اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ١١ أب ٢٠٢٦
كتب المحامي ميشال فلاّح لموقع الصدارة نيوز
في لبنان، لا يزال السؤال الأكثر حساسية ممنوعاً من أن يُطرح بصراحة: من يملك قرار الحرب والسلم؟
ليس السؤال ما إذا كان لبنان يملك حق الدفاع عن أرضه. هذا الحق لا يحتاج إلى إذن من أحد. وليس السؤال ما إذا كان الاحتلال والعدوان يبرران المقاومة. فمواجهة الاحتلال، من الناحية الأخلاقية والشرعية والوطنية، ليست جريمة. لكن السؤال الحقيقي، والأكثر إزعاجاً، هو: هل يمكن أن يكون حق الدفاع عن الوطن مشروعاً، بينما يبقى قرار الحرب خارج الدولة؟
هنا تبدأ المشكلة.
فالقرار العسكري ليس شعاراً يُرفع في مهرجان، ولا موقفاً سياسياً يمكن التراجع عنه عند أول أزمة. إنه قرار قد يفتح حرباً شاملة، ويدمر مدناً، ويهجر عائلات، ويشل اقتصاداً، ويضع شعباً بأكمله أمام نتائج لم يشارك في تحديدها.
ولهذا يقول القرآن الكريم: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة، 190).
الآية لا تمنح تفويضاً مفتوحاً بالحرب. إنها تضع قاعدة واضحة: العدوان يُواجه، لكن الحرب ليست امتيازاً دائماً لأحد.
والإسلام، الذي شرّع الدفاع، لم يشرّع الفوضى. والذي أوجب مواجهة الظلم، لم يجعل كل جماعة قادرة على حمل السلاح دولةً داخل الدولة. والذي أمر بالإعداد للقوة، لم يقل إن كل قوة تملك تلقائياً حق اتخاذ القرار الوطني.
القضية إذن ليست في وجود القوة، بل في من يقرر استخدامها، ولماذا، ومتى، وتحت أي مسؤولية. قد يكون الهدف مشروعاً، لكن الوسيلة كارثية. وقد تكون النية الدفاع عن الوطن، لكن النتيجة تدمير الوطن. وقد يبدأ القرار تحت عنوان مواجهة العدو، ثم ينتهي بانقسام داخلي وحرب أهلية.
وهنا لا يكفي أن نقول: كانت النية حسنة. فالسياسة، كما الفقه، لا تُقاس بالنوايا وحدها، بل بالنتائج أيضاً. والقرآن يحذر من التنازع بقوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال، 46).
فماذا يعني أن تكون هناك دولة، وجيش، ومؤسسات دستورية، وفي الوقت نفسه قرار استراتيجي قادر على إشعال الحرب خارج هذه المؤسسات؟
من يقرر التصعيد؟ من يقرر التهدئة؟ من يقرر التفاوض؟ من يعلن انتهاء الحرب؟ ومن يتحمل مسؤولية آلاف القتلى والجرحى والنازحين والدمار؟
إذا كان الجواب: لا أحد، فهذه ليست سيادة. وإذا كان الجواب: جهة واحدة لا تخضع للمساءلة الوطنية، فهذه ليست دولة مكتملة القرار. وهنا يجب أن تكون المعالجة صريحة: حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة ليست خيانة للمقاومة، كما أن المقاومة ليست ترخيصاً دائماً لإلغاء الدولة.
المشكلة أن لبنان اعتاد الهروب من هذا النقاش. فكل من يطرح سؤال الدولة يُتهم بأنه يريد نزع سلاح المقاومة. وكل من يدافع عن المقاومة يُتهم بأنه يريد إلغاء الدولة. وهذه الثنائية مريحة سياسياً، لكنها كاذبة وطنياً.
فالمقاومة ليست بالضرورة نقيض الدولة. والدولة ليست بالضرورة نقيض المقاومة. لكن استمرار وجود قرارين استراتيجيين داخل بلد واحد هو وصفة دائمة للأزمة.
قد تكون المقاومة قد نشأت في ظروف الاحتلال والعدوان وغياب الدولة. وهذا يفسر نشأتها، وربما يبرر وجودها في مرحلة معينة. لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو: هل يبقى الاستثناء استثناءً إلى الأبد؟
فإذا كانت الدولة ضعيفة، فالحل ليس في تحويل ضعفها إلى قدر دائم. وإذا كانت عاجزة عن حماية أرضها، فالمطلوب تقويتها، لا تكريس عجزها. وإذا كانت المؤسسات فاسدة أو فاشلة، فالمطلوب إصلاحها، لا بناء دولة موازية إلى ما لا نهاية.
القرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء، 58).
