اخبار لبنان
موقع كل يوم -درج
نشر بتاريخ: ٢٥ شباط ٢٠٢٦
في الماضي، كرّس وزراء الخارجية المحسوبون على 'محور الممانعة' لبنان ساحة مفتوحة لحروب الآخرين بذريعة المقاومة. اليوم، يُعاد المشهد نفسه بشكل معكوس: لبنان يتحوّل إلى غرفة صغيرة محكومة بمنطق الخصومة مع حزب الله لا بمنطق الدولة.
في الأشهر الأخيرة، صعد اسم وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي إلى واجهة النقاش السياسي، بوصفه أحد أبرز الأصوات الرسمية المناهضة لحزب الله وسلاحه. خطابه الصدامي، المدعوم من مريدين يرون فيه أخيراً وزيراً 'يقول ما يجب قوله'، حوّله إلى ظاهرة إعلامية لها جمهورها لدى جزء من اللبنانيين، وتحديداً بين أوساط اليمين المسيحي. في سردية هؤلاء، رجي هو 'أفضل وزير خارجية' عرفه لبنان منذ عقود، لأنه يواجه الحزب من داخل السلطة لا من خارجها، ويتكلم لغة 'السيادة' بلا مواربة ولا حسابات.
لكن السؤال الذي يغيب عن هذا الإطراء ليس تافهاً: هل تصريحات الوزير تخدم لبنان أم تغامر به؟ وهل وظيفة الدبلوماسية اللبنانية اليوم تسجيل نقاط داخلية، أم حماية البلاد من الحروب والضغوط الخارجية؟
من موقع الخصومة مع حزب الله وسلاحه وأدواره اللبنانية وغير اللبنانية، لا بد من مساجلة خطاب رجي، ذاك أن وزير الخارجية آل على نفسه مهمة لم تنتدبه إليها وظيفته. حوّل وزارة من المفترض أن تمثل كل اللبنانيين، إلى منبر حزبي كونه يمثل حزب ' القوات اللبنانية'. فالمرء لا يرى بما يقوله سمير جعجع مثلاً عن الحرب شططاً، لا بل هو حق وخيار لا يشكل خروجاً عما أجمع عليه اللبنانيون من حق في الرأي والعمل، أما أن يسوق رجي هذا الخيار إلى وزارة الخارجية، فهذا فعل يشبه ما أقدم عليه وزراء الممانعة في وزارة الخارجية عندما سخّروها لخدمة حزب الله.
بالأمس، ومع التصعيد السياسي بشأن حرب أميركية على إيران، والمخاوف المشروعة من توريط حزب الله لبنان مجدداً في حرب قد تجرّ مزيداً من الويلات، سارع الوزير رجي الى القول إن 'لبنان تلقى تحذيرات تشير إلى أن أي تدخل من حزب الله قد يدفع إسرائيل إلى ضرب البنية التحتية'… لم تمضِ ساعات قليلة حتى نقلت وسائل إعلام عن مسؤول إسرائيلي ألا صحّة للتقارير عن النية لاستهداف بنية تحتية في لبنان.
من المنطقي الاعتقاد أن إسرائيل تتلاعب بنا، ومن المنطقي داخلياً القول إن الوزير رجي ربما أراد استباق أي مغامرة للحزب بالتلويح باستهداف إسرائيلي. لكن في سياق تصريحات رجي نفسه السابقة بدا وكأنه يستنجد فعلاً بتدخل إسرائيلي للجم حزب الله، وهذا أمر أعلنه كثر ممَّن يعتبرون أنفسهم 'سياديين' في لبنان.
رجي نفسه وقبل أسابيع قليلة وفي مقابلة صحافية، منح شرعية سياسية وأخلاقية لاستمرار القصف الإسرائيلي على لبنان ما دام حزب الله لم يسلم سلاحه.
هذه الانزلاقات ليست تفصيلاً عابراً. فالدولة التي تشكو من اعتداءات إسرائيل وتجاهر بأن مجالها الجوي منتهك منذ سنوات، لا يمكن لوزير خارجيتها أن يتحول إلى جهة تبرّر هذه الاعتداءات بذريعة خصومة مشروع حزب الله. ما يقوله الوزير يتناقض مع مواقف الحكومة نفسها ومع تقارير أممية ودولية تؤكد أن إسرائيل هي الطرف الأكثر خرقاً لوقف إطلاق النار ولقرارات مجلس الأمن.
الأهم أن هذا الموقف يُسقِط من الحساب أن أي نقاش حول سلاح حزب الله، مهما كان مشروعاً وملحّاً، لا يُعطي دولة محتلّة حق قتل وقصف منازل ومدارس ومبانٍ ومنشآت تحت أي ذريعة.
هذه المفارقة تكشف خللاً أعمق في مقاربة رجي للسياسة الخارجية: نقاش السلاح لا يُدار كملف استراتيجي يحمي الدولة من المخاطر، بل كصراع بلاغي مع حزب الله، ولو على حساب المصلحة الوطنية.











































































