اخبار لبنان
موقع كل يوم -النشرة
نشر بتاريخ: ١٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
تناول رئيس 'جمعيَّة عدل ورحمة' الأب الدكتور نجيب بعقليني واقع السلام في العالم اليوم، وأسباب ترنحه، ودور التحولات الجيوسياسية في التأثير عليه سلبًا أو إيجابًا، ومهمة السلطات والمسؤلين الروحيين والزمنيين في صنع سلام يقوم على العدالة والحرية والحفاظ على كرامة الإنسان.
وفي لقاء تلفزيوني، استهل حديثه بالقول: 'يرد في الأناجيل أن المسيح كان يحيِّي الناس بعبارة السلام معكم، السلام لجميعكم، لذا أنا أحبُّ استعمال عبارة سلام المسيح، لأنها تنقل كلمة الله والقيم والمبادئ إلى الإنسان، فقد أخذ الربّ يسوع جسدنا ورفع إنسانيتنا، لكننا للأسف، نشدّ فيها نزولًا إلى القعر فيما هو يرتقي فيها. في الحياة الرهبانية نتبادل التحية بالقول: المجد لله دائما لله، أكيد المجد ليسوع الذي يرافقنا في حياتنا ويومياتنا، ونعيش معه بطمأنينة وسلام داخلي'.
أضاف: في بداية السنة الجديدة، مع تبدُّل الأرقام ترتسم جملة أسئلة من بينها: هل يتبدل الإنسان ويتغير ويتجدَّد، أو أن الأرقام تسبقه فيما هو يتقهقر إلى الوراء؟ أين نحن من السلام الذي أعطاه يسوع المسيح؟ إنه سؤال ضمير وإيمان، لا يُقاس بالظروف فقط بل بعمق علاقتنا به'.
حول معاني السلام الذي بشّر به المسيح أوضح: 'قال يسوع لتلاميذه: 'سلامي أترك لكم، سلامي أُعطيكم. ليس كما يُعطي العالم أُعطيكم أنا' (يو 14: 27). سلام المسيح، لا يعني أن الحروب أو الأزمات إلى زوال، بل حضور الله في قلب الإنسان في كل الأوقات وكلّ الظروف ووسط عالم يسوده القلق والاضطراب، من هنا نتوق إلى سلام عالمي خارجي يساعدنا لنعيش سلامًا داخليًّا.
ردًا على سؤال حول اليوم العالمي للسلام الذي تحتفل به الكنيسة الكاثوليكية مع مطلع العام الجديد، أشار إلى أن 'البابوات ابتداء من بولس السادس وصولًا إلى البابا لاون الرابع عشر يشددون عليه كونه محطة تساعد الإنسان ليرجع إلى ذاته، إلى مصالحة مع الله، إلى سلام مع الله ومع الإنسان نفسه، إلى قبول الذات والآخر المختلف (في الدين والثقافة واللون...). لكن قبل أن نصل إلى الآخر المختلف، لنبنِ هذا السلام الخارجي في البيت، مع الجار، مع القريب، ولنعد إلى السلام مع الله، السلام الذي أعطانا إياه يسوع المسيح'.
أضاف: 'اليوم، يتأرجح الإنسان بين عطية أُعطيت له وواقع يُقاوِمها، بين سلام يحمله في الإيمان، وسلام لم يكتمل بعد في التاريخ. لكن الرجاء يبقى ثابتًا، فسلام المسيح أقوى من العُنف، وأعمق من الخوف، وأبقى من كل اضطراب. إنه سلام قائم على العدل، على المحبَّة، على الحرية، على الحق والحقيقة'.
شدّد على أن 'هذا السلام الذي وهبنا إياه يسوع، يجب ألا نحتفظ به لأنفسنا، ونقف على الحياد، ونتعامل مع الأمور بلامبالاة، بل أن نساهم في صنعه في المجتمع، في العائلة، في المجتمع المدني، مع الناس المهمشين والفقراء، من خلال المُطالبة بقضاياهم المحقة ومناصرتها. السلام ثمرته العدل، وهذا ما يتكلم عنه الكتاب المقدس منذ أشعيا، فالعدل يستتبع السلام، والسلام يستتبع المُسامحة والمحبَّة والتعاون والتعاضُد التعاطُف'.
تساءل: 'أين نحن من سلام المسيح؟ بل هل نسمح لهذا السلام الذي عاشه المسيح على الصليب ودحر البغض بموته، أن يغيّرنا، لنكون أدواته في عالمٍ مضطرب يعاني الضياع واليأس والإحباط؟'
وقال: 'السلام تربية في البيت، في المجتمع، في المدرسة، في الجامعة، في الجامع، أينما كان... علينا أن نربي على الروحانية القائمة على أن الحق في العيش الذي حصلنا عليه يجب أن نعطيه للآخرين، ما يعني التكافل وحق كل فرد في الحرية والأمان، وهي مبادئ واردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ذلك أن منح هذه الحقوق للآخرين هو أساس العدالة والمجتمع المتضامن'.
حول حقوق الإنسان كرامته في عالم يصنع السلام بالقوة، قوة الاقتصاد، قوة الضرائب، قوة السلاح... أشار إلى أن 'البابا لاون الرابع عشر تكلم عن سلام مجرَّد من السلاح ومجرِّد من السلاح، وهنا السلاح ليس المدافع والطيران فحسب، بل الاقتصاد والضرائب والهيمنة. السلام يجب أن يكون مجردًا من أي نوع من السلاح، سلام قائم على التعاون والتعاضد المساواة'.
