اخبار لبنان
موقع كل يوم -المرده
نشر بتاريخ: ٣٠ كانون الأول ٢٠٢٥
كتب صلاح سلام في 'اللواء':
لا أحد يستطيع الادعاء أن قانون الفجوة المالية وإعادة الودائع يشكّل نموذجاً مثالياً أو حلاً سحرياً لأزمة معقّدة تشابكت فيها الأخطاء والسياسات الخاطئة على مدى سنوات. فهذا القانون جاء في سياق محاولة متأخرة للتصدي لانهيار النظام النقدي وتراكم مضاعفاته المدمّرة التي كادت أن تقضي على القطاع المصرفي بأكمله، بعدما سقطت علاقات الثقة بين المصارف والمودعين، وتحولت الودائع من حق مصون إلى عبء مؤجّل بلا أفق واضح.
لقد تجرأت حكومة الرئيس نواف سلام على فتح ملف حاولت الحكومات السابقة الهروب منه، رغم أنه كان يفترض أن يكون في صدارة الأولويات منذ الأيام الأولى للأزمة. فحتى قانون الكابيتال كونترول لم يرَ النور في حينه، ولا بعد مرور خمس سنوات على الانهيار، ما سمح بتهريب الأموال واستنزاف ما تبقى من مقدّرات الدولة على حساب صغار المودعين.
غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في عدم مثالية المشروع، بل في طريقة التعاطي معه سياسياً ومصرفياً. فالمفارقة الصارخة أن القوى السياسية التي تهاجم المشروع، وأصحاب المصارف الذين يرفعون لواء الاعتراض عليه، لم يقدّموا حتى الآن بديلاً متكاملاً وقابلاً للتنفيذ. بل اكتفوا برفض النص المطروح، وكأن المطلوب هو الإبقاء على الفراغ التشريعي الذي سمح بتمادي الفوضى المالية، ورسّخ واقع الاستنسابية والتمييز بين المودعين.
من هنا، تصبح مسؤولية المجلس النيابي اليوم مضاعفة. فالمطلوب ليس إسقاط مشروع القانون أو تمريره على «علاته»، بل التعامل معه بروح المسؤولية الوطنية العليا، عبر نقاش جدّي وشفاف، يفضي إلى تحسينه وإدخال التعديلات الضرورية التي تحمي حقوق المودعين، وتحدّد بوضوح آليات توزيع الخسائر، وتربط الانتظام المصرفي بالمحاسبة والحوكمة الرشيدة. أما تحويل القانون إلى مادة اشتباك سياسي أو وسيلة تسجيل نقاط شعبوية، وتفريغه من مضمونه، فلن يؤدي إلاّ إلى تعميق الأزمة وإطالة أمدها.
كما أن جوهر المشكلة لا يكمن في ما يسميه البعض «ثغرات» المشروع، بقدر ما يكمن في الموقف السلبي الذي تواجهه به جمعية المصارف، والتي تصرّ حتى اليوم على لعب دور المعترض من دون أن تتحمّل مسؤولياتها المهنية. فالجمعية، التي كانت شريكاً أساسياً في السياسات المالية التي سبقت الانهيار، تكتفي برفض أي مسار تشريعي ينظّم الخسائر، من دون أن تقدّم خطة بديلة واضحة تعالج الفجوة المالية وتحفظ حقوق المودعين ضمن مقاربة عادلة وقابلة للتنفيذ.
الأكثر خطورة أن هذا الرفض يُسوَّق تحت شعار «حماية القطاع المصرفي»، في حين أن غياب الانتظام القانوني هو ما دمّر هذا القطاع وأفقده دوره الاقتصادي. فالمصارف اليوم تعمل خارج أي إطار سليم، وتفتقر إلى ملاءة حقيقية، وتخضع لاستنسابية في التعامل مع المودعين، وكل ذلك يجري في ظل فراغ تشريعي تتحمّل جمعية المصارف جزءاً أساسياً من مسؤوليته.
إن استعادة الثقة الداخلية والخارجية بالنظام المصرفي تمرّ حكماً عبر قوانين إصلاحية واضحة، لا عبر بيانات اعتراض أو حملات ضغط وتظاهرات في الشارع. ومن دون هذا المسار، ستبقى أبواب المساعدات والتسهيلات الدولية موصدة، وستظل خطط النهوض الاقتصادي حبراً على ورق. لذلك، فإن مجلس النواب وجمعية المصارف مدعوّان اليوم إلى الانتقال من موقع التعطيل إلى موقع الشراكة في الإنقاذ، لأن الوقت لم يعد يسمح بمزيد من المناورات أو الهروب من الحقيقة.











































































