اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ٢٥ أذار ٢٠٢٦
غسان بيضون(*)
مع تصاعد أضرار الحرب تزداد المخاطر على توازن موازنة ٢٠٢٦، وذلك بسبب ما يترتب عنها من نزوح وأضرار تلحق بالبنى التحتية وتستوجب لمواجهتها الإنفاق بصورة عاجلة، ولتأمين حاجات ومستلزمات الإغاثة الفورية في مراكز النزوح. ويطرح ذلك السؤال حول سبل التعامل مع التداعيات المالية لهذه الأحداث وانعكاساتها السلبية على الخزينة، وبالتالي على الجهود المبذولة لإبقاء الإنفاق الفعلي ضمن سقف أمكانيات الخزينة، في إطار السياسة المالية التي ارتكزت اليها موازنة ٢٠٢٦، دون التأثير على استقرار سعر الصرف، الذي يشكّل حجر الزاوية في نجاح التعاون بين السلطتين النقدية والمالية في هذه المرحلة والظروف.
للإجابة على هذه التساؤلات لا بد من الإشارة إلى تسلسل أولويات السبل والتدابير المبدئية التي يمكن اتخاذها في مواجهة هذه الظروف والمستجدات، استناداً إلى قانون المحاسبة العمومية والدستور والتدابير التي يمكن ان ترى الحكومة فائدة من اتخاذها لتأمين إدارة سليمة، رشيدة وحكيمة للمرحلة.
تتمثل هذه التدابير بالدرجة الأولى بالتصرف بحدود ما تبقى من احتياطيات موازنة ٢٠٢٦، من بعد ما استنفذ بعضها التعديلات الجارية على مشروع هذه الموازنة بصيغته الواردة من الحكومة. استطراداً وفي الدرجة الثانية هناك إمكانية فتح الاعتمادات الاستثنائية، المنصوص عنها في المادة السابعة من قانون موازنة ٢٠٢٦، تنفيذاً لأحكام المادة ٨٥ من الدستور التي، إذا دعت ظروف طارئة لنفقات مستعجلة، تتيح لرئيس الجمهورية إمكانية أن يتخذ مرسوماً بناءً على قرار صادر عن مجلس الوزراء بفتح اعتمادات استثنائية أو إضافية أو بنقل اعتمادات في موازنة العام ٢٠٢٦، على أن لا تتجاوز هذه الاعتمادات ١٠٠٠ مليار ليرة لبنانية، على أن تعرض هذه التدابير على موافقة للمجلس النيابي في أول عقد يلتئم فيه بعد ذلك.
بالعودة إلى قانون المحاسبة نجد المادة 118، التي تجيز لوزير المالية، إذا وجد ضرورة لذلك، أن يقترح على مجلس الوزراء وقف استعمال بعض الاعتمادات المرصدة في الموازنة. ولمجلس الوزراء أن يقرر الموافقة على الاقتراح إذا كانت الظروف الراهنة تبرر اتخاذ مثل هذا التدبير.
انطلاقا من دواعي استبعاد للجوء إلى الخزينة لتجنب الضغط عليها وتأجيله إلى ما بعد استنفاذ أية إمكانيات اخرى متاحة، بحيث يكون آخر الدواء الكيّ، فإنه يمكن اللجوء إلى احتياطيات بعض الهئيات والمجالس، في حال توفرها، كالهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب ومجلس الإنماء والإعمار، بحيث تسند إليها القيام بأعمال وخدمات إغاثية، أو تنفيذ أشغال ملحّة تتعلق بإعادة تاهيل طرقات أو بنى تحتية متضررة، بما فيه شبكات ومحولات الكهرباء وشبكات ومحطات المياه والاتصالات، التي يمكن أن تكون أصيبت بأضرار ناتجة عن الحرب الجارية.
يضاف إلى هذه الإمكانيات اللجوء إلى تأجيل أي إنفاق غير ملح ويكون تأخيره ممكناً، لا سيما صرف الاشتراكات في المنظمات الدولية، التي يمكن أن تتفهم أسباب هذا التأخير بعد إبلاغها بالحاجة إلى هذا التاجيل، خاصةً وأنها بعملات أجنبية ويمكن أن تشكل ضغطاً على سعر الصرف واحتياطيات مصرف لبنان. وكذلك تندرج ضمن التدابير المفيدة في هذا المجال، إمكانية استخدام بعض القروض المتاحة من خلال إعادة هيكلة وجهات إنفاقها، إن على خدمات إغاثية وتلبية حاجات النازحين لتأمين مستلزمات حمايتهم، أو من خلال دعمهم بمساعدات مالية من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية، لا سيما من يستوفي منهم معيار قبوله للاستفادة من برنامج أمان، شرط أن تصرف هذه المساعدات، وغيرها من أشكال الإعانات، في نقاط البيع التجاري دون أن يؤدي هذا التدبيرإلى التاثير على الكتلة النقدية بالليرة، وعلى سعر الصرف بالمقابل. وكذلك يندرج في إطار المعالجات الموضعية الحد من طمع «المستثمرين» في الأزمات ومستغليها لوضع اليد على إمكانيات مالية والتصرف بها بحرية خارج الرقابة والضوابط.
