اخبار لبنان
موقع كل يوم -لبنان الكبير
نشر بتاريخ: ٣١ أذار ٢٠٢٦
في زمنٍ تُترك فيه الأحياء والشوارع والأزقّة لمصيرها، ويُدفع المواطن الشريف ليواجه الخطر وحيدًا، لا يجوز أن تنقلب الأدوار، ولا أن يصبح من وقف دفاعًا عن ناسه وأهله موضع اتهام، فيما تُهمَل الأسباب الحقيقية التي صنعت هذا الخطر.
نبيل قزّاز لم يخرج باحثًا عن مواجهة أو عنتريات، مع أنّه معروف بجرأته وشهامته، بل وُضع أمام مواجهة لم يخترها، ولا سعى إليها. لم يختر العنف، بل فُرض عليه في لحظة خطرة، مستهدفًا شخصه ومن حوله، وممتلكاته وممتلكات غيره. لم يكن بحاجة إلى إثبات صفة يعرفها عنه القريب والبعيد، ولم يتصرّف بدافع الاستعراض، بل وجد نفسه أمام واقعٍ لا يمكن تجاهله.
لم يكن معتديًا… بل إنسانًا وُضع أمام خطرٍ حقيقي، أمام سلاحٍ كان يمكن أن يحوّل لحظةً إلى كارثة. في تلك اللحظة، لم يكن هناك حضور فعلي يحمي، ولا جهة تتدخّل، بل كانت هناك أرواح مهدّدة، وواقع يفرض قرارًا سريعًا لا يحتمل التردّد.
فلنسأل أنفسنا بصدق: ماذا كان يمكن لأيٍّ منّا أن يفعل في موقفٍ مماثل؟ أمام ملثّمين يحملان سلاح حرب، في زمنٍ مضطرب، حيث يتحوّل الحق أحيانًا إلى تهمة. هل ينسحب ويتجاهل الخطر، حفاظًا على نفسه من أي مساءلة لاحقة؟ أم يواجه، مدركًا أنّه يضع مستقبله ومصيره على المحك؟ إنّها لحظة تختصر العمر، محكومة بميزانٍ دقيق بين الخطر والمسؤولية، بين الخوف والواجب.
ما حصل ليس حادثًا عابرًا يمكن فصله عن سياقه، بل هو انعكاس لواقعٍ مؤلم نعيشه جميعًا: خوف يومي، قلق دائم، واهتزاز في الشعور بالأمان. الناس تُترك في كثير من الأحيان لمواجهة مصيرها، في ظروف تتجاوز قدرتها، وتفرض عليها خيارات قاسية.
نعم، ما حصل لا يمكن عزله عن واقعٍ أوسع نعيشه جميعًا؛ واقع الخوف اليومي، واهتزاز الشعور بالأمان، في ظل ظروف استثنائية ترخي بثقلها على الناس. لذلك، فإنّ مقاربة هذه القضية يجب أن تبقى ضمن إطارها الصحيح: بعيدًا عن الأحكام المسبقة، وقريبًا من فهم الظروف التي أحاطت بها.
من هنا، جاء تطوّعنا مع فريق الدفاع في هذه القضية، لا من باب الصدفة أو العاطفة، بل انطلاقًا من معرفة شخصية بهذا الشاب، ومن قناعة راسخة بضرورة مقاربة هذه المسألة بوعي ومسؤولية. هو ابن بيروت، المدينة التي تعاني، والتي تعرّض أمنها للاهتزاز بفعل من استغلّ ظروفها الصعبة، فيما يبقى أهلها متمسّكين بالحياة رغم كل شيء.
كما نؤمن أنّ في داخل كلّ واحدٍ منّا حسّ المسؤولية، وأنّ المواطن قد يجد نفسه، في لحظات معيّنة، في موقع الدفاع عن نفسه وعن غيره، ضمن إطار يحترم القانون وينسجم مع دور الدولة ومؤسساتها، التي تبقى المرجع الأساس وصاحبة الدور الأول في حفظ الأمن.
لقد تعلّمنا، نحن المحامين، أنّ الدفاع المشروع ليس ترفًا قانونيًا، بل حقّ يُبحث في ضوء ظروف كل حالة، ويُقدَّر ضمن معايير دقيقة، وتحت رقابة القضاء وحده. فمن واجه خطرًا لحماية نفسه أو غيره، لا يُختزل فعله بقراءة سطحية، بل يُنظر إليه ضمن سياقه الكامل.
وأمام هذه الحادثة، وما سبقها ولحقها من أحداث تقلق الناس وتمسّ أمنهم، نرفض اختزال المشهد أو قلب الأدوار. نؤكّد احترامنا الكامل للدولة ومؤسساتها الأمنية، لكن لا يمكن تجاهل أنّ غياب الحماية في بعض اللحظات، لأي سبب كان، يضع الأفراد أمام مسؤوليات لم يختاروها.
الضحية لا تُختصر بمن سقط فقط، بل تشمل كل من كان مهدّدًا في تلك اللحظة: نبيل قزّاز، وأهالي المنطقة، وكل من وجد نفسه أمام خطرٍ داهم. هي لحظة عاشها كثيرون تحت ضغط الخوف، حيث كان الاحتمال مفتوحًا على ما هو أسوأ.
أهلنا في بيروت الحبيبة،
إنّ نبيل قزّاز ليس وحده اليوم. خلف هذه القضية وجع ناس، وخوف عائلات، وحق مجتمع بأن يشعر بالأمان. العدالة الحقيقية لا تُبنى على ردّات الفعل، ولا على قلب الحقائق، بل على فهمٍ عميق للوقائع، وعلى إنصافٍ يضع كلّ أمرٍ في مكانه الصحيح.
كلّنا نبيل… إلى أن تقول العدالة كلمتها.











































































