اخبار لبنان
موقع كل يوم -النشرة
نشر بتاريخ: ٥ كانون الأول ٢٠٢٥
أشار متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة إلى أن 'الظروف الاقتصادية تضغط على الجميع، لكن العطاء موقف القلوب الكبيرة، لافتا إلى أن الأرملة الفقيرة وضعت فلسين في صندوق الهيكل إذ رأت في العطاء نافذة نحو الله، ومسيحنا الذي رأى عملها، لم يمدح قيمة المال بل قيمة المحبة التي حملتها تلك اليد المرتعشة'.
وفي كلمة في العشاء الذي أقامته جمعية القديس بورفيريوس، في مناسبة عيد شفيعها القديس بورفيريوس الرائي، في Seaside Pavillon برعاية المطران عودة، تحت عنوان 'إضاءة السبيل من أجل بناء المستقبل' لأن ريعه يعود لمساعدة طلاب مدارس أبرشية بيروت الخمسة (مدرسة الثلاثة الأقمار، مدرسة زهرة الإحسان، ثانوية مار الياس بطينا، مدرسة البشارة الأرثوذكسية، وثانوية السيدة الأرثوذكسية)، وهي من أبرز المؤسسات التربوية ورائدة في اعتماد منهجية الدمج والوسائل التفاعلية وفي إعداد الكتب الرقمية، لفت إلى أنه 'في زمن تنشغل فيه دولتنا بشتى الأمور السياسية، نجد إنسان هذه الأرض الكريمة قابعا تحت وطأة الفقر والتعب والحزن والقلق، إلا أن الكنيسة تعمل من أجل الإنسان أولا، لأنها ترى فيه المسيح متجسدا'.
ولفت إلى أن 'القديس باييسيوس الآثوسي يقول: الكنيسة ليست وزارة شؤون إجتماعية لكنها تقوم بواجبها في زمن أظلمت فيه قلوب حكام العالم وأغلقت عيونهم عن المسكين والبائس. يتسابقون على شراء الأسلحة وينفقون المليارات. لماذا؟ ألكي يشنوا الحروب ويقتلوا الأبرياء ويبيدوا الحضارات؟ لم يعد للحياة قدسية في عالمنا، ولا للموت حرمة'، مضيفا: 'أصبح الإنسان سلعة وعددا. القتلى يحصون بالآلاف دون الإكتراث إلى كرامتهم وقيمتهم. لو تنفق المليارات على تعليم الأجيال وإطعام الجياع هل كان عالمنا بهذه القسوة؟ وهل كانت حياة الإنسان فارغة وأحيانا عقيمة؟'.
وشدد على أن 'الله لا يطلب منا تغيير العالم دفعة واحدة، بل تغيير حياة إنسان واحد على الأقل في كل مرة'، مشيرا إلى قول القديس بورفيريوس: 'المحبة لا تحسب بالكمية، بل بالنية. أعط قليلا بمحبة، فيصير كثيرا أمام الله'، قائلا: 'هذا ما نحن مدعوون إليه الليلة وكل أيام حياتنا'.
كما أكد أن 'جمعية القديس بورفيريوس التي تجمعنا اليوم، لم تنشأ لتكون رقما على لائحة الجمعيات، بل لتكون شمعة مضاءة في عالم مظلم، تحكمه الأنانية والمصلحة والسلطة والمال، يعاني فيه كثيرون، والأطفال بشكل خاص، الذين تثقل ظروف الحياة كاهل أهلهم، فيجدون أنفسهم عاجزين عن تأمين تكاليف تعليمهم أو شراء حاجاتهم الضرورية'، مشيرا إلى أن 'هذه المبادرة المباركة، إلى كونها دعما ماديا، هي إعلان إيمان بأن بناء المستقبل يبدأ بإنارة طريق طفل يؤمن له حق التعلم لكي ينمو عقله، وتثقل نفسه، وتزرع فيها بذور الكرامة والحرية والإبداع'.
وأوضح أنه 'في الإنجيل يتصدر العطاء لائحة الفضائل التي بني عليها إيماننا. الرب لم يقدم الأمثال والتعاليم فقط، بل قدم ذاته. منذ اللحظة الأولى لخدمته العلنية كان يدعو الإنسان إلى الرحمة ومشاركة الخير. قال في عظته على الجبل: فليضئ نوركم قدام الناس، ليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات'، لافتا إلى أن 'نور الإنسان لا يضيء بالكلام، بل بالفعل الذي يشهد للمحبة، ونحن اليوم، بتقديمنا المعونة لمحتاجيها، لا نعطي مالا، بل نشعل نورا لن يطفئه الزمن مهما عصفت الحروب وكثرت الأزمات، لأننا نستثمر في الإنسان، نصقل عقولا، نبني مواطنين مسؤولين، يتمتعون بحس التمييز والنقد، وقادرين على مواجهة التحديات. نفتح آفاقا لشابات وشبان سيكونون بناة المستقبل، وعنوان التغيير والإبداع'.
