اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
«الواقع: هو كل ما له وجود ملموس مقدور إثباته. هو الحدث الفعلي. هو الواقعة المجردة.
الحقيقة البديلة: هي خطأ يزين لنا صوابا. إنظر إلى تعريف جورج أوريل لمصطلح «التفكير الإزدواجي»: هو تزامن القبول بواقعين متناقضين من دون أي شعور بالتضارب أو التنافر المعرفي.
الحقيقة: قيمة أو وضع مطابق للواقع: حال الإنسان، أو المكان أو الشيء أو الحدث، أو طبيعته الفعلؤة أو الحقة. الوفاء. الصراحة.
الكذبة: إنطباع خاطئ أو مضلل. خدعة تحدث بها نفسك حتى تغفو ليلاً».حين تتكاثر الأوجاع في المجتمعات، يبدأ السؤال عن الظالم وعن المظلوم. ثم يصير الظالم مؤسسة، ويصير المظلومون طبقة. وليس بعيدا من ذلك ما إحتسبه الجاحظ، وهو يحصي طبقات المجتمع، فيرى أن طبقة المظلومين، هي الأوسع بين الطبقات، وهي الأكثر تأثيرا على المجتمعات، ولو بصورة سلبية. ولهذا إنكب عليها الكتّاب والأدباء والروائيون، يشرحون الأسباب ويعلقون عليها، بحيث بات الهمّ الكبير، هو البحث عن مثل هذه الظواهر، لأجل المساهمة في الكشف عنها، ومعالجة الأسباب التي تدفع بها. وهذا من صلب عمل المثقفين، حتى يدفعوا الإضطهاد عن المضطهدين، وحتى يجعلوا سبل الأمان، أكثر وضوحا، في الظروف الحلزونية المتعرجة.
«لم تعد لي الشرطة حقيبتي النفاثة قط. أظن أنهم أتلفوها للتأكّد من أنها ليست قنبلة.... صحيح أن لقب «صبي القنبلة» ظل يلازمني. لكن الحياة بدأت تعود إلى سابق مجراها».
«سميرة أحمد. نيران جوفاء. دار نوفل - بيروت 2024: 430 ص. تقريباً، إنما تجنّدت في روايتها هذه، للدفاع عن المقهورين والمظلومين، في أكثر البلدان رقيّا وحضارة وعدالة وديمقراطية، عنيت بها بلاد الغرب البعيدة. إذ تعقبت حوادث القتل، وصارت تكشف عنها، بروايتين: الرواية الزائفة، والرواية الحقيقية. وكانت تسأل دائما هذا السؤال: أين الحقيقة من هاتين الروايتين؟
«الواقع: لكل فعل رد فعل يعادله ويعاكسه.
الحقيقة: ليس رد الفعل دوما على قدر الفعل».
وجدت الروائية سميرة أحمد، أن وراء حوادث القتل في المجتمع، من يستغلّ الجريمة وظروف الجريمة بسبب العرق والجنس، وبسبب التعصب الأعمى. فتكون الجريمة عادية في حدوثها. فيسارع إليها بعض الرأي العام لإستغلالها، وتوجيه الأحقاد وبثّ السموم التي تنضح كراهية للآخر.
«زوى هاردي ما بين عينيه، محدّقا إليّ ببصره. وقال: «الأمر ممسوك بزمامه. الراشدون في هذه الغرفة في غنى عن أسئلتك أو تدخّلاتك المزعجة».
تسلّط سميرة أحمد الأضواء على الشبكات العنصرية: أفرادا وأجهزة وخلايا وأحزابا. تكشف لنا من خلال متابعاتها للتحقيق في الجرائم، عن الكثيرين من هؤلاء، الذين يستغلون ظروف الجريمة الغامضة، ليحرفوا التحقيق عن إتجاهه الصحيح، فيبثوا الذعر في النفوس، ويفسدوا الحياة في المجتمع، من خلال اللعب على عواطف الناس. ومن خلال إستغلال التفرقة العنصرية التي تعاني منها المجتمعات. ثم نراهم يمكرون في طرقهم وأساليبهم المتنوعة، من أجل الدفع في نشر البغضاء، وتأليب فريق على فريق، بناء للهوى السياسي، أو للتوجهات الحزبية، أو بناء للأحقاد العرقية والدينية والمجتمعية.
تنهدت وهززت رأسي، سمعت قعقعة، قمت لها وقعدت ذعرا، ظننت أن عثمان كسر الغصين الذي كان يحمله، لكنني وجدته يدحرجه بين أصابعه. لم يبد أنه أو أسماء سمعا الصوت، ولم يكن في الأرجاء أحد غيرنا. أخذت نفسا عميقا، غائرا، ورحت أرمش بعيني مرة بعد مرة. سمعت ذلك الصوت مجدّدا، خافتا جدا، لكنني كنت أعلم ما سمعت، لم يكن من نسج خيالي.
«ساعديني صفية ساعديني».
فتحت عيني. كانت رائحة البخور تلك تعلو رؤوسنا كالسحابة، لكن لم يلحظها أحد سواي».
تعالج سميرة أحمد في روايتها «نيران جوفاء» مسألة كره الآخر، وكره المهاجرين، وكره الأجناس الأخرى في المجتمعات التي يتسيّدون عليها. وأما التهمة الجاهزة، فإنما هو لبوس الإرهاب، لأن الناس لا زالوا يتذكّرون الأعمال الإرهابية التي راحوا ضحيتها، وهي في معظمها، من صنع المنظمات، التي نخرها الضلال والتضليل، من قبل العاملين على إستغلال مثل هذه الجرائم وتوظيفها، بناء لطلب المتسيّدين في مواقع القرار، والذين يديرون اللعبة الفاسدة والقاتلة، ويستغلون نتائجها للحال.
«تجري الشرطة تحقيقا في قضية كتابة غرافيتي تركت على واجهة زجاجية في أحد أحياء الجانب الجنوبي، وقد اعتبرتها جريمة كراهية».
والرواية على عظمها، إنما تدور أحداثها على ثلاث شخصيات، وكل شخصية هي ثنائية، حيث يحملون الحقيقة وضدها. ومحور الرواية، إنما هو «صبي القنبلة»، الذي غدر به، بحيث ضاعت شخصيته، من خلال حقيقته المجرّدة، وحقيقته الزائفة. فهو الطفل الذكي المبدع دون الرابعة عشرة. وهو في الآن نفسه، الضحية المغدورة، والتي غدروا بها، حقدا على الآخر الذي يكرهونه، من موقع الكراهية الضالة والمضللة.
«أستطيع سماعك/ أنا هنا/ ساعديني. أرجوك أسرعي. أنت قريبة جدا. / جديني قبل حلول الظلام. فالظلام أكثر ما يخيفني/ هو وقت خروج الأشباح. وعودة الوحوش لزيارتك».
ميزة الروائية سميرة أحمد في روايتها: «نيران جوفاء»، أنها تبني سرديتها على وقائع ملموسة، تستلها من بين ركام المجتمعات المحطمة بالأحقاد المنظمة، وتحاول ردّها إلى واقعيتها بكل قسوة، حيث تكشف من خلال عملها الفني الإبداعي، عن الحقيقة العارية.
أستاذ في الجامعة اللبنانية











































































