اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٦ شباط ٢٠٢٦
ماذا يقولُ القلمُ حين يرتجفُ النبضُ من هول الفاجعة؟ وكيف للكلمات أن تلملم شتات الروح بعد هذا الخبر الذي نزل على قلبي كالصاعقة، فهزّ كياني وأربك وجودي؟ أيُّ رحيلٍ مباغتٍ هذا الذي خطفك منا يا سهيل، وأنت الذي كنتَ للوفاء عنواناً، وللذاكرةِ حصناً، وللحلمِ البيروتيّ ملاذاً؟
يا أبا سارة.. يا رفيقَ الشغفِ المعتّق..
لا أصدّق أنني أنعيك اليوم، وبالأمس القريب كان صوتك يملأ المدى، ويُحيك معي خطط الغد. كنا نغزل معاً خيوط الضوء لاستقبال هلال رمضان القادم، ونتجاذب أطراف الحديث عن تلك المقالات التي كنا نعدّها لنُحيي بها تراث مدينتنا ونبعث الروح في زواياها المنسية. كنتَ تنتظر ما سأكتبه بلهفةِ المحبّ، وتترقّب الحروف لتنشرَها وتنفخ فيها من روحك وعشقك، تماماً كما كنت تفعل دوماً مع كل حرفٍ يوثق تاريخ بيروت؛ تلك المدينة التي «تيمّمتَ» بترابها، وعشقتها حتى الذوبان، وجعلت من حكاياتها صلاتك اليومية.
اليوم، تنعى بيروتُ «سهيل منيمنة»؛ حارسَ إرثها، ومؤرشفَ أحلامها، وبوصلةَ هويتها.
لقد كنتَ الرجل الذي لم يجمع الورق والمعدن كقطعٍ صمّاء، بل كنتَ تجمع شتات هويةٍ ينهشها الضجيج ويغتالها الإهمال، يا من كنتَ المؤرخ الذي لا يكتب بالحبر، بل بدم القلب المحب.
يا وجعَ بيروت في غيابك يا سهيل..
لقد اعتصر قلبك حزناً نبيلاً على ما آلت إليه «معشوقتك» بيروت. رأيتَ ملامحها تتغيّر، وبيوتها تتهاوى، وروحها تُسلب، وكأن قلبك الكبير لم يعد يقوى على تحمّل انكسار قلب المدينة أكثر. فاخترتَ الرحيل بصمتٍ مهيب، مخلفاً وراءك فراغاً لا يملؤه إلّا الإرث العظيم الذي صنتَه برموش العين. رحلتَ لأنك كنتَ أنقى من هذا الزمن الرديء، وأوفى من أن ترى تراث مدينتك يذبل ويموت أمام ناظريك وأنت الذي نذرتَ عمرك ليبقى حيّاً.
بذهابك يا سهيل منيمنة، فقدت بيروت حارس ذاكرتها اليقظ، وفقد التراث البيروتي واحداً من أشرس المدافعين عن الذاكرة الجماعية في وجه التصحّر الثقافي. من سيُعيد الآن نشر حكايات «الزمن الجميل» بنفس ذاك الشغف؟ ومن سيقف بصلابةِ المؤرخِ وعاطفةِ العاشقِ ليقول للنسيان: «قف، فهنا كانت بيروت، وهنا ستبقى»؟
نَمْ قرير العين يا أبا سارة..
لقد أدّيتَ الأمانة حتى النفس الأخير، وزرعتَ فينا، نحن رفاق دربك، شغف الاستمرار وأمانة الحفاظ على «بيروتنا». ستبقى صورتك حاضرة مع كل مقالٍ نكتبه، ومع كل طابعٍ نلمسه، ومع كل زاويةٍ في شوارع بيروت التي بكيتها طويلاً، واليوم تفتح ذراعيها لتبكيك وتضمّك إلى ثراها الذي أحببت.
رحمك الله يا سهيل، وأسكنك فسيح جناته، وإنّا على فراقك يا حارس الذاكرة، ويا رفيق القلم، لمحزونون.. محزونون.











































































