اخبار لبنان
موقع كل يوم -اندبندنت عربية
نشر بتاريخ: ١٩ أذار ٢٠٢٦
في الحساب الإسرائيلي إنهاء الحرب مع طهران قبل 'تصفية الحساب' في بيروت قد يعني السماح لـ'حزب الله' بالتقاط أنفاسه وإعادة التموضع
في خطوة كانت متوقعة، أعلن الجيش الإسرائيلي أن قوات الفرقة 91 بدأت أخيراً عمليات برية محدودة وموجهة ضد معاقل رئيسة لـ'حزب الله' في جنوب لبنان لتعزيز الدفاع الأمامي. وكان رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير وجَّه بتعزيز منطقة قيادة المنطقة الشمالية ونقل فريق القتال التابع للواء غولاني من قيادة المنطقة الجنوبية للعمل في منطقة قيادة المنطقة الشمالية، أي الحدود الجنوبية للبنان.
وفي بيان قال الجيش الإسرائيلي إن 'رئيس الأركان أجرى تقييماً للوضع في أعقاب التطورات المختلفة في عملية (زئير الأسد) بمشاركة قادة آخرين'، ووجه زامير 'بتعزيز منطقة قيادة المنطقة الشمالية ونقل فريق القتال التابع للواء غولاني من قيادة المنطقة الجنوبية للعمل في منطقة قيادة المنطقة الشمالية'. وأضاف البيان 'لاحقاً ووفقاً لتقييم الوضع سيتم اتخاذ قرار في شأن تعزيز القيادة بقوات إضافية'، وأكد أن الجيش الإسرائيلي 'سيواصل العمل بقوة ضد (حزب الله) الذي قرر الانضمام إلى المعركة والعمل برعاية النظام الإيراني ولن يسمح بالمساس بمواطني دولة إسرائيل'.
تزامن إعلان الجيش الإسرائيلي بدء عملية برية في جنوب لبنان، مع إلقاء منشورات فوق العاصمة بيروت، ليس مجرد تطور عسكري معزول، بل يعكس انتقال الحرب إلى مرحلة الضغط المركب، عسكرياً ونفسياً وسياسياً في آن واحد. فالتوغل البري في الجنوب يعني أن إسرائيل انتقلت من نمط الضربات الجوية والاغتيالات إلى تغيير الواقع الميداني على الأرض، بينما يحمل إلقاء المنشورات فوق بيروت رسالة تتجاوز الجنوب إلى العاصمة نفسها، الحرب لن تبقى محصورة على الحدود، بل يمكن أن تطاول مركز القرار السياسي والبيئة المدنية حتى لو كانت بعيدة من مراكز نفوذ 'حزب الله'. وفي العقيدة العسكرية الإسرائيلية، يستخدم هذا النوع من المنشورات عادةً كجزء من الحرب النفسية والضغط على المجتمع والدولة لإيصال رسالة مفادها بأن المواجهة ليست مع تنظيم مسلح فحسب، بل مع البيئة التي تسمح له بالعمل.
هذا التزامن ليس صدفة. فمنذ بداية المواجهة الإقليمية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران ومحورها من جهة أخرى كان التقدير الإسرائيلي يقوم على أن ضرب إيران في العمق سيؤدي إلى إضعاف أذرعها في المنطقة، غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا الهدف لم يتحقق بالكامل، فالحرب على إيران، على رغم شدتها والضربات التي استهدفت منشآت عسكرية ونووية، لم تُؤدِّ إلى انهيار النظام الإيراني أو شل قدرته على إدارة الصراع الإقليمي. ومع بقاء النظام في طهران، تصبح أذرعه الإقليمية، وعلى رأسها 'حزب الله'، ساحة أكثر قابلية لإعادة تشكيل ميزان القوة.
من هنا يبرز تفسير متزايد في الأوساط الاستراتيجية، عن أنه إذا كان إسقاط النظام الإيراني أو تحييده بالكامل لم يتحقق، فإن إسرائيل قد تسعى إلى تعويض ذلك عبر كسر الحلقة الأقوى في شبكة نفوذ طهران خارج حدودها. ولبنان، في هذا السياق، ينظر إليه داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باعتباره الساحة الأكثر هشاشة سياسياً واقتصادياً، والأكثر قابلية للضغط العسكري المباشر مقارنة بإيران نفسها. فالدولة اللبنانية تعاني أزمة بنيوية عميقة، والاقتصاد شبه منهار، والقرار السيادي موزع بين قوى متعددة، مما يجعل أي تصعيد عسكري واسع قادراً على إحداث تأثير سياسي داخلي سريع.
