اخبار لبنان
موقع كل يوم -ام تي في
نشر بتاريخ: ٣١ أذار ٢٠٢٦
منذ تكوينه، في عمق الأزمنة التي سبقت الحكاية والتاريخ، كان لبنان يتلمّس خطاه نحوكَ، يا يسوع، طويلًا قبل أن تولد في بيت لحم، كأنّ في كينونته معرفةً سابقة، تماثل الوعد أكثر مما تشبه الطريق، لأنّك أنتَ الحبّ، وهو ناشده.
في أسفار الملوك والمزامير ونشيد الأناشيد وأشعيا وحزقيال، بدا وطني كأنّه يكتب، في طبيعته، إشاراتٍ مبكرة إلى حضوركَ. يرتفع الرمز فيه من جمال الخَلْق إلى أفق اللقاء بالله. أرزٌ شامخٌ يعلو كهيكلٍ حيّ، وجبالٌ تلبس المجد، وعطرٌ يفوح بخورًا كبركةٍ صاعدة، وينابيعُ تنبثق من عمق الصخر شاهدةً على خصبٍ لا يخون، وحسْنٌ ثابتٌ كميثاق، وروعةٌ تذكّر بما خُلق ليبقى.وكأنّ كلّ ما فيه كان ينتظر أن يُقرأ على ضوء تجلٍّ يكتمل ويتجسّد بالحبّ.وفي عهدك الجديد، كان إنسانه يعكس بهاءك في صفاءٍ وتأمّل، في شذى خفيفٍ لا يُمسك، وفي ظلٍّ يحمي دون أن يحجب. هناك، منحته في ذلك العرس فرحَ اللحظة، فارتقى من نقصٍ إلى امتلاء، والتحم بالكلمة التي هي طريقٌ وحقٌّ وحياة.
أمّا أرضه، فإذ حللتَ بها، ارتفعت بقدّيساتها وقدّيسيها إلى السماء، فيما انحنت السماء لتلامس ترابها. ولم يكن في ذلك التبادل المهيب بين ما هو فوق وما هو تحت إلا الحبّ.سما لبنان ليرتفع، وجرّد نفسه من فائض العالم ليصير أهلًا لما لا يُنال إلا بالحبّ. لم يبدّل وجهته، ولم يقايض على معرفته الأولى. وعلى الرغم من هول الانحرافات، ظلّ يتقدّم نحوك، وإن بتعثّرٍ، وإن بانكسار، لأنّ ما فيه كان يعرف أنّ الطريق إليكَ لا تُقطع بالقوّة، بل بالتخلّي. وكان كلّما ظنّ أنّه دنا، اكتشف أنّ عليه أن يتطهّر أكثر. من أوهامه عن نفسه، ومن صوره عن مجده، ومن أثقالٍ شرّيرة تشدّه من الداخل والخارج إلى ما ليس هو.سعى أن يكون منبعًا لحبٍّ لا ينضب، لأنّك أنتَ، في جوهرك، حبّ. وحين يصير الحبّ بذلًا، وحرّيةً، وانكشافًا، يتعلّم الإنسان أن يعطي بلا احتفاظ، وأن يكون حرًّا حتى البلاء، وأن يسكن جوهر النبع، في جرحٍ يفيض من ذاته، لا ليشكو، بل ليمنح.
وحدث أن مشى بذاته درب الجلجلة، دربكَ، كحقيقةٍ كامنة في عمق الحبّ نفسه، فبلغ العطاء حدّ الصليب. وها هو لبنان في هذا الزمن المثقل بمراراته، لا يأتيك راويًا لمأساته، بل شاهدًا على صلبٍ طال. ولا يقف كأمّةٍ فقدت صوتها، بل ككيانٍ أرهقته الصرخات وبلغ فيه الأنين حدًّا لا يُوصف. لم يعد وطنًا يتعذّب فحسب، بل صار مرآةً للألم حين يبلغ ذروته؛ حين يتبدّل الوجع من واقعةٍ إلى كينونة، ومن ندوبٍ إلى هوية. صليبه لم يُدقّ في لحظةٍ واحدة، بل توزّع على سنواتٍ طويلة، كأنّ كلّ يومٍ كان مسمارًا جديدًا، وكلّ أزمةٍ تثبيتًا إضافيًا على خشبةٍ لا تنتهي. من حروبٍ لا تنقضي، ومآسٍ تتكرّر وتُستعاد؛ من جوعٍ وفقرٍ ويُتمٍ وتشرّدٍ وهجرة؛ من جماعاتٍ أنهكت روحه، ومن عالمٍ تركه على هامش أولوياته.
