اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٥ أذار ٢٠٢٦
مسلسل 'مولانا' نسخة من فيلم إيراني. هكذا وُصف العمل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد أن أثار عرضه منذ بداية شهر رمضان المبارك موجة واسعة من الجدل والنقاش. اذ لاحظ عدد من المشاهدين تشابهًا لافتًا بين المسلسل السوري والفيلم الإيراني 'السحلية'، لا سيما في الخط الدرامي الأساسي، حيث يجد البطل نفسه هاربًا من الملاحقة، ليصل إلى قرية يتعامل أهلها معه بصفته رجل دين، ضمن إطار الخداع أو القتل أو السرقة.
أمام هذا التشابه، يبرز سؤال أساسي: هل 'مولانا' مستوحًى من 'السحلية' أو مقتبس عنه بصورة مباشرة، أم أن الأمر لا يتجاوز حدود توارد الأفكار؟
'السحلية'
يروي الفيلم الإيراني قصة لصّ محترف يُلقّب بـ'السحلية' لقدراته المتكررة على الهروب من السجن. بعد اعتقاله، يُنقل إلى المستشفى لتلقّي العلاج، هناك يتعرّف إلى رجل دين يتلقى العلاج في المكان نفسه، ويمضي معه عدة أيام. ومع اقتراب موعد خروجه، يبدأ في البحث عن وسيلة للفرار، فيخطر له أن يسرق ملابس رجل الدين ويتخفّى بهويته.
منذ اللحظة التي يغادر فيها باب المستشفى مرتديًا الزيّ الديني، تنطلق رحلته الجديدة هاربًا من ماضيه. يسعى للحصول على جواز سفر مزيف يؤمّن له طريق النجاة، غير أن الأقدار تقوده إلى قرية صغيرة يظنّ أهلها أنه الإمام الجديد المنتظر، فيطلبون منه إمامة الصلاة وإلقاء الخطب في المسجد، فيجد نفسه مضطرًا إلى مسايرة الناس حتى لا يُكشف أمره، لكن احتكاكه اليومي بأهالي القرية وبساطة حياتهم يبدأ تدريجيًا في التأثير عليه.
الفيلم بمختلف أحداثه الكثيرة، يجمع الفيلم بين الكوميديا والنقد الاجتماعي، مقدّمًا معالجة إنسانية ساخرة لقضية الهوية والتديّن والبحث عن الخلاص.
'مولانا'
أما 'مولانا'، فتنطلق أحداثه مع إقدام جابر أو 'زابر' (تيم حسن) على قتل زوج أخته، وهو عنصر أمني، دفاعًا عنها، ليجد نفسه مطاردًا ومضطرًا إلى الفرار نحو اللاذقية. في الطريق يتعرّف إلى سليم العادل، العائد إلى قريته لتحصيل إرثه، فيعرض عليه مرافقته والعمل معه. لكن كل ذلك يتغير بعد مقتل سليم العادل بحادث سيارة،ليستغل 'زابر' الفرصة وينتحل شخصية سليم متوجها إلى قرية العادلية من أجل الهرب خارج البلاد كون القرية حدودية.
في العادلية يستقبلها أهلها وكأنه 'المخلص'، ويلقبونه بمولانا، نسبا لعائلته، كونوأحد أجداده كان وليّاً. وفي محاولته الأولى، يفشل جابر أو 'زابر' في الهروب، ومع انكشاف تفاصيل المكان، ويدرك أنه لا يمكن مغادرة القرية متى شاء، ويبقى عالقا فيها لينخرط تدريجيًا في قضايا أهلها،.
وبين شدّ وجذب، يقدّم العمل أبعادًا اجتماعية وسياسية واضحة، متناولًا إشكاليات النفوذ والهوية والدين وتوظيف السلطة، ضمن بناء درامي يقوم على التوتر المتصاعد والتحولات النفسية، مع نفَس كوميدي يتجلّى في أسلوب جابر وحدّته الساخرة في الكلام والتصرّف.
بين 'مولانا' و'السحلية'
يبرز تشابه واضح في الثيمة الأساسية للعملين؛ إذ يهرب بطل كلٍّ منهما من الملاحقة، ويلجأ إلى انتحال هوية دينية بوصفها وسيلة للتخفي وتفادي انكشاف حقيقته. غير أن هذا التقاطع في الفكرة العامة لا يلغي وجود اختلافات جوهرية في البناء الدرامي والسياق والمعالجة.
أولًا، من حيث الشخصيات ومنطلقاتها، كون جابر يفرّ بعد تورّطه في جريمة قتل ليجد نفسه مدفوعًا إلى تبنّي هوية لم يخطط لها مسبقًا. أما رضا في 'السحلية'، فيهرب أثناء قضائه عقوبة السجن بتهمة السرقة، ويتخذ قرار انتحال صفة رجل الدين عن قصد.
كذلك تختلف نقطة التحوّل في العملين؛ فجابر يصل إلى قرية العادلية طامعًا في المال والهروب، من دون أن يعرف أنه سيصبح 'مولانا'، بينما يبدأ رضا تنكّره بإرادة واضحة منذ لحظة خروجه من المستشفى.
ثانيًا، على مستوى الطابع الفني، ينتمي 'مولانا' إلى الدراما الاجتماعية ذات البعد السياسي، ويعتمد مقاربة واقعية تضع الشخصية في مواجهة مباشرة مع شبكات النفوذ والسلطة. في المقابل، يُصنَّف 'السحلية' فيلمًا كوميديًا ساخرًا يوظّف المفارقة والتهكم لطرح نقد اجتماعي وديني، مستندًا إلى خفة الظل أكثر من الصدام المباشر.
أما من حيث طبيعة الصراع، فيتمحور 'مولانا' حول صراع خارجي واضح بين الفرد ومؤسسات القوة، ويتناول قضايا الأرض والسيطرة والضغط الأمني، فيما يجمع 'السحلية' بين الصراعين الداخلي والخارجي، إذ يركّز على أزمة الهوية وإمكان التوبة والتحوّل الشخصي، إلى جانب نظرة المجتمع إلى رجل الدين.
وعليه، يبدو أن التشابه بين العملين يظل محصورًا في الإطار العام للفكرة، بينما تتباين الرؤية الدرامية والرهانات الفكرية في كل منهما، ما يجعل المقارنة أقرب إلى تقاطع في الثيمة لا إلى اقتباس مباشر.
من يتابع العملين يلحظ فروقات جوهرية في البناء الدرامي ومسار الأحداث وتشكيل الشخصيات، بحيث يتضاءل أساس المقارنة إلى حدّ كبير، فضلًا عن اتهام أحدهما باستنساخ الآخر. صحيح أن ثيمة انتحال هوية رجل دين بدافع الهروب ليست جديدة، وقد طُرحت في أعمال متعددة حول العالم، غير أن قيمة كل عمل تتحدد بسياقه، ومعالجته، ورؤيته الفنية، لا بمجرد تقاطع في الفكرة العامة.











































