لكن الأمر لا يقتصر على فكرة 'التعويض' عن عدم إسقاط النظام الإيراني. فالتقدير الإسرائيلي الأعمق هو أن ضرب إيران من دون تغيير قواعد اللعبة في لبنان، سيبقي التهديد قائماً على الحدود الشمالية. ولأنه ومن وجهة نظر إسرائيلية أيضاً، أن 'حزب الله' ما زال يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة وشبكة بنية عسكرية واسعة، وقد أثبتت التجارب السابقة أن الضربات الجوية وحدها لا تكفي لتفكيك هذه البنية. لذلك، فإن العملية البرية في الجنوب قد تكون بداية محاولة إسرائيلية لإعادة رسم الواقع الأمني جنوب الليطاني، وفرض معادلة جديدة تمنع الحزب من العودة إلى ما كان عليه قبل الحرب.
إذاً تأتي العملية البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان بوصفها نتيجة مباشرة، بعد فشل الدولة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها الأمنية جنوب الليطاني. فمنذ صدور القرار الدولي 1701 بعد حرب يوليو (تموز) عام 2006، كان المفترض أن تكون المنطقة الواقعة جنوب النهر خالية من أي سلاح خارج إطار الدولة، وأن يتولى الجيش اللبناني بالتعاون مع القوات الدولية ضبطها ومنع عودة البنية العسكرية لـ'حزب الله'، غير أن الوقائع الميدانية خلال السنوات الماضية، ولا سيما بعد اندلاع المواجهة الأخيرة، أظهرت أن الحزب حافظ على بنية عسكرية وشبكة إطلاق ومواقع انتشار داخل هذه المنطقة. وفي القراءة الإسرائيلية، فإن استمرار وجود هذه القدرات يعني أن الترتيبات الأمنية التي كان يفترض أن تحمي الحدود الشمالية لم تطبق فعلياً. لذلك، ترى إسرائيل أن العملية البرية ليست مجرد تصعيد عسكري، بل محاولة لفرض واقع تعتبره غائباً منذ سنوات، أي إبعاد 'حزب الله' بالقوة عن الحدود وتفكيك بنيته جنوب الليطاني، في ظل قناعة داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن الدولة اللبنانية إما غير قادرة، أو غير مستعدة للقيام بهذه المهمة بنفسها.
وإلقاء المنشورات فوق بيروت يندرج ضمن هذا السياق أيضاً. فالرسالة ليست فقط لـ'حزب الله'، بل للدولة اللبنانية والشارع اللبناني، بأن الحرب قد تتوسع إلى مستوى يمس العاصمة إذا لم يتغير الواقع القائم. بهذا المعنى، تسعى إسرائيل إلى نقل المعركة من كونها مواجهة حدودية إلى ضغط استراتيجي شامل على لبنان بهدف دفعه إلى خيار صعب، إما كبح 'حزب الله' وإعادة ضبط دوره العسكري، أو مواجهة تصعيد سيتجاوز الجنوب.
ونقلت صحيفة 'وول ستريت جورنال' الأميركية، في الـ12 من مارس (آذار) الجاري، عن مسؤولين إسرائيليين استبعادهم أن يسقط النظام الحاكم في إيران في المستقبل القريب، إذ لا يزال يسيطر على زمام الأمور على رغم ما أصابه من ضربات. ووفقاً للصحيفة الأميركية، فإن النظام الإيراني أثبت حتى الآن قدرة عالية على الصمود، وواصل شن ضرباته الانتقامية، مما تسبب في تكبيد أميركا وحلفائها والاقتصاد العالمي، خسائر متصاعدة، وتفرض أجهزته الأمنية سيطرة محكمة على الشوارع.
بدوره قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن طموح إسرائيل هو رؤية الشعب الإيراني 'يتحرر من نير الاستبداد'، مؤكداً في الوقت ذاته أن تحقيق هذا الأمر يعود في نهاية المطاف إلى الشعب الإيراني نفسه. وأضاف نتنياهو 'لا شك أننا، من خلال الإجراءات التي اتخذت حتى الآن، نقوم بكسر عظامهم، وعملنا لم ينته بعد'، ومشيراً إلى أنه إذا تمكنت إسرائيل من تحقيق النجاح جنباً إلى جنب مع الشعب الإيراني، فستحدث 'تغييرات جوهرية'.
