اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٢٩ كانون الثاني ٢٠٢٦
تقف إيران مجدّدًا في لحظة جيوسياسية حرجة. لم تعد طهران قادرة لا على التراجع ولا على التقدّم إلى الأمام من دون دفع أثمان باهظة. الوقت ينفد أمام ملالي طهران والرئيس الأميركي دونالد ترامب يقلّص خياراتهم، التي غدا أحلاها مرًّا. ما زال ترامب يضيّق الخناق على طهران، فقد خيّرها بين القدوم إلى طاولة المفاوضات سريعًا للتفاوض على اتفاق عادل ومنصف، أي وفق الشروط الأميركية الصارمة، وبين هجوم عسكري سيكون أشدّ سوءًا بكثير من عملية مطرقة منتصف الليل، محذرًا إيّاها على طريقته المعهودة من أن أسطولًا أميركيًا ضخمًا أكبر من ذلك الذي أُرسل إلى فنزويلا، يتوجّه إلى إيران، وهو يتحرّك بسرعة كبيرة، وبقوّة وحماسة وغاية واضحة. وحسم الرئيس الجمهوري أن الأسطول مستعدّ وراغب وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة وبالعنف إذا لزم الأمر، كما في حالة فنزويلا.
سيُنظر إلى قرار طهران بوقف تخصيبها اليورانيوم على أراضيها، وتسليمها مخزون اليورانيوم المخصّب لديها، وقبولها قيودًا على ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وتخلّيها عن دعمها أذرعَها في المنطقة، على أنه تراجع جسيم ومهين عن أبرز ما تتباهى به الجمهورية الإسلامية وما يعتبر من الخطوط الحمر بالنسبة إلى المرشد الأعلى علي خامنئي ونظامه الظلامي. أمّا التعنت ورفض تلبية الشروط الأميركية، فسوف يدفع ترامب إلى إصدار أوامر بشن ضربات عسكرية. ومهما كان حجمها، ستكشف هذه الضربات ضعف النظام الإيراني، الذي ارتكب هذا الشهر إحدى أكبر المجازر وأخطرها بحق متظاهرين عزل في القرن الحالي. ولا يبدو أن طهران مستعدّة لتقديم التنازلات التي تطلبها واشنطن.
وخلال جلسة استماع في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، رأى وزير الخارجية ماركو روبيو أن الحكومة الإيرانية ربّما تكون أضعف من أيّ وقت مضى وأن اقتصادها ينهار، متوقعًا اندلاع الاحتجاجات مجدّدًا في المستقبل. وعندما سُئل روبيو عن تقدير وزارة الخارجية عدد القتلى المحتملين في التظاهرات بإيران، أجاب: بالتأكيد (العدد) بالآلاف. وعند سؤاله عن تحرّكات البحرية الأميركية في الشرق الأوسط ومستقبل قيادة إيران، أوضح روبيو أن الوضع شديد الضبابية، معتبرًا أنه إذا ما انهار النظام الحالي، فإن العثور على خليفة سيكون بالغ التعقيد بسبب قبضة النظام الراسخة على السلطة منذ زمن طويل، وأي عملية انتقال ستتطلّب دراسة دقيقة وحذرة.
وفي ما يتعلّق بالوجود الأميركي في المنطقة، تحدّث روبيو عن أن ما بين 30 و 40 ألف جندي أميركي متمركزون في ثماني منشآت أو تسع، محذرًا من أن كلّ هذه المواقع تقع ضمن مدى آلاف الطائرات المسيّرة الإيرانية والصواريخ الباليستية القصيرة المدى، ما يشكّل تهديدًا حقيقيًا. ورأى أنه يتعيّن على بلاده الحفاظ على قدر كافٍ من القوّة العسكرية في المنطقة للدفاع ضد هجمات محتملة، ولا سيّما إذا قرّر النظام الإيراني استهداف القوات الأميركية، مؤكدًا أن ترامب يحتفظ بخيار التحرّك الاستباقي إذا توافرت مؤشرات على هجوم وشيك.
وحسم روبيو أن لواشنطن التزامات أمنية، من بينها الدفاع عن إسرائيل، ما يفرض اعتماد وضعية قوّة متينة في المنطقة، موضحًا أن هذا الوجود يهدف إلى الردع، وإذا لزم الأمر، إلى منع أي هجمات ضد الأفراد الأميركيين والحلفاء. وخلص إلى أن إيران تواصل استثمار موارد كبيرة في قدراتها الصاروخية، رغم أزماتها الاقتصادية، الأمر الذي يجعل من الضروري أن تبقى الولايات المتحدة يقِظة ومستعدّة.
وكان لافتًا كلام المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن أن أيام نظام الملالي باتت معدودة. وقال ميرتس خلال مؤتمر صحافي إلى جانب رئيس الوزراء الروماني إيلي بولوغان إن نظامًا لا يستطيع البقاء في السلطة إلّا من خلال العنف الصرف والإرهاب ضدّ شعبه، أيّامه باتت معدودة، مضيفًا: قد تكون المسألة مسألة أسابيع، لكن هذا النظام لا يملك شرعية للحكم. وفيما تعتزم إيطاليا اقتراح إضافة الحرس الثوري الإيراني إلى لائحة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية على وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل اليوم، أبدت فرنسا تأييدها إدراج الحرس على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، في خطوة تردّدت كثيرًا في اتخاذها حتى وقت قريب.
