اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
استطاع الفنان جورج غروس (George Grosz) تحويل القبح اليومي إلى جمال صادم، إلى لوحة لا تترك المشاهد مرتاحاً، بل تجبره على مواجهة ما يحاول تجاهله. لم يكن غروس رسّاماً يبحث عن الجمال المثالي أو الانسجام البصري، بل كان مقاتلاً بالخطوط والألوان، يسخر من السياسيين، يفضح رجال الدين، ويعرّي الطبقة البرجوازية التي كانت، في نظره، شريكاً في خراب ألمانيا. فلوحته هذه كأنها مشهد مسرحي أسود رجال ببدلات أنيقة، وجوه منتفخة، ابتسامات صفراء، عيون نصف مغلقة، وأجساد مشوّهة كأنها بقايا بشر. في الخلفية، يظهر العسكر والهراوات، رمزاً للقمع الذي يحمي مصالح هؤلاء. اللوحة ليست مجرد رسم؛ إنها اتهام مباشر لهؤلاء فهم من يقودون المجتمع، وهكذا يبدو وجه السلطة حين يُعرّى من أقنعته. ينتمي جورج غروس إلى تيار التعبيرية الألمانية، لكنه سرعان ما انتقل إلى ما سُمّي لاحقاً بـ «الموضوعية الجديدة» (Neue Sachlichkeit)، أي الواقعية الساخرة. هذا الاتجاه وُلِد في ألمانيا بعد الهزيمة في الحرب العالمية الأولى (1914–1918)، حيث كان الفنانون يشعرون بأن التعبيرية الرومانسية لم تعد تكفي للتعبير عن واقع مليء بالجثث والفقر والخيبة. فهل يمكن لفن السخرية أن يكون أكثر فتكاً من الخطابة؟
استطاع الفنان جورج غروس تحويل الفن من مساحة للجمال والزينة إلى أداة هجاء سياسي وأخلاقي، يكشف عبر السخرية السوداء وتشويه الوجوه قبح السلطة والفساد الاجتماعي. أعماله ليست لوحات للزينة، بل مرآة سوداء تفضح المجتمع وتضعه أمام نفسه، وهو ما يجعل فنه لا يزال راهناً اليوم في عالم يكرر نفس أشكال الفساد والابتسامات المزيفة. فالسخرية عند غروس ليست خفيفة، وليست مرحة. إنها سخرية سوداء، تجعلنا نضحك على بشاعة المشهد، ثم نشعر بالمرارة. هو يجبرنا أن نرى السياسي كدمية هزلية، لكننا في الوقت نفسه نرى خطورة أن تكون حياتنا مرهونة بأيدي هؤلاء. بهذا المعنى، هو قريب من تقاليد الكاريكاتير السياسي، لكنه نقل هذا الفن من الصحيفة إلى اللوحة الزيتية، ومن التعليق اليومي إلى الذاكرة البصرية الجماعية.
لوحاته اليوم تبدو كأنها نبوءة ففي كل عصر، نجد تلك الوجوه المنتفخة، تلك الابتسامات الصفراء، ذلك التواطؤ بين السلطة والمال والدين. غروس يذكّرنا أن الفن ليس رفاهية، بل أداة مقاومة، وأن السخرية ليست ضعفاً، بل قوة تجرح وتكشف. ولهذا، تبقى لوحاته حاضرة، كمرآة سوداء نجرؤ بالكاد على النظر فيها، لكنها تقول الحقيقة التي نخاف أن نواجهها. كأن الجمال عبارة عن خرق تنكشف خلفه أوجه الفساد. هو لم يخفِ عنّا بشاعة عالمه، بل جعلنا نراها أمامنا من دون أي تلاعب أو تجميل. وبذلك، أصبح الفن أداة احتجاج ووعي في وجه الظلم، وفي وجه الجمال الزائف الذي يقدمه البعض كأداة تسويقية لخداع المجتمع.
قد يخيّل إلينا أن لوحات جورج غروس تنتمي إلى زمن مضى ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الأولى، صعود النازية، انهيار القيم التقليدية. لكن حين نتأمّل الوجوه المنتفخة والابتسامات الماكرة التي رسمها، ندرك أن هذه المسوخ الاجتماعية لا تزال بيننا. فما أكثر السياسيين الذين يبتسمون أمام الكاميرات فيما يمرّرون صفقات مشبوهة، وما أكثر رجال الدين الذين يتواطؤون مع السلطة، وما أكثر النخب التي تعيش في أبراجها العاجية بينما الشارع يغلي. في زمن العولمة الرقمية، تحوّلت السخرية إلى «ميمز» وصور ساخرة تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن جذورها تمتد إلى فن غروس، الذي فهم مبكراً أن الضحك قد يكون سلاحاً أكثر فتكاً من الخطابة. أن تجعل الفاسد يبدو أضحوكة أمام الناس هو شكل من أشكال المقاومة. فهل يمكن للفن أن يكون أداة فعّالة في مواجهة السلطة والفساد؟
ولهذا، حين نعيد النظر في أعمال غروس اليوم، لا نفعل ذلك فقط بدافع الفضول التاريخي، بل لأننا نحتاجه كبوصلة بصرية وأخلاقية. إنه يذكّرنا أن مهمة الفن لا تنحصر في الزينة والمتاحف، بل قد تكون في الشارع، في الصحيفة، في صرخة اللون والخط، حيث يقف الفنان شاهداً على عصره، ويضع المجتمع أمام صورته الحقيقية. فهل الفن بحاجة إلى الجمال ليكتمل؟ أم أن الجمال ليس سوى الغطاء الذي يخبئ القبح وراءه، بينما يبقى الفن الحقيقي هو الذي يفضح هذا القبح، فماذا لو كان القبح هو الطريق الوحيد لرؤية الحقيقة في عالمنا المعاصر؟











































