وعليه، يمكن القول إن الجمع بين بدء التوغل البري في الجنوب والضغط النفسي على العاصمة يعكس تحولاً في التفكير الإسرائيلي، من إدارة جولة قتال محدودة إلى محاولة إعادة هندسة البيئة الأمنية في لبنان بالكامل. وفي حال بقي النظام الإيراني قائماً وقادراً على الاستمرار في دعم أذرعه، فإن لبنان قد يتحول في الحسابات الإسرائيلية إلى الساحة التي ستستكمل فيها نتائج الحرب الإقليمية، وليس بالضرورة عبر احتلال شامل، بل عبر عمليات برية وضغوط متصاعدة تهدف إلى فرض واقع سياسي وأمني جديد.
وتبعاً للمؤشرات الحالية، فإن الجبهة اللبنانية لن تطفأ تلقائياً إذا خفت الحرب على إيران، بل قد تصبح بالنسبة إلى إسرائيل الجبهة التالية المطلوب حسمها أو إعادة تشكيلها بالقوة. واللافت أن المعلن إسرائيلياً حتى الآن هو انتقال متدرج من الضربات الجوية إلى غارات برية مركزة وتوسيع الانتشار الحدودي، فيما تتحدث تقارير أخرى عن التحضير لعملية أوسع قد تصل إلى السيطرة على المنطقة جنوب الليطاني إذا لم يفرض مسار سياسي جديد على لبنان و'حزب الله'. وكانت نقلت القناة الـ14 الإسرائيلية، أن الجيش يخطط لـ18 موقعاً في جنوب لبنان مع نهاية العملية البرية.
هنا يبرز سؤال محوري، هل ستستمر الحرب في لبنان حتى لو انتهت في إيران، ولماذا؟
لا تنظر إسرائيل إلى جبهة لبنان كملحق تكتيكي للحرب مع إيران فحسب، بل كـملف أمني قائم بذاته. وكان 'حزب الله' دخل الحرب منذ الثاني من مارس الجاري 'رداً' على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، ومنذ ذلك الحين تتعامل إسرائيل مع ما جرى على أنه دليل إضافي على أن الحزب ليس مجرد لاعب لبناني، بل ذراع إقليمية تفتح الجبهة حين تطلب طهران ذلك. لذلك، حتى لو فرض وقف نار على إيران، ستقول المؤسسة الإسرائيلية إن الخطر الذي انكشف في لبنان لم يعالج بعد.
تعتبر إسرائيل أن الفرصة الاستراتيجية مواتية الآن أكثر من أي وقت مضى. فالحرب أضعفت إيران، وسقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد منذ عام 2024، قطع جزءاً أساساً من خط الإمداد الإيراني إلى 'حزب الله' عبر سوريا. وتتحدث وكالات وتقارير غربية وإسرائيلية عن سعي تل أبيب لاستثمار هذا الظرف لتقليص قدرة الحزب على إعادة بناء ترسانته، لا سيما الصواريخ والطائرات المسيرة والذخائر الرخيصة، بمعنى آخر، في الحساب الإسرائيلي، إنهاء الحرب مع إيران قبل 'تصفية الحساب' في لبنان قد يعني السماح لـ'حزب الله' بالتقاط أنفاسه وإعادة التموضع. أضف إلى ذلك أن إسرائيل لم تعد تحصر هدفها في الردع بالنار، بل انتقلت إلى هدف أوسع، وهو إعادة هندسة الواقع الأمني والسياسي جنوب الليطاني. ووفقاً لتقارير إعلامية، وبعد المعلومات التي انتشرت عن نقاط فرنسية طرحت من أجل فتح باب التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، لا تزال الأخيرة ترفض أي مبادرة لوقف إطلاق النار، وتقفل كل أبواب التفاوض قبل نزع سلاح 'حزب الله'، وقال وزير خارجيتها جدعون ساعر 'لا تعتزم (إسرائيل) إجراء مفاوضات مباشرة مع الحكومة اللبنانية في الأيام المقبلة'، وشدد على ضرورة أن 'تتخذ بيروت خطوات جدية لمنع (حزب الله) من إطلاق النار على إسرائيل'، وهذا يعني أن تل أبيب تصمم على تنفيذ عملية برية قد تصل إلى أبعد من حدود نهر الليطاني. ونقلت صحيفة 'فاينانشيال تايمز' عن ثلاثة أشخاص مطلعين أن إسرائيل رفضت مبادرات دبلوماسية قدمها لبنان لوقف هجوم إسرائيل المتصاعد على جماعة 'حزب الله'، وطالبت بإجراء مفاوضات 'تحت النار' فقط. إذاً، الجبهة اللبنانية باتت تدار بمنطق، حل الأزمة، لا احتواؤها موقتاً.