وإذ أكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أنه لا يمكن السكوت عن القمع الوحشي للانتفاضة السلمية للشعب الإيراني، اعتبر أن الشجاعة الاستثنائية التي أظهروها في مواجهة العنف الأعمى الذي شُن عليهم لا يمكن أن تذهب سدًى، جازمًا بأن باريس ستدعم الآن إدراج الحرس على لائحة الإرهاب. وكان قصر الإليزيه قد أعلن القرار في وقت سابق. ويجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل اليوم، وسط توقعات بأن يقرّوا عقوبات جديدة ردًا على حملة قمع الاحتجاجات في إيران. ومع انضمام فرنسا وإيطاليا وألمانيا إلى لائحة الدول المؤيّدة للعقوبات، من المرجّح إقرار هذه الخطوة اليوم. وقال أحد كبار دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي تعليقًا على قرار الإدراج المحتمل: من الجيّد تسمية الأشياء بأسمائها.
وفي وقت تقرع فيه طبول الحرب في المنطقة، كشفت هيئة البث الإسرائيلية أن التقديرات في إسرائيل أن ترامب يدرس تغيير النظام الإيراني، مشيرة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيعقد اجتماعًا أمنيًا اليوم لبحث الملف الإيراني وتطوّرات الوضع في غزة. وأوضحت القناة 12 الإسرائيلية أن إسرائيل جاهزة لتقديم أي مساعدة للولايات المتحدة في شأن إيران.
في المقابل، حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن قواتنا المسلّحة الشجاعة على أهبة الاستعداد، وأصابعها على الزناد، للردّ فورًا وبقوّة على أيّ اعتداء يطول أرضنا أو أجواءنا أو مياهنا الإقليمية. لكنه أوضح أن إيران رحّبت دائمًا باتفاق نوويّ مجدٍ للطرفين، عادل ومنصف، وعلى قدم المساواة، وخالٍ من الإكراه والتهديد والترهيب، بما يضمن حقوق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية، ويكفل عدم امتلاك أسلحة نووية. وفي وقت سابق، ذكرت وسائل إعلام رسمية إيرانية أن عراقجي نفى الاتصال مع المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف خلال الأيام القليلة الماضية أو طلب إجراء مفاوضات.
كما ردّت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة على تحذير ترامب، مبدية استعداد طهران للحوار القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لكن إذا تعرّضت للضغط، فستدافع عن نفسها وستردّ بشكل لم يسبق له مثيل!، في حين اعتبر مستشار المرشد الأعلى علي شمخاني أن الضربة المحدودة وهم، محذرًا من أن أي عمل عسكري من جانب الولايات المتحدة، من أي مصدر وعلى أي مستوى، سيُعدّ بداية حرب، وسيكون الردّ عليه فوريًا وشاملًا وغير مسبوق، وسيستهدف المعتدي، وقلب تل أبيب، وجميع الداعمين للمعتدي. كذلك، زعم الحرس الثوري بأن لديه خطط عمل تجاه كافة سيناريوات العدو، وإشرافًا كاملًا على تحرّكاته.
وبعيدًا من لغة الوعيد، تبذل طهران جهودًا دبلوماسية مكثفة لإبعاد شبح الحرب عنها، وهي تتواصل مع دول إقليمية متحالفة مع واشنطن سعيًا إلى وساطة تبعد عنها الكأس المرّة. وسط هذه الأجواء، حض وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أميركا، على بدء محادثات نووية مع إيران. وقال فيدان لقناة الجزيرة باللغة الإنكليزية: من الخطأ مهاجمة إيران. من الخطأ إشعال الحرب من جديد. إيران مستعدّة للتفاوض في شأن الملف النووي مجدّدًا. وأضاف: لطالما كانت نصيحتي لأصدقائنا الأميركيين: أغلقوا الملفات تباعًا مع الإيرانيين. ابدأوا بالملف النووي وأنهوه، ثمّ انتقلوا إلى الملفات الأخرى.
ولا تزال الفظائع المرتكبة من قبل قادة طهران بحق المحتجّين تتكشف وتظهر حجم المأساة التي حلّت على المطالبين بإسقاط النظام في إيران. وإضافة إلى ذلك، ذكرت وكالة ميزان التابعة للسلطة القضائية في إيران أن السلطات أعدمت أمس شخصًا بتهمة التخابر لمصلحة إسرائيل، موضحة أن اسمه حميد رضا ثابت إسماعيلي بور.
في الأثناء، ينعكس التوتر الأميركي - الإيراني على الساحة العراقية، فبعدما هدّد ترامب بوقف دعم واشنطن لبغداد في حال عودة المرشح لرئاسة الوزراء في العراق نوري المالكي إلى السلطة، أعلن الأخير رفضه القاطع تدخل الولايات المتحدة السافر في الشؤون الداخلية لبلاده، في وقت تظاهر فيه المئات في بغداد قرب المنطقة الخضراء، حيث تقع السفارة الأميركية، احتجاجًا على موقف ترامب من المالكي. وأفادت تقارير بعقد اجتماع مرتقب لـ الإطار التنسيقي لبحث موقف ترامب. كما اعتبر ائتلاف الإعمار والتنمية النيابي، الذي يتزعّمه رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني، أن تشكيل الحكومة شأن عراقي وطني، مشدّدًا على ضرورة إقامة علاقات إيجابية ومتوازنة مع الدول الصديقة والحليفة، ولا سيّما الولايات المتحدة الأميركية، على أساس الاحترام المتبادل.











































































