اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٨ شباط ٢٠٢٦
لا يزال التعثر السياسي سمة المرحلة الراهنة في العراق، الغارق من جهة في أتون التجاذبات الداخلية والصراع على تقاسم قالب الجبنة الحكومي، والمتأثر من جهة ثانية بالرياح الخارجية العاتية الناجمة عن ارتدادات الكباش النووي بين إيران والولايات المتحدة، والذي يمكن أن ينزلق في أي وقت إلى صراع عسكري، ربما يغيّر وجه المنطقة المضطربة أصلًا، متى نفد صبر قاطن البيت الأبيض من مراوغات ملالي طهران التفاوضية، وتفننهم في لعبة كسب الوقت وسياسة الهروب إلى الأمام.
يمضي رئيس ائتلاف دولة القانون، رئيس الحكومة الأسبق لولايتين متتاليتين نوري المالكي، في تمسّكه بترشيحه لرئاسة الحكومة العتيدة، مستندًا إلى تفويض سابق منحه إيّاه، بالغالبية وليس بالإجماع، الإطار التنسيقي، وهو التحالف الشيعي الحاكم، الذي ظفر في الانتخابات التشريعية الأخيرة بالعدد الأكبر من المقاعد البرلمانية. بيد أن إمساك المالكي بورقة ترشيحه رغم اصطدامها بجدار الرفض الأميركي، زاد من تعقيد المشهد السياسي في بلاد الرافدين، وأدخلها في فراغ دستوري قد يكون طويلًا، وهي الدولة التي اعتادت الفراغ، بعد عام 2003، عندما قلبت واشنطن نظام حكم بغداد رأسًا على عقب.
تَشي أجواء العراق السياسية بأن التفاهمات في شأن تشكيل الحكومة الموعودة لا تزال بعيدة عن الاتفاق النهائي، لا بل تراوح في مربّعها الأوّل، مع إخفاق مكونات الإطار حتى الآن في إقناع المالكي بسحب ترشيحه من تلقاء نفسه، تفاديًا للتصويت على سحب هذا الترشيح، ما سينعكس سلبًا على وحدة الإطار، التي باتت على المحك. فالمالكي الذي دعا مرارًا إلى عقد اجتماعات لـ الإطار للبحث في المعضلة الحكومية، والتي كان يؤمل منها أن تنتهي بالاتفاق على سحب ترشيحه، تمهيدًا للاتفاق على اسم آخر، تعمّد التغيّب عنها وتطيير انعقادها، لا بل ذهب بعيدًا في تأكيد إصراره على التمسّك بترشيحه.
وإذا كانت المواقف المجاهَر بها من قبل غالبية الأفرقاء السياسيين، تدعو للمضي قدمًا في رحلة الألف ميل الديمقراطية، والترفع عن صغائر الأمور، تمهيدًا للاتفاق على اسم رئيس الحكومة الشيعي، كما على اسم رئيس الجمهورية الكردي، إلّا أن العوامل الخارجية العابرة للمحيطات والمتمثلة بـ الفيتو الترامبي على المالكي، معطوفة على الإملاءات الإيرانية على الإطار، الذي يدور في فلك طهران، تحوّلت إلى عنصر حاسم في صناعة القرار السياسي في بلاد الرافدين، لا بل إن غياب الضوءين الأخضرين الأميركي والإيراني عن أي شخصية سياسية، يمكن أن يحرمها من تبوؤ أي مركز متقدّم في رأس الهرم.
من نافل القول إن استفحال الأزمة السياسية في العراق ودورانها في حلقة مفرغة، مردهما إلى تعارض، لا بل تصادم النفوذين الأميركي والإيراني في هذا التوقيت فوق التراب العراقي. ففيما نظام الملالي بأمسّ الحاجة إلى الإمساك بأوراق تفاوضية عراقية قوية في يده، لمقارعة الإدارة الأميركية بها على طاولة جنيف، بلغ الأمر ببعض صقور الإدارة الأميركية حدّ التلويح بإعادة تقييم العلاقة مع بغداد، في حال انتهاجها مسارات تتعارض والمصالح الأميركية، خصوصًا لناحية ملف السلاح المتفلّت في أيدي الميليشيات العراقية التي تدين بالولاء لإيران، أو في حال عودة شخصيات عراقية إلى المشهد السياسي، تعدّها واشنطن سببًا لتسعير توتر إقليمي، من أمثال المالكي، الذي يعتبره قائد سفينة العمّ سام، رجل طهران القوي في بغداد.
يبقى لقابل الأيام أن تحدّد مصير المسار السياسي في العراق، حيث ثبُت أن تمسّك المالكي بترشيحه يتعدّى كونه طموحًا شخصيًا، ليرتبط عضويًا بمسار التطورات السياسية في المنطقة، خصوصًا لدى جارته الأقرب إيران، التي ما انفكّت تقارع أعتى قوة عسكرية في العالم.











































