وحيث أنه يمكن تصنيف الحاجات المترتبة عن الحرب تحت عنواني ضرورات الإغاثة وتأهيل البنى التحتية المتضررة بنتيجتها، فإن هذه الأخيرة أيضاً يمكن التمييز فيها بين ما هو ملح ومستعجل لا يمكن تأجيله، وما يمكن إدراجه ضمن برامج إعادة الإعمار، التي يتم تمويلها بمساعدات وإعانات وهبات خارجية، على غرار ما حصل بعد حرب تموز 2006، وينطلق إقرارها من ضرورة المحافظة على الاستقرار الماكرو اقتصادي واعتماد سياسة نقدية وسياسة سعر صرف سليمة، تكون اساساً لتحفيز الاستثمارات الخاصة والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، والتي لعب مصرف لبنان في السنوات الماضية، دورًا فيها، بما يتجاوز الدور الاساسي لاي مصرف مركزي آخر، الأمر الذي يطرح التساؤل حول حدود إمكانية لعب مصرف لبنان هذا الدور اليوم، مع تغير النهج في إدارته، وتحت مختلف الضغوظ على احتياطياته بالعملات الأجنبية الناتجة عن الظروف المستجدة.
مع وصول نسبة الدولرة والاقتصاد النقدي إلى مستويات عالية بسبب توقف المصارف عن لعب دورها ونجاح شركات الأموال في الحلول محلّها في العديد من وظائفها القصيرة الأجل، يبقى السؤال الأهم المطروح اليوم هو ما إذا كان لدى المصرف المركزي أدوات ووسائل وهوامش تحرّك تتيح له فرض تدابير تساهم في الحفاظ على الاستقرار النقدي وتفادي أزمة مالية جديدة، لا سيما وأن المالية العامة تعمل في ظروف دقيقة وضيّقة، عبّرت عنها موازنة 2026، التي نجحت في توفير التوازن بين تقديرات إيراداتها وتغطية نفقاتها، مستندة في ذلك إلى مختلف التدابير المتخذة في سبيل ضبط الواردات الجمركية والضريبية والحدّ من التهرب منها، من خلال تفعيل الرقابة عليها.
هذا عن إمكانية الحفاظ على توازن موازنة 2026، على المدى القصير وبحدود مدة الحرب الجارية تحت فرضية أن لا تطول، فماذا عن الاستجابة لمتطلبات المؤسسات الدولية في إطار الحفاظ على توازن الموازنة وتجنب العجز فيها، في الظروف الحالية المستجدة المحفوفة بالمخاطر وغير الطبيعية أصلاً؟
جواباً على هذه التساؤلات لا بد من التذكير بأن متطلبات هذه المؤسسات يفترض أن تكون بمثابة نصائح تنطلق من مقاربتها ورؤيتها لمصلحة الإدارة المالية والاقتصادية للبنان والسياسات التي تعتبرها الأنسب لتجاوز المرحلة الصعبة وصولاً إلى استقرار مالي ونمو مستدام، ولا بدّ لهذه النصائح أن تتعدّل لتراعي مقتضيات أي واقع مستجد.
الوضع ليس سهلاً والأزمة مركّبة ومعقّدة، صعبة ومتشعبة تختلط فيها الصعوبات الاقتصادية الداخلية مع ارتقاب مواجهة كهرباء لبنان صعوبة في تمويل كمية المحروقات اللازمة حتى للحفاظ على المستوى المتدني من ساعات التغذية الضئيلة والمتعثرة أصلاً، بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، والذي سوف ينعكس أيضاً على تكلفة إنتاج الكهرباء من المولدات؛ ناهيك عما يترتب عن أزمة النفط من مخاطر تزيد من تكاليف الاستيراد والوقت اللازم لتأمين المواد الحياتية الحيوية، الطبية والغذائية. وتستوجب معالجتها توافقاً سياسياً حول الأولويات وابتكار معادلات مزج « كيميائية» متناهية الدقة، تبنى على أرقام أكيدة ومؤشرات علمية تعكس حقيقة الواقع. وتراعي كافة عوامل الضغط الداخلي والخارجي، لعلّ السياسات والتدابير التي تنبثق عنها تنجح في الحد من التكلفة والخسائر إلى أبعد حدود، والتي يظلّ نجاحها النسبي مرتبطاً بمدة الحرب التي نأمل أن لا تطول بفعل اتساع انتشار تأثيراتها على اقتصاديات العالم أجمع، بما فيه المجتمعات الحيّة التي تمايزت حتى اليوم بعدم موافقتها على السير بمزيد من التصعيد.
وأختم بالتذكير بمسؤولية القيمين المتوالين على قطاع الطاقة، المترتبة عن إضاعة الفرص الثمينة وإهمالهم السير باتجاه اعتماد لا مركزية الإنتاج والتوزيع في إطار معالجة معالجة أزمة الكهرباء من خلال إيلاء البلديات واتحاداتها صلاحية التعاون مع القطاع الخاص لإنتاج الكهرباء من الطاقة المتجددة والشمسية منها بشكل أساسي، والتوسع في تعميم الاعتماد على الطاقة الشمسية في مؤسسات المياه ومرافق الاتصالات والأبنية الحكومية وعلى المساحات المتاحة ضمن المنشآت العامة.
(*)مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه
خبير لدى المعهد اللبناني لدراسات السوق











































































