اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
رغم سيطرة المنصّات الرقمية وتحوّل المشاهدة إلى فعل فردي معزول خلف الشاشات، يظل المسرح تجربة فريدة لا يمكن استبدالها، فهو لقاء حي مباشر بين الممثل والنص والجمهور، تجربة تتجاوز المشاهدة لتصبح حضوراً شعورياً ومعرفياً متكاملاً. في هذا السياق، تُبرز مسرحية «القرنة البيضا» ليحيى جابر قدرتها على مساءلة الذاكرة والهوية والصراعات الاجتماعية، بما في ذلك الصراعات الداخلية داخل الطائفة الواحدة، من دون الانجرار إلى خطاب سياسي مباشر، ما يجعلها تجربة نقدية وإنسانية متكاملة. المسرحية لا تُقدّم كسرد تقليدي، بل كتجربة اعترافية وجودية، حيث تتحوّل السيرة الفردية إلى مرآة للذاكرة الجماعية. القرية هنا ليست مجرد مكان جغرافي، بل وطن صغير يسكن الوجدان أكثر من الجغرافيا، والماضي يُستعاد ليس بوصفه فردوساً مفقوداً، بل مساحة وجودية متناقضة تعكس الصراعات الإنسانية وتجمع بين الحنان والقسوة، بين الانتماء والاغتراب. بهذه الطريقة، يصبح النص منصة للتفكير في العلاقة بين الفرد وماضيه، وبين المكان والذات.
إخراجياً، يعتمد يحيى جابر على اقتصاد بصري واضح، فيُحرّر النص من زحمة الديكورات والتقنيات الزائدة، ويترك الكلمة والجسد محور العرض. الفضاء المسرحي شبه خالٍ، لكنه غني دلالياً؛ فكل حركة محسوبة، وكل صمت موجه درامياً، ليصبح الفراغ مساحة إسقاط نفسي للمشاهد. هذا الخيار لا يهدف إلى الإبهار البصري، بل إلى تعرية الذاكرة ووضعها في مواجهة ذاتها. أما النص فمبني على مونولوغ ظاهري، لكنه في العمق حوار داخلي مع التاريخ والهوية والخذلان. البيئة الشمالية، وخصوصاً زغرتا وإهدن، تكتسب بُعداً دلالياً خاصاً، حيث تتحوّل اللهجات المحلية إلى عنصر فني يعمّق الصدق والانتماء ويضفي نكهة ثقافية على العرض ويكشف خبايا التعصب الطائفي والمناطقي.
في قلب هذا البناء الإخراجي والنصي، تتجلّى تجربة الممثلة ماريا دويهي بوصفها عمود العرض الفقري. أداؤها لا يقتصر على التمثيل التقليدي، بل يقوم على التقمّص الوجودي. تتقلّب بين الشخصيات بسلاسة مذهلة، محافظة على رداء الحزن الأسود، لكنها تغيّر جلدها في لمح البصر، فتنتقل من أقصى التراجيديا إلى أقصى الكوميديا. يكفي أن تغيّر قبّعة أو منديل لتشعر بأن «فايزة» تحوّلت إلى «لبيبة»، أو أن «يوسفية» صارت «كاميليا». نبرة الصوت، إدارة الصمت، الانتقال بين الحالات النفسية، والانكسار المفاجئ في الإيقاع، جميعها عناصر تخلق دراما داخلية مكثفة تفوق أحياناً قوة الكلمة وحدها. ماريا دويهي لا تؤدّي الشخصية فحسب، بل تحوّلها إلى تجربة حيّة؛ لا نشاهد امرأة تحكي ذاكرتها، بل ذاكرة تتجسّد في امرأة. تجربتي الشخصية معها في مادة المسرح في الجامعة اليسوعية أضافت بُعداً خاصاً لفهم هذا العمل، إذ عرفتها أستاذة دقيقة، صارمة في معاييرها، وعميقة في رؤيتها للمسرح بوصفه فعل معرفة لا مجرّد أداء. رؤيتها على خشبة «القرنة البيضا» أظهرت قدرة الفنانة على تحويل النظرية إلى حياة نابضة، فكان الانتقال من القاعة الجامعية إلى الخشبة تجربة أعطت العمل عمقاً مضاعفاً وجعلت الأداء تجسيداً حيّاً لما تعلّمناه نظرياً. أما هذا النهج في الأداء الفردي والفضاء المسرحي الاقتصادي يذكّرنا بمونودراما القرن العشرين الأوروبي على غرار أعمال سامويل بيكيت ويوجين إيونيسكو، حيث يكفي حضور ممثل واحد لاستحضار عالم كامل، كما يشبه النهج البيرتولتي الذي يركّز على الرسالة والتفاعل الفكري للمشاهد مع الحدث المسرحي. فيصبح شريكاً فكرياً في العمل، لا متلقّياً سلبياً. ويحيى جابر اختار بساطة الديكور والإكسسوارات ليعزز تركيز الجمهور على الأداء الجسدي والنفسي المكثف للممثلة ويؤكد قدرة المسرح على تحويل الحد الأدنى من العناصر إلى تجربة إنسانية شاملة.
قد يُؤخذ على العرض ارتباطه الشديد بحضور ماريا دويهي، ما يجعله عملاً يصعب تخيّله بأداء آخر، وهو خيار جمالي مشروع. لكنه يطرح سؤالاً حول حدود المسرح الفردي حين يصبح مرتبطاً بهوية واحدة لا تنفصل عن النص. تجربة «القرنة البيضا» هي امتداد لمسار يحيى جابر الفني الذي سبقته أعمال مثل «مجدّرة حمرا» و«هيكالو». وهذه الأعمال ركّزت على المونودراما، واستكشاف الفرد كنافذة لفهم المجتمع اللبناني، وتوظيف الأداء الفردي لتسليط الضوء على التناقضات الإنسانية والاجتماعية والخلافات الطائفية. وهذا ما جعل «القرنة البيضا» بلوغاً لمرحلة متقدمة من إبداع جابر الإخراجي، الذي حوّل مسرحه إلى قراءة أنثروبولوجية ساخرة، بدأها من بيروت، متتبعاً التعقيدات الاجتماعية وعلاقتها بالدين والسياسة والموروثات.
في الخلاصة، «القرنة البيضا» ليست مجرد مسرحية، بل تجربة ذاكرية وجودية متكاملة، تتناغم فيها الرؤية الإخراجية مع الأداء الفني بأسلوب دقيق وحيوي ومبهر. يشكّل العمل نموذجاً للمسرح اللبناني الراقي الذي يجمع بين النص والجسد والذاكرة في فضاء نابض بالحياة، ويثبت أن المسرح، حين يُقدَّم باحتراف، قادر على إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والمكان والذاكرة والجمهور، ويظل قوة نقدية حية رغم هيمنة المنصات الرقمية.











































































