اخبار لبنان
موقع كل يوم -جريدة اللواء
نشر بتاريخ: ١٣ حزيران ٢٠٢٥
نوال أبو حيدر
يُعاني لبنان منذ سنوات من اختلالات جوهرية في قطاع الاتصالات، لعلّ أبرزها تفشي ظاهرة الإنترنت غير الشرعي، التي باتت تشكّل تحدّيا اقتصاديا وتنظيميا وأمنيا بالغ الخطورة. وعلى الرغم من صدور مراسيم حكومية وخطط رسمية لمعالجة هذه المشكلة، لا يزال أكثر من نصف السوق اللبناني يخضع لهيمنة مزوّدي خدمات غير مرخّصين، ما يتسبب بخسائر مالية ضخمة للدولة ويؤثر سلباً على جودة الخدمة للمواطنين. هذا الملف الذي يتشابك فيه الفساد مع ضعف الرقابة، يكشف عن ثغرات في البنية القانونية والتقنية، ويطرح تساؤلات جديّة حول قدرة الدولة على استعادة سيطرتها على قطاع حيوي كالاتصالات، في ظل أزمات متداخلة تعصف بالبلاد.
من هنا، كان قد أعلن وزير الاتّصالات شارل الحاج أن الوزارة اتّخذت قراراً حاسماً لمعالجة ملف التوزيع غير الشرعي للإنترنت في لبنان، واضعاً ثلاثة أهداف أساسية لهذه الخطوة، على رأسها تحسين جودة الخدمة المقدّمة للمشتركين، من دون رفع الأسعار، إلى جانب ضمان المتطلبات الأمنية وزيادة واردات الدولة.
وتحت هذا العنوان العريض، تقول مصادر وزارة الاتصالات لـ«اللواء» إن «ما يقوم به الوزير هو مسعى جاد لتوحيد جهود جميع الأطراف المعنية، بما يشمل الموزعين وناقلَي خدمات البيانات، بهدف إيجاد أفضل السبل لترتيب وتنظيم هذا الملف. كما توجد متابعة دقيقة من الأجهزة الأمنية، حيث تم اتخاذ قرار حاسم ونهائي بشأن التنفيذ، مما يؤكد جديّة الحكومة في التعامل مع هذه القضية وحسمها بشكل نهائي».
وتؤكد المصادر ذاتها «وجود إصرار قوي من الوزير على معالجة هذا الملف بشكل جذري، حيث يعتزم فتح صفحة جديدة وحلّ جميع القضايا العالقة بالكامل. يأتي ذلك في ظل تحركات فعلية من قبل الهيئة الناظمة وتعيين مدير جديد لشركة «أوجيرو»، مما يجعل ملف الإنترنت حالياً في صدارة الأولويات التي تحظى باهتمام خاص وجديّ»، إذ تُشدّد على أن «القرار الجديّ والحاسم قد اتُّخذ بالفعل، وأن الجهات الرسمية المعنية، وعلى رأسها وزارة الاتصالات، بدأت خطوات عملية لمعالجة هذه المشكلة المزمنة».
مع تزايد تداعيات هذه الظاهرة السلبية على جودة الخدمات وثقة المواطنين، أصبح من الضروري أن تتضافر الجهود بسرعة وشفافية لمعالجة الملف وإلّا فإن استمرار التلكؤ سيعقّد الأزمة ويزيد من أضرارها على المدى البعيد.
واستناداً إلى هذا الواقع، تلفت المصادر إلى أن «التعامل مع ملف الإنترنت غير الشرعي لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل أو المعالجات الشكلية، خاصة في ظل ما تسببه هذه الظاهرة من تداعيات سلبية متزايدة على الأمن القومي والاقتصاد الوطني في آن معاً، بما أن طبيعة هذا الملف لم تعد تقتصر على مخالفات إدارية أو مالية، بل باتت ترتبط مباشرة بأمن المعلومات، وسيادة الدولة الرقمية، فضلاً عن تأثيرها على الخدمات العامة وجودة الاتصالات في مختلف المناطق اللبنانية».
ووفق المعلومات، فإن «هذا التوجّه لا يأتي من باب المناورة السياسية أو الإعلامية، بل ينبع من قناعة متزايدة بأن استمرار الفوضى في قطاع الإنترنت يفتح الباب أمام اختراقات أمنية خطيرة، ويُضعف هيبة الدولة ويقوّض ثقة المواطنين بالمؤسسات، ما يجعل المعالجة ضرورة وطنية وليست مجرد خيار تقني أو إداري».
وأمام كل تلك المعطيات، تنوّه المصادر «بالتزام الحاج الكامل بمكافحة الممارسات غير القانونية في قطاع الإنترنت»، مشيرةً إلى «عزمه تشكيل لجنة خاصة تُعنى بمتابعة شكاوى المواطنين والمستخدمين على مختلف المستويات»، لافتاً إلى أن «الهدف من هذه اللجنة لا يقتصر فقط على تلقّي الملاحظات، بل يشمل أيضاً اتخاذ إجراءات فعلية ضد التجاوزات، وضمان عدالة توزيع الخدمة وسلامة المنافسة في السوق».
وفي سياق هذه التحديات، تعرب المصادر نفسها «عن تمسّك الحاج بمنع الاحتكار لأن الأخير يشكّل بيئة خصبة للفساد والمحسوبيات، حيث يؤدّي إلى تغليب المصالح الضيّقة على مصلحة المواطن، ويُفضي في نهاية المطاف إلى تقديم خدمات متدنية الجودة بأسعار غير منصفة»، وتضيف: «أي احتكار سواء في التوزيع أو تقديم الخدمة يُعتبر مرفوضاً ومنافٍ لمبدأ العدالة الاقتصادية، والوزارة ستتحرك بحزم لكسر هذه البنى الاحتكارية أينما وُجدت، وتمكين المنافسة الشفافة القائمة على الكفاءة والجودة».
في نقطة الحسم، وفي ظل الأزمات المترابطة التي يعيشها لبنان، يبرز ملف الإنترنت غير الشرعي كأحد أكثر الملفات تعقيداً، نظراً لما يحمله من تداعيات تتجاوز البُعد التقني لتطال الأمن القومي، والاقتصاد الوطني، وحقوق المواطنين في الوصول العادل إلى الخدمات. ورغم الاعتراف الرسمي بخطورة هذه الظاهرة، وصدور قرارات وخطط لمعالجتها، لا يزال التنفيذ العملي دون المستوى المطلوب. لأن مواجهة هذا الأمر تتطلب إرادة سياسية صلبة، ومحاسبة شفافة، وتعاوناً فعلياً بين كافة الجهات المسؤولة. ويبقى السؤال الأبرز: هل ستنجح الدولة في فرض السيطرة على الإنترنت غير الشرعي، أم سيظل هذا الملف شاهداً على قصور الأداء والتأجيل؟











































