كما شدد على أن 'رسالة العطاء في الكتاب المقدس تضعنا أمام حقيقة أن النور يشع حين يختار الإنسان أن يكون أداة بيد الله، حيث يقول الرسول بولس: 'الله يحب المعطي المتهلل'، والعطاء ينتج من تحرر القلب من أنانيته، جاعلا ذاته في خدمة الآخر'.
وأضاف: 'هنا نتذكر القديس بورفيريوس الرائي، الذي اتخذته جمعيتنا شفيعا، وتحمله عنوانا وبركة. إنه رجل لم يبن تعليمه على الكلام المنمق، بل على البساطة التي تحرك الأعماق. رأى في كل إنسان أيقونة لله، وعلم أن العطاء ليس مجرد مساعدة إنما مشاركة في نور المسيح. قال: المحبة الحقيقية تنير العقل والقلب، وتفتح الطريق أمام الإنسان ليفهم إرادة الله في حياته'، معتبرا أن 'ما تقوم به جمعية القديس بورفيريوس الليلة محاولة متواضعة لتجسيد هذه المحبة التي تتخطى حدود الذات'، وتابع: 'قال أيضا: لا تخافوا من تقديم الخير، فكل عمل صالح تقدمونه لمحتاج يبني الله به حجرا في نفوسكم، ويفتح لكم طريقا لم تحلموا بها'، قائلا: 'كم نحتاج هذه الكلمات اليوم! فالمستقبل لا يبنى بالصدفة واللامبالاة، ولا بالقوة التي يستخدمها كثيرون حولنا ظانين أنهم الغالبون، بل بالمحبة التي تصنع مساحاته الصغيرة، إلى أن يصير بناء لا يتزعزع'.
وأكد أنه 'حين يدعم التعليم تزرع بذور الأمل. نقرأ في سفر الأمثال: درب الفتى بحسب طريقه، فمتى شاخ لن يحيد عنه (22: 6)'، لافتا إلى أن 'الطريق الذي نتحدث عنه ليس طريق الكتب فقط، بل طريق الإنسان المؤمن المبني على المحبة والصدق والرحمة والعطاء'، موضحا 'أنيروا الطريق. هذه دعوة إلهية. الله نفسه، في بدء الخلق، جعل النور أول أعماله. فإن كنا على صورته ومثاله، علينا أن نكون مصدر نور، ولو كان شعلة صغيرة، إذا جمعت صارت مصباحا كبيرا. في زمن الضياع الذي نعيشه، يذكرنا القديس بورفيريوس أن رجاءنا لم يعتمد يوما على الظروف، بل على حضور الله. قال: لا تحزنوا على الظلام في العالم، بل أشعلوا نورا صغيرا، والله يكمله'.
كما توجه بالشكر إلى رودولف سعاده، الذي 'عاين ما خلفه تفجير المرفأ في أبرشيتنا من دمار وتخريب في كنائسنا ومدارسنا وكافة مؤسساتنا وبخاصة مستشفى القديس جاورجيوس، فأخذ على عاتقه ترميم دار المطرانية الأثري الذي شيد عام 1860 ولم يبق منه إلا الهيكل الخارجي إنما بلا سقف. رودولف، أنت مثال في المحبة والعطاء يحتذى به، ومفخرة لكنيستنا ولوطننا. باركك الله وجازاك أضعافا'.
تجدر الإشارة إلى أن جمعية القديس بورفيريوس تأسست في العام 2002 بهدف مد يد العون للمرضى والمسنين والطلاب الذين يعجز أهلهم عن تعليمهم. وقد ضاعفت نشاطها بعد انفجار المرفأ ليشمل العائلات التي فقدت منازلها، فقدمت لها المساعدات العينية وساعدتها في ترميم المنازل وتجهيزها.
وشارك في العشاء السيدة منى هراوي، نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس جامعة القديس جاورجيوس طارق متري، بالإضافة إلى نواب ووزراء حاليين وسابقين، رئيس الجمعية جاك صراف وأعضاء هيئتها الإدارية، مدراء المؤسسات الأرثوذكسية وأصدقاء الجمعية من قضاة ونقابيين وكهنة وأطباء.
وكانت جوقة مدارس بيروت الأرثوذكسية قد افتتحت الأمسية بالصلاة فالنشيد الوطني، ثم قدمت لوحة فنية رائعة. ثم كانت كلمة ترحيبية لرئيس الجمعية جاك صراف، تلاها عرض قدمه المهندس فضل الله داغر حول ترميم دار مطرانية بيروت الأثري المشيد عام 1860. والختام مع كلمة راعي الإحتفال سيادة المتروبوليت الياس عوده، الذي شكر رودولف سعادة على دعمه مشروع ترميم دار المطرانية وقدم له أيقونة كبيرة للقديس بورفيريوس الرائي.
وخلال العشاء قدمت غنوة نمنم عزفا رائعا على القانون كما تألقت الفنانة كارلا شمعون في غنائها.











































