وعليه، تربط إسرائيل بين استمرار الحرب وبين إجبار الدولة اللبنانية على الاختيار. وكانت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس شديدة الوضوح حين قال إن إسرائيل ستوسع عملياتها، ولوح بأن لبنان قد يواجه احتلالاً عسكرياً إذا لم توقف الدولة هجمات 'حزب الله'. وأعلن كاتس، في الـ16 من مارس، أن الجيش الإسرائيلي بدأ تنفيذ مناورة برية في لبنان بهدف إزالة ما وصفه بالتهديدات وتأمين سكان الجليل وشمال إسرائيل، وقال إن مئات الآلاف من السكان في جنوب لبنان الذين غادروا منازلهم أو يواصلون مغادرتها في جنوب البلاد وفي بيروت 'لن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم جنوب منطقة الليطاني حتى يتم ضمان أمن سكان شمال إسرائيل'، وانتقد كاتس الأمين العام لـ'حزب الله' نعيم قاسم قائلاً إنه 'يدعو الجيش الإسرائيلي للتقدم في وقت يختبئ فيه تحت الأرض، محولاً أكثر من مليون شيعي من طائفته إلى لاجئين في بلدهم'. وتابع أن مئات آلاف السكان الشيعة في جنوب لبنان الذين أجبروا على إخلاء منازلهم، أو ما زالوا يغادرونها، في الجنوب وفي بيروت، لن يسمح لهم بالعودة إلى المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني إلى أن يتم ضمان أمن سكان شمال إسرائيل. وتابع أن قاسم 'خلف جدير بسلفه'، في إشارة إلى الأمين العام الراحل لـ'حزب الله' حسن نصرالله، ولفت كاتس إلى أنه ونتنياهو أصدرا تعليمات للجيش الإسرائيلي بالتحرك وتدمير البنية التحتية التي يصفها بـ'الإرهابية' في القرى الحدودية في لبنان، لمنع التهديدات ومنع عودة 'حزب الله' إلى تلك المناطق، موضحاً أن العملية ستنفذ بالطريقة نفسها التي جرى العمل بها ضد 'حماس' في غزة في رفح وبيت حانون، وكذلك في العمليات الجارية ضد الأنفاق في القطاع، مما يعني أن الضغط لم يعد موجهاً للحزب وحده، بل إلى الرئاسة والحكومة والجيش والمجتمع اللبناني كله، إما كبح الحزب فعلياً، أو ستفرض إسرائيل الوقائع بنفسها.
وتبعاً للمعطيات السابقة، فإن إسرائيل ترى أن الوسائل الجوية وحدها لا تكفي، وصحيح أن الضربات الجوية دمرت بنى تحتية ومراكز قيادة ومخازن، لكن تقارير ميدانية تؤكد أن 'حزب الله' عاد إلى تكتيكات حرب العصابات، وانتشر بوحدات صغيرة، ويستعد لمعركة استنزاف على طول الشريط الحدودي، خصوصاً حول بلدة الخيام ومحيطها. لذلك، في التفكير العسكري الإسرائيلي، لا يمكن ضمان إبعاد التهديد عن مستوطنات الشمال من دون عمل بري، ولو تدريجاً. بدوره كان الأمين العام للحزب نعيم قاسم قال 'لقد أعددنا أنفسنا لمواجهة طويلة، وإن شاء الله سيفاجأون في الميدان. تهديدات العدو لا تخيفنا، وسيرى العدو بأسنا'.
وكان تقرير لموقع 'أكسيوس' الأميركي تحدث عن تحضير لغزو أكبر هدفه السيطرة على المنطقة جنوب الليطاني وتفكيك البنية العسكرية للحزب فيها، مع وجود ثلاث فرق إسرائيلية على الحدود وبدء توغلات محدودة بالفعل. إذاً فالاجتياح بدأ بصيغته المتدرجة، لكنه لم يبلغ بعد بالضرورة شكله الأقصى، أي أن إسرائيل انتقلت من الضغط الجوي إلى الأرض، لكنها ما زالت تحتفظ بخيار التوسع الكبير إذا لم تحصل على النتيجة السياسية والعسكرية المطلوبة.
وربما تقيس القيادات الإسرائيلية هذه العملية على مستويات ثلاثة، المستوى الأول هو العسكري الصرف، أي إبعاد 'حزب الله' عن الحدود، وتدمير وحدات فريق النخبة 'الرضوان'، وضرب منصات الإطلاق القصيرة والمتوسطة، ومنع تحويل الجبال والعمق اللبناني إلى بديل تشغيلي عن الجنوب، لهذا نرى استهدافاً لمراكز قيادة في بيروت، ومواقع في الجنوب والبقاع، وجسور وبنى لوجيستية، لأن الهدف ليس فقط قتل عناصر، بل تفكيك دورة العمل، أي النقل، والقيادة، والتمويل، والإطلاق، وإعادة التموضع.