والسلطة، في المنظور الإسلامي، أمانة وليست امتيازاً. لكن هذا المبدأ لا يعني أن الدولة تُلغى كلما أخطأت، أو أن كل جماعة تمتلك السلاح تصبح صاحبة القرار النهائي. الدولة تُحاسب، وتُصلح، وتُقوّى. أما السيادة فلا يمكن توزيعها إلى ما لا نهاية. والأخطر من تعدد السلاح هو تعدد القرار.
فحين توجد أكثر من جهة قادرة على اتخاذ قرار الحرب، يصبح السؤال: من يمثل الشعب؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ ومن يملك حق التفاوض باسمه؟
لا يمكن لدولة أن تطلب من مواطنيها دفع الضرائب، والالتزام بالقوانين، وتحمل نتائج الحرب، ثم تقول لهم إن القرار الذي أدخلهم الحرب ليس قرار الدولة. هذه ليست معادلة مستقرة، لا سياسياً ولا دستورياً ولا شرعياً.
إن واجب الدفاع عن الوطن لا يعني أن كل طرف يملك حق استخدام القوة متى شاء. فالحق في الدفاع حق عام، لكن قرار الحرب قرار عام، والقرار العام يحتاج إلى مسؤولية عامة. وهنا تحديداً يجب التمييز بين مشروعية المقاومة ومشروعية القرار.
قد تكون مقاومة الاحتلال مشروعة. لكن ذلك لا يحسم تلقائياً سؤال من يقرر الحرب. وقد تكون الدولة مقصّرة في الدفاع عن شعبها. لكن ذلك لا يمنح أي جهة تفويضاً أبدياً بالتصرف منفردة في مصير البلاد.
في الحالة اللبنانية، المطلوب ليس إلغاء القوة التي نشأت في مواجهة الاحتلال، ولا تسليم لبنان للعدوان، ولا تحويل الدولة إلى مجرد شعار فارغ.
المطلوب هو أصعب من ذلك: بناء معادلة وطنية تجعل القوة في خدمة الدولة، والدولة قادرة فعلاً على حماية القوة والشعب والأرض. أما أن تبقى الدولة مسؤولة عن النتائج، من دون أن تكون صاحبة القرار الكامل، فهذه معادلة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. فالدولة التي لا تستطيع الدفاع عن أرضها ناقصة الوظيفة. لكن الدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم ناقصة السيادة.
والحل لا يكون بإضعاف المقاومة، ولا بإضعاف الدولة، بل بإنهاء الازدواجية.
قوة وطنية واحدة. قرار استراتيجي واحد. مسؤولية سياسية واضحة. ومؤسسات قادرة على حماية لبنان لا على إدارة عجزه.
أما الشرعية الإسلامية، فهي لا تمنح الحاكم تفويضاً مطلقاً، ولا تمنح الجماعة المسلحة تفويضاً دائماً. إنها تضع الجميع أمام سؤال واحد: هل يؤدي القرار إلى دفع العدوان وحماية الناس، أم إلى فتنة ودمار أكبر؟
يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الأنعام، 151).
ومن هنا، لا تكفي الشعارات لتبرير الحرب. لا شعار المقاومة وحده يكفي، ولا شعار الدولة وحده يكفي.
الاختبار الحقيقي هو: من يملك القرار؟ هل هو قرار وطني؟ هل يخضع للمساءلة؟ هل يأخذ في الاعتبار حياة الناس ومستقبلهم؟ وهل يؤدي إلى حماية الوطن أم إلى تحويله إلى ساحة دائمة للحروب؟
فالشرعية لا تُقاس فقط بمن يحمل السلاح. الشرعية تُقاس بمن يملك القرار، ولأي غاية، وتحت أي مسؤولية، وبأي نتائج.
وإذا كان الدفاع عن الوطن حقاً، فإن تحويل الوطن إلى ساحة حرب بقرار لا يشارك فيه الوطن كله هو سؤال آخر.
لذلك، فإن المعادلة التي يحتاجها لبنان ليست: المقاومة أو الدولة. بل: المقاومة داخل مشروع الدولة، والدولة القادرة على حماية لبنان، والقرار الوطني الذي لا يملكه فرد ولا حزب ولا طائفة، بل تتحمل مسؤوليته الدولة أمام شعبها والتاريخ. فلا مقاومة حقيقية إذا تحولت القوة إلى سبب لانهيار الدولة، ولا دولة حقيقية إذا جُرّدت من قدرتها على الدفاع.
وفي النهاية، لا يكفي أن نسأل: من يملك السلاح؟
السؤال الأخطر هو: من يملك قرار الحرب؟
ومن يملك حق تعريض شعب كامل لنتائجها؟











































































