اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٨ أذار ٢٠٢٦
لا يمكن التعامل مع الاتفاق الدفاعي بين السعودية وأوكرانيا على أنه مجرد تفاهم عسكري عابر أو صفقة سلاح تقليدية. فالاتفاق، في توقيته ومضمونه، يعكس تحوّلاً أعمق في مفهوم الأمن الإقليمي، وفي الطريقة التي باتت الدول تعتمدها لبناء شراكاتها الدفاعية. فالسعودية لا تبدو معنية فقط بإضافة معدات جديدة إلى ترسانتها، بل بالحصول على خبرة ميدانية حيّة اكتسبتها أوكرانيا خلال سنوات الحرب، وخصوصاً في مواجهة المسيّرات، الهجمات المركّبة، والحرب الإلكترونية.
في هذا المعنى، أوكرانيا لا تبيع سلاحاً فقط، بل تبيع تجربة قتالية متقدمة في التعامل مع تهديدات باتت تشكّل هاجساً فعلياً في الخليج، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحماية منشآت الطاقة والبنى التحتية الحساسة. وهذا ما يمنح الاتفاق بعداً عملياً واضحاً، لأن الحرب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم الترسانة، بل بمدى القدرة على مواجهة التهديدات المنخفضة الكلفة والعالية التأثير، وهي التهديدات نفسها التي باتت تفرض على دول المنطقة إعادة التفكير في فلسفة دفاعها.
لكن أهمية الاتفاق لا تتوقف عند الجانب الأمني فقط. فاقتصادياً، ينسجم هذا التعاون مع سعي السعودية إلى توطين جزء من صناعاتها الدفاعية وبناء قدرات أكثر استدامة، فيما ترى أوكرانيا في هذه الشراكة فرصة لتحويل خبرتها الحربية إلى قيمة صناعية واستثمارية قابلة للتوسع خارج الساحة الأوروبية. أي أن الطرفين يلتقيان عند نقطة مصالح واضحة: السعودية تريد أمناً أكثر مرونة وفعالية واستدامة، وأوكرانيا تريد شريكاً استراتيجياً وسوقاً واعدة لخبراتها ومنتجاتها الدفاعية.
أما جيوسياسياً، فالرسالة الأهم في هذا الاتفاق أن المنطقة لم تعد تبني أمنها فقط عبر التحالفات التقليدية أو عبر استيراد المنظومات الكبرى وحدها، بل عبر تنويع الشراكات وتحديث أدوات الردع والحماية. وهذا بحد ذاته يعكس انتقالاً من منطق “شراء السلاح” إلى منطق بناء القدرة، أي الاستثمار في أدوات مواجهة أكثر تكيّفاً مع طبيعة التهديدات الجديدة التي لم تعد تشبه الحروب التقليدية.
لذلك، فإن الاتفاق السعودي – الأوكراني لا يعني مجرد تعاون دفاعي محدود، بل يعكس توجهاً أوسع نحو بناء أمن أكثر واقعية وحداثة، يقوم على التكنولوجيا، والخبرة العملية، والمرونة في مواجهة المخاطر المستجدة. ومن هنا، فإن قيمته الحقيقية لا تكمن فقط في ما قد ينتج عنه من عقود أو معدات، بل في كونه جزءاً من إعادة صياغة مفهوم الأمن نفسه في المنطقة.
هذا الاتفاق ليس صفقة سلاح فقط، بل استثمار في أمن مستدام، وفي مقاربة دفاعية أكثر تطوراً، تتجاوز شراء المنظومات إلى شراء الخبرة وبناء القدرة وتحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد.











































































