اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١١ شباط ٢٠٢٦
مأساة إنسانية جديدة هزّت مدينة طرابلس مع انهيار مبنى سكني أودى بحياة أربعة عشر شخصاً، في مشهد يعيد إلى الواجهة واحدة من أخطر نتائج الأزمة التشريعية المزمنة في لبنان، وتحديداً قوانين الإيجارات وما راكمته من تشوّهات اجتماعية وعمرانية واقتصادية.
ما جرى في طرابلس ليس حادثاً معزولاً ولا قضاءً وقدراً، بل هو حلقة إضافية في سلسلة انهيارات شهدتها أماكن ومدن لبنانية أخرى خلال الأسابيع والأشهر الماضية، نتيجة أبنية قديمة مهدّدة بالسقوط، تُركت لمصيرها لأن المالكين عاجزون مالياً عن صيانتها، ولأن القانون - بصيغته الحالية - يمنع أي توازن عادل بين حق السكن وحق الملكية.
لقد حوّلت قوانين الإيجارات الاستثنائية، الممتدة منذ عقود، آلاف الأبنية القديمة إلى مصائد موت صامتة. فالمالك مُلزم قانوناً بالحفاظ على البناء، لكنه في الوقت نفسه محروم من أي مردود فعلي يمكّنه من القيام بأعمال الترميم الأساسية. والنتيجة: أعمدة متآكلة، أساسات متصدّعة، وأسقف تنتظر لحظة الانهيار.
الأخطر من ذلك، أنّ الخوف المتبادل بات جزءاً من المعادلة. فبعض المستأجرين الخاضعين للإيجارات القديمة يرفضون السماح للمهندسين المدنيين بالكشف على أساسات المباني، ليس جهلاً بخطورة الوضع، بل خوفاً من قرار إخلاء قد يصدر إذا ثبُت الخطر. إخلاء يعني، بالنسبة لهم، خسارة المسكن، وربما ضياع ما يسمّى «الفراغ» أو «الخلوّ» أو «المفتاح» الذي يُعوَّل عليه كتعويض اجتماعي غير مكتوب في القانون.
وهكذا، يتحوّل الخوف من الإخلاء إلى حكم إعدام مؤجّل، ويصبح السكوت عن الخطر وسيلة للبقاء، ولو كان الثمن أرواحاً بشرية. هذه ليست مسؤولية المستأجر وحده، ولا المالك وحده، بل مسؤولية تشريعية وأخلاقية تقع على عاتق الدولة اللبنانية التي تركت هذا الملف يتعفّن حتى انفجر فوق رؤوس الفقراء.
إنّ ما حدث في طرابلس يجب ألا يُقرأ فقط كحادثة انهيار مبنى، بل كانهيار منظومة قانونية كاملة، عجزت عن حماية الساكن، وأفقرت المالك، ودمّرت النسيج العمراني للمدن، من بيروت إلى طرابلس وصيدا.
السكوت بعد اليوم جريمة. المطلوب ليس خطابات تعاطف ولا لجان تحقيق موسمية، بل إصلاح جذري لقوانين الإيجارات، يوازن بين الحق في السكن الآمن والحق في الملكية، ويضع آليات واضحة للترميم، والتعويض، والإخلاء عند الخطر، على نفقة الدولة أو عبر صندوق وطني حقيقي، لا وهمي.
أربعة عشر قتيلاً في طرابلس ليسوا رقماً. إنهم دليل صارخ على أن القوانين، حين تنفصل عن الواقع، لا تحمي الناس... بل تقتلهم.











































































