اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢١ أذار ٢٠٢٦
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القوة بحجمها فقط، بل بقدرتها على فرض واقع جديد خلال وقت قصير، وهذا ما يتبلور اليوم في مضيق هرمز حيث تتقاطع الجغرافيا مع التفوق العسكري لتنتج لحظة حاسمة تعيد تشكيل ميزان القوى في الخليج. فمع تراجع الردع الإيراني جواً وبحراً، لم تعد الجزر الثلاث - طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى - قادرة على أداء دورها التقليدي كنقاط مراقبة وتهديد، بل تحولت إلى مواقع مكشوفة تفقد قيمتها الاستراتيجية بمجرد غياب الغطاء العسكري الذي يحميها ويُفعّلها.
في هذا السياق، يبرز الدور الحاسم لـجزيرة قشم التي لا تُختصر بأهميتها الجغرافية، بل بما تمثّله من مركز لوجستي قابل للتحول إلى قاعدة عمليات متقدمة، خصوصاً مع وجود مطار يسمح بتدفق القوات والإمدادات. ومع السيطرة عليها، لا يعود الوجود العسكري مؤقتاً أو محدوداً، بل يتحول إلى تمركز ثابت قادر على إدارة العمليات وتأمين استمراريتها، ما يرسّخ انتقال السيطرة من مرحلة الاشتباك إلى واقع ميداني مستقر.هذا التحول يفتح الباب أمام نتيجة حتمية، وهي انتقال زمام المبادرة بالكامل إلى الولايات المتحدة التي تمتلك تفوقاً ساحقاً في المجالين البحري والجوي، إضافة إلى قدرة عالية على تنفيذ عمليات دقيقة في بيئات معقّدة. ومع الإمساك بمفاصل الجغرافيا، لا تحتاج واشنطن إلى انتشار واسع، لأن طبيعة المضيق الضيقة تجعل السيطرة عليه مرتبطة بالتحكم بنقاط محددة، وهذه النقاط هي الجزر نفسها. وعندما تتحول هذه الجزر من “عيون إيران” إلى منصات أميركية للرقابة، يصبح المضيق عملياً تحت سيطرة كاملة، لا من حيث الوجود فقط، بل من حيث القدرة على إدارة كل حركة تمر فيه.غير أن التأثير الأعمق لهذا التحول لا يتوقف عند البعد العسكري، بل يمتد مباشرة إلى معادلة الطاقة، حيث يظهر حقل بارس الجنوبي كأحد أبرز المتأثرين. فهذا الحقل، الذي يشكّل ركيزة أساسية للقوة الاقتصادية الإيرانية، يرتبط أمنه واستثماره بحرية الحركة البحرية وبالقدرة على حمايته ضمن المجال الحيوي الإيراني. ومع انتقال السيطرة البحرية إلى واشنطن، يصبح الحقل معزولاً عن هذا المجال، ومكشوفاً ضمن بيئة لا تتحكم بها طهران، ما يفقده دوره كورقة نفوذ ويحوّله إلى مورد يقع ضمن نطاق السيطرة العملياتية للقوة البحرية الأميركية.وفي ظل هذا المشهد، لا يمكن فصل ما يجري في الجنوب عن التوازي مع ضغوط جغرافية أخرى، بما في ذلك التحركات من مناطق الأكراد، التي تضيف بُعداً إضافياً للاستنزاف وتمنع إيران من إعادة تجميع قدراتها أو تركيز دفاعها في نقطة واحدة. هذا التزامن بين الضغط البحري والضغط البري يعمّق حالة الاختلال ويحوّلها من تحدٍ عسكري إلى أزمة استراتيجية متعددة الاتجاهات.
الخليج أمام مسار مترابط يبدأ بسقوط الجزر، ويمر بتحويل جزيرة قشم إلى قاعدة، ويصل إلى فرض السيطرة الكاملة على مضيق هرمز، لينتهي بعزل حقل بارس الجنوبي عن النفوذ الإيراني. إنها ليست مجرد عملية عسكرية، بل إعادة رسم شاملة لمعادلة القوة في الخليج، حيث تتحول الجغرافيا من عنصر حماية إلى عنصر انكشاف، وتنتقل مفاتيح الطاقة من يد طهران إلى رقابة خصمها، في لحظة تختصر معنى “ساعة الصفر” بكل أبعادها.











































