ومع كلّ ضربة، كان ينوح. فجسده بات مثقوبًا بالانتظار، ومثقلًا بذاكرةٍ لا تنسى ماضيه، ولا تهتدي إلى كيف يكون. وبين زمنٍ غابر يلمع كحنين، ومستقبلٍ يتوارى كاحتمال، يبقى معلّقًا، لا ليقع، بل ليبقى حيث الزمن نفسه يبدو مصلوبًا معه.مع ذلك، لم يسقط من المضمون، لأنّ الحبّ الذي فيه لم يمت. تشبّث بسرٍّ خفيّ أنّ الصليب، في عمقه، ليس خاتمة، بل عتبة.فيا يسوع، إن كان لبنان قد صار جلجلة، فلأنّه أحبّ. وإن طال صلبه، فلأنّ حبّه لم يساوم. لم يتخلَّ عن ذلك الحدس الأوّل بأنّك أنتَ الحبّ، وأنّ الوصول إليكَ لا يكون إلا بالعبور فيه.من هنا، لا يناجيك وطني أن يُرفع عنه صليبه بقدر ما يرجو ألّا يضيع غايته؛ ألّا تنقلب هذه المعاناة الطويلة إلى هباء، بل إلى مخاض؛ وأن تبقى فيه شرارة الحبّ حيّة، لأنّها وحدها القادرة على أن تحوّل الصليب من خشبة موت إلى جسر حياة.
فأعضُدِ الحبَّ فينا، كي لا تقوى يدُ الشرِّ عليه. شعبُكَ يرفعُ إليكَ أيديه، ضارعًا مستغيثًا، أن توقف مدَّ هذا الحقد الذي يسكنُ فينا ويطوّقُنا من حولِنا؛ إثمٌ صارخٌ، متعاظمٌ، لا يشبعُ من الفتك، ولا يرتوي من الدم، ولا من الدمار والموت.من أجلِ هذه الأرضِ التي أحببتَها، أعطِنا يدَكَ، لنستعيد الحبَّ الذي هو لبنان، ونُبطلَ به فعلَ أيدي الطغاة أجمعين. أقمْ فينا نورَ القيامة، كي نعودَ إليكَ ونقف في وجهِ قتلة الحياة. وأعطِنا يدَكَ، لنستعيدَ إنسانيتَنا، ونقومَ من هذا الخرابِ إلى رجاءٍ جديد.
سرّك لم يكن في الصلب وحده، بل في ما تلاه؛ لم تكن القيامة إلغاءً للطعن ولا عودةً إلى ما كان، بل انتقالًا إلى ما لم يكن.لبنان، يا يسوع، وهو على صليبه، لا يزال يحمل في جراحه بذور قيامته؛ ليس لأنّ الضيق يكفي، بل لأنّ الحبّ الذي فيه لم ينطفئ.
وبين الصليب والقيامة يقف في لحظةٍ فاصلة، حيث كلّ شيءٍ ممكن، إمّا أن يغرق في عبث النزف، أو أن ينساب إلى ماهيّته. وهو، في عمقه، يعرف الطريق؛ يدرك أنّ ما بدأ حبًّا لا ينتهي إلا حبًّا، وأنّ القيامة ليست وعدًا بعيدًا.وحين يولد من جديد، يكون لبنان قد وصل؛ لا إلى نهاية شقائه، بل إلى حقيقته، إلى حبّه، إليك. وحينها، لا يعود السؤال متى تنتهي الجلجلة، بل متى يولد المعنى منها.
وهو سيقوم.











































