المستوى الثاني، وهو السياسي والتفاوضي، فإسرائيل تريد أن تدخل أي تفاوض من موقع من يملك الأرض والنار معاً، وهذا ما سرب عبر المعلومات الصحافية أن الطرح الفرنسي يربط وقف الحرب بانسحاب إسرائيلي تدريجي مقابل انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني والدخول في مسار سياسي أوسع، وهذا يعني أن التقدم البري ليس فقط أداة عسكرية، بل رافعة تفاوضية، كل كيلومتر تتوغل فيه إسرائيل يصبح ورقة على طاولة أي تسوية لاحقة.
المستوى الثالث هو الرسالة الإقليمية، يريد نتنياهو وفريقه تثبيت معادلة أن ضرب إيران لا قيمة له إذا بقيت أذرعها قادرة على إشعال الحدود. لذلك، منطق القيادة الإسرائيلية اليوم هو أن نهاية الحرب مع إيران، يجب أن تستكمل بترجمة لبنانية تمنع عودة ما قبل الثاني من مارس، هنا يصبح لبنان ساحة استكمال لنتائج الحرب الإقليمية، لا مجرد مسرح جانبي لها.
السيناريو الأرجح ليس احتلال لبنان كله، بل واحد من ثلاثة مستويات متصاعدة، الأول، شريط أمني ناري واسع داخل الجنوب، مع استمرار الغارات الجوية وعمليات الكوماندوس والمدفعية، لإبعاد الخطر المباشر عن الحدود، وهذا ما يجري حالياً.
والثاني، هو الوصول إلى الليطاني أو أجزاء أساسية جنوبه إذا قررت إسرائيل أن الضربات والغارات المحدودة لا تكفي. هذا السيناريو مطروح بوضوح في التقارير التي تتحدث عن نية السيطرة على المنطقة الواقعة جنوب الليطاني.
والثالث، هو احتلال طويل أو شبه طويل لبعض النقاط والمرتفعات واستخدامها كورقة ضغط حتى فرض تفاهم جديد، أي نزع سلاح فعلي، وانتشار للجيش اللبناني، وآلية رقابة دولية، وربما مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة. وتأتي تصريحات كاتس عن احتمال الاحتلال، والتسريبات عن بحث الاتفاق البحري ومحادثات محتملة مع لبنان، لتصب كلها بمنطق أن القيادة الإسرائيلية تفكر بإعادة تركيب العلاقة الأمنية مع لبنان كله، وليس فقط خوض معركة حدودية محدودة.
في المحصلة، الحرب في لبنان مرشحة للاستمرار والتصاعد لأن إسرائيل تعتبر أن إنهاء الجبهة الإيرانية من دون كسر الذراع اللبنانية سيكون انتصاراً ناقصاً. وفي نظرها، هذه لحظة نادرة، إيران مضروبة، وخطوط الإمداد مضطربة، و'حزب الله' مكشوف سياسياً داخل لبنان، والدولة اللبنانية تحت ضغط دولي وعسكري غير مسبوق. لذلك، تفكر القيادات الإسرائيلية الآن بمنطق، توسيع النار، وترجمتها إلى تقدم بري، ثم تحويل هذا التقدم إلى تسوية قسرية جديدة في لبنان. وإذا لم تتشكل سريعاً صيغة تبعد الحزب عسكرياً عن الجنوب وتضع سلاحه على الطاولة، فاحتمال توسع التوغل البري يبقى مرتفعاً جداً.
والأرجح، في المدى القريب، هو توسيع تدريجي، تبدأ إسرائيل بتوغل محدود، ثم تنتقل إلى احتلال أوسع جنوب الليطاني إذا لم يكبح إطلاق النار ولم يتشكل مسار سياسي سريع. أما الاحتلال الطويل فسيبقى خياراً احتياطاً أكثر منه هدفاً أولياً، لأن كلفته مرتفعة جداً. بمعنى أدق، تبدو إسرائيل متجهة إلى اجتياح متدرج قابل للتمدد، لا إلى ضربة برية خاطفة فحسب، ولا إلى احتلال شامل للبنان كله.











































