أما عن التحولات الجيوسياسية في العالم، التي تأخد منحى سلبيًّا، أحيانًا، والتغييرات التي تجتاح مسيرة الدول والأفراد، تساءل: 'ما هي أسسها، وأهدافها؟ هل هي لمُساعدة الشعوب لتتخطى وتترقى، أم إرسال الأمراض والأوبئة إليها من ثم بيعها الدواء واللقاحات كي تشفى، أو السيطرة على مواردها الأولية، بحجة تعليمها الديمقراطية والحرية وتعريفها على العدالة، ما يؤدي بها إلى حالٍ مأساوية إنسانيًا واجتماعيًّا ومعيشيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا وروحيًّا وبالتالي إلى الهجرة. اليوم الكنيسة مع إنصاف هذه الشعوب، وتربيتها، وأعطائها حقوقها، والتخفيف من الهجرة في البلدان المحرومة التي تعاني من ظلم سياسي وعنف سياسي واقتصاد متدهور'.
حول كيفية بناء السلام اليوم قال: 'نحن مدعوون، اليوم، ككنيسة وكمجتمع مدني أن نبني السلام، ليس على أنقاض العدالة وإخفاء الحقيقة والحرمان من الحقوق الأساسية مثل المأكل والمشرب والتعليم والسكن... وهي للأسف غير متوافر في مجتمعات كثيرة والنتيجة زيادة الفقر في العالم'.
بناء السلام، برأيه، يقوم على مناصرة القضايا الإنسانية ومساعدة الاخرين ليعوا سلام يسوع الذي وهبنا إياه وهو على الصليب، لا التقوقع والانغلاق والأنانية، بحجة أن نكتفي بالعيش بسلام بمفردنا من دون مشاركته مع الآخرين، وهنا يكمن الفشل الذريع في عيش السلام.
وقال: 'الأشياء الخارجية المادية، السلطة، القوة الاقتصادية، المال، كلها تبعدنا عن رسالتنا الإنسانية ورسالتنا المسيحية. يسوع المسيح جاء من أجل البشرية، بولادته صالحنا مع الآب، وعرّفنا على الآب، وبظهور الثالوس الأقدس مع عمادة يسوع المسيح، تعرفنا على الروح القدس، على الإله الآب، الإله الابن، الإله الروح القدس... أي معرفة الحقيقة الإلهية. كما هو تجسّد لخلاصنا، يدعونا إلى عيش إنسانيتنا الحقة من خلال التعاضد والمساعدة وتأمين مقتضيات العيش الأولية لتحقيق الأمان والسلام. فالمظلوم يصعب عليه العيش بسلام، كذلك الإنسان المحروم من حقوقه'.
أكد أن 'الجميع يتساوون في الكرامة الانسانية، الغني والفقير وصاحب السلطة... لذا يجب عدم تشويهها بل مداواة جروحها بحضورنا، بتعاملنا، بإصغائنا، بتعاضُدنا، بتعاوننا من أجل خير البشرية. أحيانًا يطغى الخير الشخصي والمصلحة الشخصية على الخير العام، من هنا، نوجه دعوة وصرخة إلى المسؤولين الروحيّين والزمنيّين أن ينشروا السلام، ويعيشوا السلام، ويطبقوا السلام والعدالة ثم العدالة، ويوظفوا السُّلطة لخدمة الآخرين بهدف تطوير المجتمع، ذلك أنّ لا سلام من دون تنمية مستدامة، واقتصاد مريح'.
شدد على أن 'بالإيمان نفهم السلام ونعيشه ونطبقه ونتشاركه مع بعضنا البعض، وبالحوار نتبادل الحقوق ونطبق العدالة والقوانين والأنظمة التي تحافظ على السلام وبيئة السلام في العالم. اليوم القانون الدولي، للأسف، متعثر، وهيئة الامم المتحدة متعثرة، لأن الدول التي تموّلها وتضع القوانين هي التي تخالف هذه القوانين، فضلًا عن التعدي على البيئة والتغير المناخي، كلها أمور تجعل السلام مترنحًا، لذلك نحن مدعوون أن نجعل من البيئة ومن علاقتنا بالله أساسًا في حياتنا، فهو يهبنا السلام لنهبه ونعيشه مع الاخرين'.
حول زيارة البابا إلى لبنان قال: 'تحت عنوان 'طوبى لفاعلي السلام لأنهم يريثون ملكوت الله'، اندرجت زيارة البابا لاون الرابع عشر إلى لبنان، أي أن ملكوت الله هو السلام. جاء رجل السلام في العالم ليحكي عن السلام وعن المسامحة وعن أعطاء الحقوق للإنسان وليصلي. عندما نصلي ونتوب ونغفر لبعضنا ونطلب المغفرة من يسوع ندخل السلام، من هنا كان حضور البابا بيننا دافعًا ليستطيع هذا البلد المتنوع الأديان والطوائف والحضارات والثقافات أن يتناغم أبناؤه مع بعضهم البعض ويتطلعوا إلى 'العيش معًا'. احترام الآخر المختلف يعني العيش بسلام وتبادل الحقوق'.
حول السلام بحسب تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة، أشار إلى أنه عطيّة من الله ومهمّة إنسانيّة في آنٍ، وأنه يرتكز على أربع دعائم (بحسب تعليم الكنيسة): الحقّ، العدالة، المحبّة، الحرّيّة. ومن دون هذه الأسس، يبقى أي سلام هشًّا ومؤقّتًا.











































































