هامشياً في الحسابات الكبرى، ما قد يؤدي إلى سقوط الخطوط الحمراء التي سمحت له بتجاوز حروب سابقة، ومنها تحييد مناطق لم تكن تُستهدف بشكل مباشر. ولم يكن استهداف القرى المسيحية في الجنوب إلا إشارة إسرائيلية في هذا الاتجاه. اليوم، يُنظر إلى لبنان، في الكثير من دوائر القرار الدولية، بوصفه جزءاً من محور تقوده إيران في هذه المواجهة.
انطلاقاً من ذلك، لن يأتي مسار التفاوض هذه المرة من الخارج كما في تجارب سابقة، ولا سيما عام 2006 حين قادت واشنطن وباريس مساراً تفاوضياً واضحاً، إذ لا تلوح اليوم أي مبادرة خارجية جدية لاحتواء التصعيد في لبنان. بل سيعتمد المسار بشكل أساسي على الدولة اللبنانية وقدرتها على تغيير المعادلة القائمة، وربما الأهم، على إعادة تعريف صورتها وموقعها.
فاستعادة الاهتمام الدولي، ولا سيما الأميركي والعربي، مشروطة بقدرة الدولة على اتخاذ خطوات ملموسة ضمن سياق المواجهة الإقليمية مع إيران، أي الحد من نفوذها وتقليص قدرتها على استخدام الساحة اللبنانية عبر حزب الله وشبكات مرتبطة بالحرس الثوري. هذه الخطوات لا تهدف فقط إلى تغيير الواقع الميداني فوراً، بل إلى إعادة تعريف موقع لبنان في أعين صانعي القرار الدوليين، وهو عنصر حاسم في تحديد مستوى الضغط أو الحماية التي يمكن أن يحظى بها.
صحيح أن ترحيل بعض عناصر الحرس الثوري من لبنان في مطلع آذار/ مارس الحالي، حظي باهتمام محدود في بعض العواصم، إلا أن هذه الخطوة تبقى رمزية وغير كافية. المطلوب يتجاوز ذلك بكثير، ولا يقتصر على مسار حصر السلاح. فحصر السلاح بيد الدولة، حتى لو تسارع، يظل مساراً طويلاً ومعقداً يحتاج إلى وقت لا يملكه لبنان اليوم لترجمة نتائجه سياسياً.
ما هو مطلوب بشكل أكثر إلحاحاً هو اتخاذ إجراءات سياسية ذات دلالات واضحة تعيد رسم موقع لبنان في هذا الصراع، وتمكّن الجهات التي لا تزال تراهن على الدولة اللبنانية في واشنطن وباريس والرياض والدوحة والقاهرة، من استعادة المبادرة في مواجهة الأصوات الأكثر تشدداً داخل هذه العواصم.
في هذا السياق، تبدو الحكومة بحاجة إلى قرارات واضحة المعنى والمغزى، تبدأ بخطوات سياسية تعيد تموضع لبنان إقليمياً، وتؤشر إلى مسار مختلف في إدارة علاقاته الخارجية. كما أن استعادة الثقة الداخلية والخارجية تقتضي تخصيص ميزانية استثنائية لتسليح الجيش، تتقدم على سائر الأولويات، باعتبار أن حماية حياة اللبنانيين وأمنهم هي الوظيفة الأولى للدولة، وبما يمكّن المؤسسة العسكرية من تعزيز قدرتها على بسط سلطتها ومنع أي نشاط عسكري خارج إطار الشرعية.
كذلك، على الحكومة أن تطرح تصوراً واضحاً لإطار التفاوض مع إسرائيل وأهدافه، وأن تخاطب به اللبنانيين مباشرة، بحيث لا يبقى الجدل محصوراً في مسألة التفاوض بحد ذاته، بل ينتقل إلى وقف العدوان وحماية السيادة.
في الداخل، يفاقم النزوح الواسع والانهيار الاقتصادي من هشاشة المجتمع، ما يجعل أي حرب طويلة الأمد تهديداً وجودياً يتجاوز البعد العسكري إلى تفكك اجتماعي أعمق، ويضع الدولة أمام اختبار غير مسبوق في قدرتها على الصمود.
في مقابل محاولات بعض دول المنطقة تجنّب الانخراط المباشر في المواجهة، لم يعد أمام الدولة اللبنانية ترف الانتظار. فالانحياز الى مصلحة الشعب اللبناني يمر عبر تموضع جيوسياسي واضح، يهدف إلى إخراج لبنان من قلب المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران.
يبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع الدولة اللبنانية إعادة تموضعها بما يكفي لتفادي أن تتحول إلى ساحة حرب طويلة؟ إن ضبط مستوى التدخل الإيراني في لبنان، بما يحدّ من استخدامه كساحة صراع، قد يشكّل شرطاً ضرورياً لتخفيف حدة العدوان الإسرائيلي وتقليص كلفته. أما الإجابة عن هذا السؤال، فستحدد ما إذا كان لبنان مقبلاً على جولة جديدة من الاحتواء، أم على حرب طويلة لا يملك مقومات تحمّلها.











































































