اخبار لبنان
موقع كل يوم -الصدارة نيوز
نشر بتاريخ: ٢ نيسان ٢٠٢٦
كتب خيرالله خير الله…
تكفي نظرة سريعة إلى طريقة تعامل “الجمهوريّة الإسلاميّة” مع لبنان منذ قيامها في عام 1979 للتأكّد من أنّ رفض طهران سحب سفيرها المعيّن في بيروت محمّد رضا شيباني أكثر من طبيعيّ. ما يبدو طبيعيّاً أكثر هو إعلان استهداف الجامعات الأميركيّة في المنطقة، بما في ذلك الجامعة الأميركيّة في بيروت التي تأسّست في عام 1866 وما تزال تؤدّي واجبها تجاه اللبنانيّين، جميع اللبنانيّين. تؤدّي هذا الواجب الحضاريّ منذ اليوم الأوّل لوجودها في رأس بيروت من دون تمييز بين لبنانيّ وآخر، بين ديانة وأخرى. يؤكّد ذلك أنّ أربعة من الوزراء الشيعة الخمسة في حكومة نوّاف سلام، بما في ذلك وزيرا “الحزب”، هم من خرّيجي الجامعة الأميركيّة.
لا ينمّ رفض طهران سحب سفيرها، الذي لم يقدّم أوراق اعتماده بعد، من بيروت إلّا عن نظرة ازدراء للبنان. هذه نظرة لم يستطع المتحكّمون بنظام “الجمهوريّة الإسلاميّة” التخلّص منها يوماً مثلما لم يتمكّنوا من التخلّص من شعور عميق بالحقد على الجامعة الأميركيّة في بيروت. ما لا بدّ من ملاحظته في هذا المجال أنّ الازدراء بلبنان بدأ في اليوم الأوّل لدخول عناصر من “الحرس الثوريّ” الأراضي اللبنانيّة صيف عام 1982. ليس سرّاً أنّ القرار بالسماح لهؤلاء بدخول الأراضي اللبنانيّة اتّخذه حافظ الأسد حاكم سوريا وقتذاك من زاوية مذهبيّة.
اللافت أنّ المكان الأوّل الذي استقرّ فيه “الحرس الثوريّ” في لبنان كان ثكنة للجيش اللبنانيّ هي “ثكنة الشيخ عبدالله” في بعلبك التي طُرد منها جنودها وضبّاطها. كان ذلك يرمز إلى مسيرة طويلة تستهدف تدمير مؤسّسات الدولة اللبنانيّة الواحدة تلو الأخرى بدايةً بالمؤسّسة العسكريّة. لا حاجة إلى التذكير بعدد الضبّاط اللبنانيّين، وخصوصاً في منطقة البقاع، الذين عمل “الحرس الثوريّ” على تصفيتهم مباشرة أو عبر “الحزب” الذي أنشأه في لبنان.
إيران لا تصدّق!
يبدو رفض سحب السفير الإيرانيّ تتمّة لما بدأه “الحرس الثوريّ” صيف 1982. لا يستطيع “الحرس”، الذي يحكم إيران فعلاً، منذ قيام “الجمهوريّة الإسلاميّة”، تصديق أنّ سفيره لم يعد مقبولاً به في بيروت بعدما كان في مرحلة معيّنة يقرّر من هو رئيس جمهوريّة لبنان. استطاعت إيران فرض ميشال عون رئيساً للجمهوريّة في عام 2016. جعلته قبل ذلك يمرّ بكلّ الامتحانات التي كان عليه المرور بها، بما في ذلك إسقاط حكومة سعد الحريري بُعيد عودته من زيارة لطهران رفض فيها الشروط الثلاثة التي أرادت فرضها عليه. تتعلّق الشروط بإعفاء المواطن الإيرانيّ من تأشيرة دخول إلى لبنان، وتوقيع معاهدة دفاع مشترك، والسماح لإيران بدخول النظام المصرفيّ اللبنانيّ عبر وديعة في المصرف المركزيّ.
حقّق “الحرس” ما يعتبره إنجازات لا تُحصى في لبنان، وخصوصاً بعد اغتياله رفيق الحريري ورفاقه، الذي كان اغتيالاً للبنان. جاءت بعد ذلك سيطرته على بيروت والجبل في 7 و8 أيّار 2008. افتعل، قبل ذلك، حرب صيف 2006 مع إسرائيل. استهدفت الحرب استكمال إخضاع لبنان واللبنانيّين بتفاهم مع الدولة العبريّة. لم تستفِق إسرائيل على خطر “الحزب” الذي تفاهمت معه على كيفيّة انسحابها من جنوب لبنان في عام 2000 ثمّ على “قواعد الاشتباك” إلّا متأخّرةً.
ليس سهلاً على “الحرس” التابع لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” الاعتراف بأنّ ما حقّقه في لبنان ستليه صفعة من نوع طلب سحب السفير في بيروت. لم يقتصر الأمر على اغتيال رفيق الحريري ومعه باسل فليحان. بل حصلت سلسلة من الاغتيالات التي طاولت شخصيّات عدّة معروفة بموقفها السياديّ.
الحملة بدأت من الجامعة
أخرجت “الجمهوريّة الإسلاميّة” الولايات المتّحدة من لبنان بعدما فجّرت مقرّ المارينز قرب مطار بيروت في عام 1983. ليس صدفة أنّ حملتها على الوجود الأميركيّ بدأت بالجامعة الأميركيّة في بيروت التي تتعرّض للتهديد الآن. مثلما استهلّت إيران إخضاع لبنان باحتلال ثكنة للجيش في بعلبك، باشرت الهجمة على الجامعة الأميركيّة بخطف رئيس الجامعة ديفيد دودج من داخل الحرم الجامعيّ في بيروت في تموز 1982. نُقل دودج إلى طهران عن طريق دمشق. يعود الفضل في إطلاقه إلى الراحل رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد، الذي أراد تقديم أوراق اعتماده إلى الأميركيّين وقتذاك وإظهار أنّه مختلف عن شقيقه الأكبر.
في 1984 اغتال الإيرانيّون بواسطة أداتهم اللبنانيّة ملكوم كير الرئيس الجديد للجامعة الأميركيّة، وفي 1991 جرى تفجير “كولدج هول”، المبنى الذي تدار منه الجامعة الأميركيّة.
لم تفصل “الجمهوريّة الإسلاميّة” يوماً بين الجامعة الأميركيّة في بيروت وبين حملتها على لبنان ومؤسّساته. لم تدرك، إلى يومنا هذا، أنّ الجامعة شيء والوجود الأميركيّ في لبنان شيء آخر، وأنّ الجامعة، التي يدرس فيها طلّاب من “الحزب”، ليست تابعة للإدارة الأميركيّة. بل إنّها مؤسّسة مستقلّة يضمّ مجلس الأمناء فيها لبنانيّين وعرباً يعملون في خدمة رفع مستوى التعليم في المنطقة في جوّ من التسامح وثقافة القبول بالآخر.
تكمن مشكلة النظام الإيرانيّ حاليّاً في أنّه يرفض التعاطي مع واقع جديد والتكيّف معه. إنّه واقع يختزله رفض لبنان، الذي بات مصيره مطروحاً، أن يكون ورقة إيرانيّة. يبحث لبنان عن طريقة تسمح له بالتقاط أنفاسه مجدّداً لا أكثر من أجل العودة إلى مساحة تسودها ثقافة الحياة التي تعبّر عنها مؤسّسة، ترمز إلى البعد الحضاريّ اللبنانيّ، مثل الجامعة الأميركيّة في بيروت.











































































