اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٣٠ أذار ٢٠٢٦
في الحروب الكبرى، لا يكون الحسم السريع دائماً هو الهدف، ولا يُقاس النجاح فقط بسرعة إسقاط الخصم أو حجم التدمير المباشر. أحياناً، تكون الحرب نفسها أداة لإدارة مرحلة كاملة، لا مجرد وسيلة لإنهاء معركة. ومن هذه الزاوية، تبدو الحرب على إيران، حتى الآن، أقرب إلى حرب إدارة مسار لا إلى حرب ضربة قاضية. فالمشهد يوحي بأن المطلوب لا يقتصر على توجيه إصابة عسكرية موجعة أو تدمير منشآت ومراكز قيادة، بل يتعداه إلى توظيف النار نفسها لإنتاج واقع سياسي وأمني واقتصادي جديد في المنطقة.
في هذا النوع من الحروب، لا يكون الزمن عنصراً ثانوياً، بل جزءاً أساسياً من السلاح. لذلك، لا تأتي الضربات دائماً بهدف الحسم السريع، بل لفتح مسار استنزاف طويل يُعيد ترتيب الأوراق تدريجياً. ضربة تُربك، ثم انتظار يُربك أكثر، ثم نافذة تفاوض، ثم تصعيد جديد، في مشهد لا يشبه الحروب التقليدية التي تنتهي عند أول تفوق ناري واضح. فالمعركة هنا لا تُدار فقط لإضعاف إيران عسكرياً، بل لإعادة صياغة البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها، وتقليص قدرتها على استعادة دورها السابق بسهولة بعد توقف النار.
والأهم أن إطالة أمد الحرب تمنح القوى المنخرطة فيها فرصة تحصيل أكبر كم ممكن من المكاسب بعيدة المدى. فالحسم السريع قد يحقق نصراً عسكرياً، لكنه لا يضمن بالضرورة تثبيت وقائع استراتيجية دائمة. أما الحرب الطويلة، فهي تتيح فرض معادلات أمنية جديدة، وإعادة رسم حدود النفوذ، والتحكم بممرات الطاقة والتجارة، وفرض ترتيبات إقليمية يصعب انتزاعها في لحظة خاطفة. بمعنى آخر، ما يُراد قد لا يكون فقط إضعاف إيران، بل إعادة هندسة موقعها الإقليمي ودورها المستقبلي.
وليس هذا النمط جديداً في الحروب الكبرى. فالتاريخ مليء بمواجهات لم يكن الهدف منها الحسم العسكري السريع بقدر ما كان إعادة تشكيل التوازنات وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة. ففي حرب الخليج الثانية عام 1991، لم يكن المطلوب فقط إخراج العراق من الكويت، بل أيضاً إضعافه عسكرياً وإعادة ضبط ميزان القوى في الخليج لسنوات. وفي غزو العراق عام 2003، لم يكن إسقاط النظام وحده هو الهدف، بل إعادة رسم البنية السياسية والأمنية للبلاد والمنطقة، حتى ولو دخلت الحرب لاحقاً في مسار استنزاف طويل. والأمر نفسه انسحب على الحرب في أفغانستان، التي تحولت بعد إسقاط طالبان إلى إدارة طويلة لمسرح استراتيجي، وكذلك على الحرب السورية التي طال أمدها وتحولت إلى مساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية، من دون استعجال الحسم طالما أن استمرار الصراع كان يحقق مصالح متشابكة لأطراف عدة.
أمنياً، الهدف لا يبدو فقط تدمير قدرات آنية، بل خفض التهديد الإيراني المستقبلي إلى أدنى حد ممكن، سواء عبر استنزاف البنية العسكرية، أو عبر تقليص هامش الحركة الإقليمي، أو عبر فرض قواعد اشتباك جديدة تجعل أي عودة لاحقة إلى سياسة التمدد أكثر كلفة وتعقيداً. وهنا، لا تكون الحرب مجرد رد على خطر قائم، بل أداة استباقية لإعادة هندسة التهديد نفسه، بحيث يصبح أكثر قابلية للضبط وأقل قدرة على التحول مجدداً إلى عامل ابتزاز إقليمي.
أما اقتصادياً، فالحرب الطويلة تفتح الباب أمام إعادة ترتيب خرائط الطاقة والنقل والتجارة في المنطقة. فكل اهتزاز طويل في الخليج والممرات البحرية يرفع قيمة البدائل، ويُسرّع في مشاريع الالتفاف على النقاط الحساسة، ويعيد توجيه الاستثمارات والتحالفات الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، يتحول الاقتصاد الإيراني نفسه إلى ساحة استنزاف موازية، بحيث لا يقتصر الضغط على الميدان العسكري، بل يمتد إلى قدرة الدولة على التمويل، وإعادة البناء، وإدامة النفوذ. وهنا بالذات، يصبح الزمن أداة ضغط لا تقل فاعلية عن الصاروخ والطائرة.
وجيوسياسياً، لا تبدو المسألة منفصلة عن محاولة إعادة ضبط التوازن الإقليمي لسنوات مقبلة. فالحرب هنا قد تكون وسيلة لإعادة تحديد من يملك زمام المبادرة، ومن يتحكم بالممرات، ومن يفرض قواعد الردع، ومن يجلس إلى طاولة التسويات من موقع القوة. وهذا النوع من الأهداف لا يتحقق غالباً بضربة سريعة، بل يحتاج إلى وقت، وضغط متراكم، ومسار طويل من إعادة تشكيل الوقائع، بحيث تتحول الحرب من معركة ميدانية إلى أداة لإنتاج شرق أوسط مختلف في قواعده وحساباته.
أن عدم حسم الحرب على إيران سريعاً قد لا يكون دليلاً على التردد، بل تعبيراً عن قرار بإدارة المعركة كأداة لتحصيل الحد الأقصى من المكاسب الاستراتيجية المستدامة. فالسياسة هنا لا تريد فقط انتصاراً عسكرياً، بل تريد شرقاً أوسط مختلفاً بعد الحرب: أكثر انضباطاً أمنياً، أكثر قابلية لإعادة ترتيب المصالح الاقتصادية، وأكثر خضوعاً لمعادلات جيوسياسية جديدة. وعندما يكون العسكر في خدمة هذا الهدف، لا تعود الحرب مجرد مواجهة نار، بل تصبح مشروع إعادة تشكيل كامل لما بعد النار.











































































