اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٦ شباط ٢٠٢٦
أحياناً لا تحتاج الدول إلى أن تمدح نفسها. يكفي أن يقول الآخرون كلمة واحدة في الوقت المناسب.وهذه المرة لم يكن المتحدث محللاً سياسياً ولا صحيفة إقليمية، بل بنك الاستثمار الأمريكي العملاق جيه بي مورغان (J.P. Morgan). مؤسسة لا تجامل أحداً، لأنها ببساطة تتعامل مع المال لا مع الانطباعات. عندما يغيّر هذا البنك تصنيف دولة، فهو لا يكتب مقالاً… بل يغيّر طريقة نظر المستثمرين إليها.
إخراج الإمارات من فئة “الأسواق الناشئة” قد يبدو خبراً تقنياً لا يثير اهتمام القارئ العادي. لكن الحقيقة أن هذا النوع من الأخبار أهم بكثير من بيانات النمو المرتفعة أو أرقام الناتج المحلي. الأرقام الكبيرة قد تتحقق سنة وتختفي في السنة التالية، أما السمعة الاقتصادية فلا تتغير إلا بعد سنوات طويلة من السلوك المتراكم.
المشكلة التي واجهت معظم الدول الغنية بالموارد ليست الفقر، بل الشك.المستثمر يدخلها، لكنه يبقى متردداً. يربح، لكنه لا يطمئن. والسبب ليس حجم الثروة، بل استقرار القواعد: هل القوانين ثابتة؟ هل يمكن التنبؤ بالسياسات؟ هل البيئة الاقتصادية مفاجِئة؟
ما حدث في الإمارات خلال العقدين الأخيرين أنها عملت على هذه الأسئلة تحديداً، وليس فقط على زيادة الدخل. لم تبنِ اقتصادها على فكرة “كيف نجذب المستثمر اليوم”، بل على فكرة أبسط: كيف نجعله يبقى عشرين عاماً.
الفرق كبير بين الأمرين.
الدولة التي تعتمد على الأرباح السريعة تستقطب الأموال السريعة. وهذه الأموال معروفة: تأتي بسرعة وتغادر بسرعة، وتترك وراءها تضخماً وفقاعات. أما الدولة التي تبني الثقة فتجذب نوعاً آخر من رأس المال: الشركات، المكاتب الإقليمية، البنوك، صناديق التقاعد، والاستثمارات طويلة الأجل. هذه لا تزور الاقتصاد، بل تستقر فيه.
ولهذا يصبح كلام جيه بي مورغان مهماً. فالبنك لا يقيّم حجم الأبراج ولا عدد السياح ولا حتى الناتج المحلي بقدر ما يقيّم المخاطر. ومعنى خفض المخاطر ببساطة أن المستثمر لم يعد يشعر بأنه يدخل منطقة غير متوقعة. لقد تحولت الإمارات، في نظر الأسواق، من فرصة استثمارية إلى بيئة أعمال.
كثيرون سيقولون إن السبب هو النفط. لكن النفط موجود منذ خمسين عاماً، بينما التحول حصل مؤخراً. الحقيقة أن النفط موّل التجربة، لكنه لم يفسرها. الذي صنع الفرق هو تحويل العائدات إلى بنية اقتصادية: موانئ، طيران، خدمات مالية، مناطق حرة، وتشريعات تجارية واضحة.باختصار، الثروة الطبيعية تحولت إلى نظام اقتصادي.
اللافت أن التحول لم يحدث بضجيج. لم تكن هناك خطابات كبرى عن “النموذج التنموي”، بل سلسلة قرارات عملية صغيرة: تسهيل تأسيس الشركات، حماية الملكية، حرية حركة الأموال، واستقرار اللوائح. هذه التفاصيل التي لا تلفت انتباه المواطن عادة هي نفسها ما يراقبه المستثمر بدقة شديدة.
وفي الاقتصاد، التفاصيل أهم من الشعارات.
خروج الإمارات من تصنيف الأسواق الناشئة لا يعني أنها أصبحت دولة أوروبية فجأة، بل يعني شيئاً أدق: أن المخاطرة المرتبطة بالاستثمار فيها اقتربت من مستوى الاقتصادات المتقدمة. وهذا أخطر تطور إيجابي يمكن أن يحدث لأي اقتصاد، لأن تكلفة التمويل تنخفض، والاستثمار طويل الأجل يرتفع، والاقتصاد يصبح أقل عرضة للصدمات.
الأهم أن هذا التحول يغيّر موقع الدولة في المنطقة. فالمستثمر العالمي يحتاج دائماً إلى نقطة ارتكاز إقليمية، مكان يدير منه أعماله ويشعر فيه بالأمان القانوني والمالي. تدريجياً أصبحت الإمارات تؤدي هذا الدور في الشرق الأوسط.
لذلك لم يكن تصريح جيه بي مورغان مجرد تصنيف مالي. كان اعترافاً بأن تجربة اقتصادية خرجت من مرحلة الاختبار.الدولة لم تعد تحاول إقناع العالم بأنها مكان مناسب للأعمال؛ الأسواق نفسها بدأت تتصرف على هذا الأساس.
باختصار:الثروة يمكن أن تأتي من الموارد، لكن الثقة لا تأتي إلا من الاستقرار.والإمارات، على ما يبدو، نجحت في بناء الثقة قبل أي شيء آخر.











































































